آخر تحديث :الخميس - 27 أغسطس 2026 - 04:10 م

كتابات


الجنوب... صراع النفوذ ولحظة الحسم (1،2،3)

الخميس - 27 أغسطس 2026 - 04:04 م بتوقيت عدن

الجنوب... صراع النفوذ ولحظة الحسم (1،2،3)

د.عبدالله عبدالصمد

كيف تغير المشهد بعد حضرموت؟

لم تكن أحداث حضرموت مجرد محطة عسكرية أو أزمة سياسية عابرة، بل مثلت، في تقديري، نقطة تحول أعادت تشكيل المشهد الجنوبي بأكمله. فمنذ ذلك التاريخ، لم تعد معادلات النفوذ كما كانت، ولم تعد القوى الإقليمية تدير الملف الجنوبي بالأدوات نفسها التي استخدمتها خلال السنوات الماضية. وما بدا في حينه خلافاً ميدانياً محدوداً، تحول مع مرور الأشهر إلى بداية مرحلة جديدة، لا تزال تداعياتها تتكشف حتى اليوم.


على مدى سنوات الحرب، تشكلت في الجنوب معادلة معقدة قوامها حضور إماراتي واسع في الملفات العسكرية والأمنية، مقابل دور سعودي يتركز بدرجة أكبر في إدارة التحالف والملفات السياسية. إلا أن هذه المعادلة بدأت تتغير تدريجياً، حتى جاءت أحداث حضرموت لتمنح الرياض دوراً أكثر مباشرة في إدارة الملف الجنوبي، سياسياً وعسكرياً، لتصبح خلال الأشهر السبعة التالية الطرف الأكثر تأثيراً في رسم السياسات اليومية داخل الجنوب.


غير أن انتقال مركز إدارة الملف إلى الرياض لم يؤدِ تلقائياً إلى تحقيق الاستقرار. بل على العكس، دخل الجنوب في مرحلة أكثر تعقيداً. فالخدمات تراجعت بصورة غير مسبوقة، والاقتصاد واصل الانهيار، والحكومة بدت أكثر ضعفاً، بينما اتسعت الهوة بين السلطة والمواطن، وتزايدت الانتقادات لأداء مجلس القيادة الرئاسي، في ظل استمرار الخلافات داخله، وتصاعد الحديث عن تركّز القرار في يد رئيس المجلس، رشاد العليمي، بما في ذلك التعيينات وإدارة كثير من الملفات السياسية والإدارية.


وفي الوقت نفسه، لم يتحقق الوعد الذي انتظرته قوى جنوبية كثيرة بإطلاق حوار جنوبي–جنوبي وبدلاً من ذلك، استمرت إدارة الأزمة عبر إجراءات مرحلية لم تنجح، في نظر كثيرين، في بناء الثقة أو احتواء حالة الاحتقان التي أخذت تتسع مع مرور الوقت.


ومن أبرز الرهانات التي اعتمدت عليها الرياض خلال هذه المرحلة، توسيع دائرة التأثير السياسي والإعلامي، عبر استقطاب شخصيات سياسية وإعلامية ومؤثرين على شبكات التواصل الاجتماعي، انطلاقاً من قناعة بأن إعادة تشكيل الخطاب العام يمكن أن تفتح الطريق نحو إعادة تشكيل المزاج الشعبي. لكن هذا الرهان واجه واقعاً أكثر تعقيداً. فالقضية الجنوبية، بالنسبة للاغلبية من المجتمع، ليست مجرد خطاب إعلامي يمكن تغييره، بل قضية تشكلت عبر تاريخ طويل من الصراع، وترتبط بالهوية والذاكرة السياسية، وهو ما جعل تأثير هذه السياسة محدوداً، بل أدى في بعض الأحيان إلى نتائج عكسية عززت مشاعر الرفض والتمسك بالمواقف السابقة.


وفي الجانب العسكري، برز تحول لا يقل أهمية. فالقوات المسلحة الجنوبية، وقوات المجلس الانتقالي الجنوبي، التي كانت طوال سنوات من أبرز القوى المشاركة في مواجهة الحوثيين، دخلت بعد أحداث حضرموت مرحلة مراجعة عميقة. فقد رأت قطاعات واسعة داخل الجنوب أن ما جرى في حضرموت غيّر قواعد العلاقة مع الرياض، وأعاد طرح أسئلة جوهرية حول طبيعة الشراكة وحدودها. ومنذ ذلك الوقت، أخذت تتسع الأصوات التي ترى أن أي مشاركة عسكرية مستقبلية يجب أن تكون مرتبطة بالدفاع عن الجنوب وحدوده، لا بالانخراط في معارك خارج هذا الإطار.


وفي المقابل، فإن الاعتقاد بأن تراجع الحضور الإماراتي المباشر يعني انتهاء نفوذ أبوظبي في الجنوب يبدو، في ضوء كثير من الدراسات والتحليلات، استنتاجاً متسرعاً. فالنفوذ لا يقاس فقط بعدد القوات أو حجم الوجود العسكري، بل أيضاً بالشبكات السياسية والاجتماعية والمؤسساتية التي تُبنى على مدى سنوات، وهو ما يجعل المشهد أكثر تعقيداً من مجرد انتقال النفوذ من عاصمة إلى أخرى.


إن الجنوب اليوم لا يعيش فقط أزمة إدارة أو أزمة خدمات، بل يعيش مرحلة إعادة تشكيل كاملة للتوازنات السياسية والعسكرية. ولذلك فإن السؤال الحقيقي لم يعد: من يدير الجنوب اليوم؟ وإنما: من يمتلك القدرة على إدارة الجنوب في السنوات القادمة؟ وهل تكفي أدوات النفوذ التقليدية للإجابة عن هذا السؤال، أم أن الوقائع التي فرضتها السنوات الماضية ستقود إلى معادلة مختلفة تماماً؟


هذه الأسئلة ستكون مدخلنا لفهم ما جرى ويجري في الجنوب، لأنها لا تتعلق فقط بمستقبل حكومة أو مجلس سياسي، وإنما بمستقبل قضية ما زالت تمثل أحد أكثر ملفات المنطقة تعقيداً وحساسية.


الجنوب ...  صراع النفوذ ولحظة الحسم ( 2 ) 


لماذا لم ينتهِ النفوذ الإماراتي؟


من أكثر الأخطاء شيوعاً في قراءة المشهد الجنوبي اختزال النفوذ في الوجود العسكري أو السياسي المباشر. فبمجرد أن خففت الإمارات حضورها الميداني، سارع كثيرون إلى الحديث عن نهاية دورها في جنوب اليمن، وكأن النفوذ الإقليمي يقاس بعدد الجنود أو حجم القواعد العسكرية فقط. لكن تجارب العلاقات الدولية تؤكد أن الدول لا تبني نفوذها طويل الأمد بهذه الطريقة وحدها، وإنما عبر شبكة متداخلة من العلاقات والمصالح والشراكات التي يمكن أن تستمر حتى بعد تراجع الحضور العسكري.


وهذا ما يلفت الانتباه في عدد من الدراسات الصادرة عن مركز مالكوم كير–كارنيغي للشرق الأوسط، ومجموعة الأزمات الدولية، وتشاتام هاوس، ومركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية. فعلى الرغم من اختلاف زوايا تناولها، تتفق هذه الدراسات على فكرة محورية مفادها أن الإمارات لم تعتمد في جنوب اليمن على القوة العسكرية وحدها، بل عملت، منذ السنوات الأولى للحرب، على بناء منظومة نفوذ متعددة المستويات، جمعت بين الشراكات السياسية، والدعم الأمني، والعلاقات الاجتماعية، والمصالح الاقتصادية، والتواصل مع الفاعلين المحليين.


هذه المقاربة تمثل، في علم العلاقات الدولية، نموذجاً يجمع بين القوة الصلبة والقوة الناعمة. فالقوة الصلبة تمنح القدرة على فرض الوقائع في المدى القصير، أما القوة الناعمة فتعمل على ترسيخ النفوذ داخل المجتمع المحلي، بحيث يصبح أكثر قدرة على الاستمرار حتى مع تغير الظروف السياسية أو العسكرية.


ولهذا، فإن السؤال الحقيقي ليس: هل غادرت الإمارات الجنوب؟ بل: ما طبيعة النفوذ الذي بقي بعد تراجع حضورها المباشر؟


إذا تأملنا المشهد، نجد أن أبوظبي لم تبنِ علاقتها مع الجنوب من خلال مؤسسة واحدة أو شخصية واحدة، وإنما عبر شبكة واسعة من العلاقات مع فاعلين سياسيين وعسكريين واجتماعيين، وبدرجات متفاوتة في عدن ولحج والضالع وشبوة وابين والمهرة وحضرموت وسقطرى. وعندما تُبنى مثل هذه الشبكات على مدى سنوات، فإنها تصبح جزءاً من البيئة السياسية المحلية، ويصعب إنهاؤها بقرار سياسي أو بانسحاب القوات.


لكن الأهم من ذلك أن الإمارات، في المرحلة الحالية، لا تبدو في عجلة من أمرها لاستعادة حضورها السابق بصورة مباشرة. فربما ترى أبوظبي أن أفضل ما يمكن فعله في هذه اللحظة هو مراقبة المشهد وانتظار تطوراته، بدلاً من الدخول في مواجهة مباشرة مع الرياض حول إدارة الجنوب.


ومن هذه الزاوية يمكن قراءة السلوك الإماراتي باعتباره سياسة انتظار ومراقبة واستعداد. فأبوظبي تدرك أن الرياض دخلت، بعد التطورات الأخيرة، في ملف جنوبي شديد التعقيد، وأن إدارة هذا الملف ليست مسألة قرارات مالية أو ترتيبات سياسية مؤقتة، وإنما ترتبط بقضية وطنية جنوبية تراكمت على مدى عقود، وبقوى محلية لها حساباتها ومصالحها وامتداداتها الشعبية والعسكرية.


وقد يكون أحد السيناريوهات التي تضعها أبوظبي في حساباتها أن تجد الرياض نفسها، مع مرور الوقت، أمام واقع أكثر تعقيداً مما كانت تتوقعه، وأن يتحول التدخل المباشر إلى مستنقع سياسي وأمني واستنزاف طويل الأمد. وفي هذه الحالة، قد تعود الحاجة إلى الدور الإماراتي بصورة أو بأخرى، ليس بالضرورة من خلال العودة إلى النموذج العسكري السابق، وإنما عبر دور سياسي أو أمني أو تفاوضي جديد.


وهنا تكمن إحدى المفارقات المهمة في الصراع السعودي–الإماراتي على النفوذ في الجنوب: قد لا تحتاج الإمارات إلى استعادة نفوذها بالقوة، إذا كانت تنتظر أن يعيد الواقع نفسه فتح الباب أمامها.


فإذا تعثرت الرياض في إدارة الملف الجنوبي، وفشلت في إنتاج صيغة سياسية مقبولة، أو اصطدمت بمقاومة محلية وسياسية واسعة، فقد تجد نفسها مضطرة إلى إعادة النظر في حساباتها، وربما إلى الاعتراف بأن الدور الإماراتي لا يمكن تجاوزه بالكامل.


وفي المقابل، هناك سيناريو آخر لا يقل أهمية، وهو أن تصل الرياض وأبوظبي، بعد مرحلة من التنافس وتضارب المصالح، إلى قناعة بأن إدارة الجنوب تتطلب تفاهمات مشتركة بدلاً من صراع النفوذ. وفي هذه الحالة قد تتحول الإمارات من طرف يجري تحجيم دوره إلى شريك تحتاج الرياض إلى الاستعانة بخبرته وعلاقاته وشبكة نفوذه التي بنتها خلال سنوات.


وهذا السيناريو ليس مستبعداً في السياسة الإقليمية؛ فالدول لا تدير علاقاتها وفق منطق الخصومة الدائمة، وإنما وفق المصالح المتغيرة. وما يبدو اليوم صراعاً على النفوذ قد يتحول غداً إلى تفاهم على تقاسم الأدوار، إذا وجدت العاصمتان أن تكلفة الصراع أعلى من تكلفة التعاون.


ولهذا، فإن الاعتقاد بأن استبدال الطرف الذي يدير الملف الجنوبي يعني انتقال الولاءات بصورة تلقائية، يبدو أقرب إلى التبسيط منه إلى التحليل السياسي. فالمجتمعات لا تعيد تشكيل علاقاتها بنفس السرعة التي تتغير بها التحالفات الإقليمية.


وفي المقابل، وجدت السعودية نفسها أمام مهمة مختلفة تماماً. فهي لم ترث فقط إدارة الملف الجنوبي، بل ورثت أيضاً شبكة معقدة من التوازنات المحلية التي تراكمت خلال سنوات الحرب. وكان عليها أن تبني نفوذها الخاص في وقت قصير، وفي ظل ظروف اقتصادية وسياسية وأمنية شديدة التعقيد.


وربما كان هذا أحد الأسباب التي دفعت الرياض إلى الاعتماد بصورة أكبر على الأدوات السياسية والإعلامية، وإلى محاولة توسيع دائرة الحلفاء داخل الجنوب. غير أن بناء النفوذ الاجتماعي لا يتحقق بالسرعة نفسها التي تُبنى بها التحالفات السياسية، لأن الثقة لا تُشترى، وإنما تتكون عبر الزمن، وتتأثر بمدى انسجام السياسات مع تطلعات المجتمع المحلي.


ومن هنا، يمكن فهم جانب من حالة التعثر التي تواجهها الرياض. فالقضية ليست نقصاً في الإمكانات، بل في طبيعة المقاربة نفسها. فكلما ازداد الاعتماد على الأدوات المالية والإعلامية، دون معالجة القضايا السياسية والخدمية التي تشغل المواطن، بقيت فجوة الثقة قائمة، وربما اتسعت.


وفي المقابل، فإن الإمارات ليست بالضرورة في موقع المنتظر لانهيار الرياض أو فشلها فقط، بل قد تكون أمام فرصة لإعادة صياغة علاقتها بالجنوب والمنطقة كلها. فإذا أثبتت التطورات أن إدارة الجنوب لا يمكن أن تتم من طرف واحد، فقد تجد أبوظبي نفسها أمام فرصة للعودة إلى المشهد من بوابة سياسية جديدة، وربما بشروط مختلفة عن المرحلة السابقة.


ولا يعني ذلك أن النفوذ الإماراتي ثابت أو غير قابل للتراجع، كما لا يعني أن السعودية عاجزة عن بناء حضور أكثر رسوخاً. فالنفوذ في العلاقات الدولية ليس حالة دائمة، وإنما يتغير تبعاً للأداء، والقدرة على التكيف، ومدى نجاح كل طرف في بناء شراكات مستدامة مع المجتمع المحلي.


كما أن المشهد الجنوبي نفسه لم يعد كما كان قبل سنوات. فالقوى الجنوبية أعادت هي الأخرى تقييم علاقاتها الإقليمية، وأصبحت أكثر حرصاً على عدم الارتهان الكامل لأي طرف خارجي، بعد التجارب التي مرت بها خلال السنوات الأخيرة. وهذا التحول قد يكون من أهم المتغيرات التي ستؤثر في مستقبل العلاقة بين الجنوب والقوى الإقليمية.


وفي هذا السياق، لا يمكن إغفال المجلس الانتقالي الجنوبي، الذي يمر بمرحلة إعادة تموضع سياسي وتنظيمي بعد أحداث حضرموت. فرغم ما تعرض له من ضغوط وانتقادات، لا يزال يحتفظ بحضور شعبي وتنظيمي، كما أن القوات الجنوبية ما زالت تمثل أحد أبرز عناصر القوة على الأرض. وهذا يعني أن أي تفاهم إقليمي بشأن الجنوب سيظل مضطراً إلى التعامل مع هذه الحقائق، بدلاً من تجاوزها.


إن التجارب الحديثة في المنطقة تؤكد أن بناء النفوذ أصعب كثيراً من إرسال القوات، وأن خسارة النفوذ لا تحدث بمجرد سحب الجنود. فالعلاقات التي تُبنى عبر سنوات، والمصالح التي تتشكل داخل المجتمع، تحتاج إلى سنوات أخرى حتى تتغير.


ولهذا، فإن الحديث عن اجتثاث النفوذ الإماراتي في الجنوب يبدو أكثر تعقيداً مما يتصوره البعض. فالإمارات قد تكون تراجعت خطوة إلى الخلف، لكنها لم تخرج بالضرورة من المعادلة. وربما ترى أن أفضل موقع لها في هذه المرحلة هو موقع المراقب الذي ينتظر اتضاح اتجاه الأحداث، ويحتفظ في الوقت نفسه بأوراق تمكنه من العودة متى تغيرت موازين القوى.


والسؤال هنا ليس فقط: هل ستعود الإمارات إلى الجنوب؟ بل: هل ستحتاج الرياض نفسها إلى عودة الدور الإماراتي؟


فإذا وجدت الرياض أن إدارة الجنوب منفردة أكثر كلفة وتعقيداً مما توقعت، فقد يصبح التقارب مع أبوظبي خياراً عملياً. وإذا أدركت العاصمتان أن استمرار التنافس بينهما يفتح المجال أمام قوى أخرى ويضعف نفوذهما معاً، فقد نشهد تفاهمات جديدة تعيد توزيع الأدوار بدلاً من إلغاء أحد الطرفين للآخر.


وفي النهاية، فإن المعركة الحقيقية ليست فقط بين الرياض وأبوظبي، وإنما حول سؤال أكبر: هل سيبقى الجنوب مجرد ساحة لإعادة توزيع النفوذ الإقليمي، أم سيتمكن الجنوبيون من تحويل هذه اللحظة إلى فرصة لفرض قرارهم السياسي المستقل؟


وهنا نصل إلى السؤال الأهم: إذا كانت السعودية لم تنجح حتى الآن في بناء نموذج نفوذ مستقر، وإذا كانت الإمارات لا تزال تحتفظ بجزء من تأثيرها رغم تراجع حضورها المباشر، فمن يمتلك اليوم القرار الحقيقي داخل الجنوب؟ وهل أصبح القرار الجنوبي نفسه أكثر استقلالاً عن إرادة العواصم الإقليمية، أم أن الجنوب لا يزال ساحة لإعادة توزيع النفوذ؟

الجنوب... صراع النفوذ ولحظة الحسم (3)


المجلس الانتقالي بين أزمة القيادة وبقاء المشروع


عندما تُقرأ التحولات السياسية في الجنوب، يبرز خطأ يتكرر كثيراً في العديد من التحليلات: الخلط بين التنظيم السياسي والمشروع السياسي.


فعندما يتعرض تنظيم ما لأزمة، يسارع البعض إلى إعلان نهاية المشروع الذي يمثله، بينما تثبت تجارب التاريخ أن التنظيمات قد تضعف، وتنقسم، وتتغير قياداتها، بل وقد تمر بمراحل من الغياب، لكن الأفكار والمشاريع الوطنية لا تختفي بالضرورة بسقوط تنظيم أو غياب قيادة.


ومن هذه الزاوية، فإن القول إن تراجع المجلس الانتقالي الجنوبي يعني نهاية المشروع الجنوبي أو نهاية المطالبة باستعادة الدولة الجنوبية، هو استنتاج متعجل.


فالقضية الجنوبية سبقت تأسيس المجلس بسنوات طويلة، والمجلس نفسه كان إحدى الأدوات السياسية التي أفرزتها القضية في مرحلة معينة. وبالتالي، فإن ضعف الأداة أو تعرضها لأزمة لا يعني بالضرورة سقوط القضية التي أنجبتها.


لكن في المقابل، سيكون من الخطأ أيضاً تجاهل حجم الأزمة التي تعرض لها المجلس الانتقالي خلال المرحلة الأخيرة.


فالمجلس دخل واحدة من أصعب مراحله منذ تأسيسه. الضغوط السياسية والعسكرية، والتغيرات الإقليمية، والارتباك في إدارة بعض الملفات، والتناقضات داخل بنيته، والاعتماد المفرط على بعض الأشخاص، كلها عوامل ساهمت في إضعاف قدرته على المبادرة، وأثرت بصورة واضحة في صورته أمام الشارع الجنوبي.


والأخطر أن جزءاً من المشكلة لم يكن خارج المجلس فقط، وإنما كان داخله أيضاً.


فمن الأخطاء التي لا يمكن تجاوزها أن بناء المؤسسات السياسية والتنظيمية لم يكن بالمستوى الذي يتناسب مع حجم المشروع الذي كان المجلس يتحدث باسمه.


كما أن الاعتماد على شخصيات وأفراد بدلاً من بناء منظومة سياسية ومؤسسية مستقلة جعل المجلس أكثر هشاشة عندما تغيرت الظروف.


والأيام الأخيرة كشفت جانباً أكثر قسوة.


فبعض الذين استفادوا لسنوات من إمكانيات المجلس ومخصصاته، ومن مواقعهم بالقرب من القيادة، لم يستغرقوا وقتاً طويلاً في إعادة تموضعهم عندما تغيرت موازين القوة. وانتقل بعضهم إلى مواقع جديدة، وأصبحوا جزءاً من المشهد الذي كانوا بالأمس في مواجهته.


وهنا لا تكمن المشكلة في الأشخاص الذين غادروا فقط، وإنما في السؤال الذي يجب أن يُطرح على القيادة نفسها:


كيف استطاع أشخاص أن يصلوا إلى مركز القرار، وأن يستفيدوا من قوة المشروع وإمكاناته، ثم يعيدوا تموضعهم بهذه السرعة عندما تغيرت الظروف؟


هذه ليست مسألة ولاء شخصي فقط، وإنما مشكلة سياسية وتنظيمية.


فالمشاريع الوطنية لا تُبنى على الولاءات الفردية، ولا تستطيع الاستمرار إذا كان كل شخص ينتظر موقعه ومصلحته، ثم يغير اتجاهه بمجرد تغير موازين القوى.


ومن هنا، فإن أزمة المجلس الانتقالي ليست أزمة خصوم فقط، وإنما هي أيضاً أزمة مراجعة داخلية.


عيدروس... الرمز والاختبار


وهنا يأتي عيدروس الزبيدي.


فالزبيدي ليس مجرد اسم عابر في تاريخ المجلس، ولا يمكن اختزال تجربته في منصبه السياسي الأخير.


لقد جاء الرجل من بيئة النضال الجنوبي، وارتبط اسمه بالمواجهة العسكرية ضد قوات النظام اليمني، ثم في مواجهة الحوثيين، وكان أحد أبرز القادة الذين ظهروا في الميدان خلال مرحلة الحرب، وخصوصاً في الضالع، حيث لعبت القوات الجنوبية دوراً مهماً في مواجهة الحوثيين ودحرهم من المحافظة.


ومن الميدان انتقل الزبيدي إلى السياسة، وأصبح لاحقاً أحد أبرز رموز المشروع السياسي الجنوبي، ثم رئيساً للمجلس الانتقالي.


وهذا المسار هو الذي صنع جزءاً مهماً من صورته لدى الشارع.


فالرجل بالنسبة إلى مؤيديه ليس مجرد سياسي جلس خلف المكاتب، وإنما قائد خرج من الميدان إلى السياسة، وحمل معه صورة القائد الذي واجه الحوثيين ومشاريع الآخرين في أصعب الظروف.


وهذا الرصيد لا يمكن إنكاره حتى عند الحديث عن أخطائه.


لكن الإنصاف السياسي يقتضي أيضاً ألا تتحول مكانة الرجل إلى حصانة من النقد.


فالزبيدي، مثل أي قائد سياسي، ارتكب أخطاء، وبعض القرارات التي اتخذها أو وافق عليها ساهمت في الوصول إلى الوضع الذي يعيشه الجنوب اليوم.


ومن أبرز تلك الأخطاء الاعتماد الكبير على دائرة محدودة من الأشخاص، وعدم بناء مؤسسات سياسية وتنظيمية تستطيع أن تعمل باستقلالية عن الأشخاص، إضافة إلى عدم تطوير أدوات العمل السياسي بما يتناسب مع حجم المشروع والتحديات المحيطة به.


وقد أثبتت الأحداث أن بعض من كانوا قريبين من مركز القرار لم يكونوا بالضرورة قريبين من المشروع نفسه.


وهذه واحدة من أهم الدروس التي ينبغي ألا تضيع وسط الانفعال السياسي.


ليس كل من يقف بجانب القائد هو بالضرورة جزءاً من المشروع، وليس كل من يرفع شعار القضية مستعداً لدفع ثمنها عندما تأتي لحظة الاختبار.


ولعل ما حدث خلال المرحلة الأخيرة قدم نموذجاً واضحاً لهذه الحقيقة.


فبمجرد أن تغيرت موازين القوة، ظهرت مواقف جديدة، وتبدلت التحالفات، وانتقلت شخصيات كانت بالأمس جزءاً من المشهد الانتقالي إلى مواقع أخرى.


وهنا يصبح السؤال أكبر من عيدروس نفسه:


هل كانت المشكلة في الأشخاص الذين غادروا مواقعهم، أم في منظومة سياسية سمحت لهؤلاء بالوصول إلى مواقع مؤثرة دون بناء مؤسسات وضمانات تحمي المشروع من تبدل الولاءات؟


هذا السؤال سيبقى واحداً من أهم أسئلة المراجعة داخل الجنوب.


الزبيدي في المنطقة الرمادية


أما عيدروس الزبيدي نفسه، فقد وجد بعد أحداث المرحلة الأخيرة في وضع سياسي شديد التعقيد.


فالرجل الذي كان حتى وقت قريب جزءاً رئيسياً من المعادلة السياسية والعسكرية في الجنوب، أصبح خارج المشهد المباشر، بينما تحاول قوى إقليمية إعادة تشكيل المشهد الجنوبي بصورة مختلفة.


واللافت أن موقع الزبيدي أصبح محكوماً بتناقض إقليمي واضح.


فالرياض تنظر إليه باعتباره جزءاً من مشروع سياسي وعسكري ارتبط بالإمارات، وأصبحت أكثر تشدداً تجاه عودته إلى المشهد بالشكل الذي كان عليه سابقاً.


وفي المقابل، فإن أبوظبي، التي ارتبط اسمها بالرجل طوال سنوات، لا تبدو بالضرورة مستعدة للتعامل معه بالطريقة نفسها التي كانت عليها في مراحل سابقة.


وهنا تبدأ المنطقة الرمادية.


هل تريد الرياض إسقاط الرجل لأنه يمثل مشروعاً جنوبياً لا يتوافق مع رؤيتها؟


أم لأنها تعتبره امتداداً للنفوذ الإماراتي في الجنوب؟


وهل تريد أبوظبي عودته فعلاً إلى عدن بالقوة السياسية التي كان عليها؟


أم أنها تفضل الاحتفاظ به كورقة يمكن استخدامها عندما تتغير موازين النفوذ؟


أم أن هناك حسابات أخرى لم تظهر بعد إلى العلن؟


قد تكون الإجابة في واحدة من هذه الاحتمالات، أو في أكثر من احتمال في الوقت نفسه.


فالسياسة الإقليمية لا تقوم دائماً على الصداقة والعداء، وإنما على المصالح المتغيرة.


وهنا تكمن المفارقة:


قد يكون الرجل مرفوضاً من طرف لأنه يمثل مشروعاً لا يتوافق مع حساباته، ومتحفظاً عليه من طرف آخر لأن موازين القوة لم تعد كما كانت، بينما يبقى الشارع الجنوبي هو الطرف الذي يراقب كل ذلك وينتظر.


لكن هناك عاملاً لا ينبغي تجاهله عند قراءة مستقبل الرجل والمجلس معاً: الجماهير الجنوبية ما زالت تمثل الفاصل الحقيقي في هذه المعادلة.


فإذا كانت قطاعات واسعة من الشارع الجنوبي ما تزال ترى في المجلس الانتقالي، وفي قيادة عيدروس الزبيدي، إطاراً سياسياً يحمل مشروع استعادة الدولة الجنوبية، فإن أي محاولة لإزاحة هذا الإطار واستبداله من الخارج ستظل تواجه مشكلة أساسية: غياب البديل الذي يمتلك الحضور الشعبي والسياسي والعسكري نفسه على الساحة الجنوبية.


وهنا تحديداً تكمن إحدى نقاط القوة التي ما زالت قائمة للمجلس رغم أزمته.


الانتقالي والبحث عن البديل


قد تستطيع الرياض إعادة ترتيب المناصب، وإعادة تشكيل هياكل سياسية، ودعم شخصيات جديدة، وفتح قنوات مع مكونات مختلفة، لكن بناء بديل حقيقي للمجلس الانتقالي لا يتم بقرار إقليمي، ولا بمجرد جمع شخصيات سياسية في إطار جديد.


البديل الحقيقي يحتاج إلى مشروع يلامس تطلعات الجنوبيين، وإلى قاعدة شعبية، وإلى قدرة تنظيمية، وإلى حضور ميداني، وإلى خطاب سياسي مقنع، وإلى ثقة الشارع.


وهذه العناصر مجتمعة لا يبدو أن أي قوة جنوبية أخرى استطاعت حتى الآن أن تضاهي بها المجلس الانتقالي.


وهذا لا يعني أن المجلس محصّن من التراجع أو أن أخطاءه يمكن تجاهلها، بل يعني أن محاولة تجاوزه دون معالجة جذور القضية الجنوبية نفسها قد تنتج فراغاً سياسياً بدلاً من إنتاج بديل حقيقي.


والأهم من ذلك أن أي مشروع يحاول إفراغ القضية الجنوبية من مضمونها السياسي والوطني، أو تحويلها من قضية شعب ومشروع دولة إلى مجرد ترتيبات إدارية أو مجالس محلية أو توزيع للمناصب، قد يؤدي إلى نتيجة عكسية تماماً.


فكلما شعر الجنوبيون أن هناك محاولة للالتفاف على جوهر قضيتهم، أو إعادة تعريفها بما لا يتوافق مع تطلعاتهم، فإن ذلك قد يدفع قطاعات أوسع منهم إلى الالتفاف حول القوى التي يرون أنها ما زالت تحمل مشروعهم الأصلي.


ومن هذه الزاوية، فإن الضغط على الانتقالي لا يؤدي بالضرورة إلى إضعافه.


قد يحدث العكس.


إذا شعر الشارع أن هناك محاولة لإقصاء المجلس لأنه يحمل قضية استعادة الدولة، بينما يُدفع ببدائل لا تحمل المضمون نفسه، فقد تتحول الأزمة التي يعيشها الانتقالي إلى عامل يعيد توحيد قاعدته الشعبية حوله.


وهنا تصبح العلاقة بين المجلس والشارع أهم من علاقته بأي عاصمة إقليمية.


الجماهير هي الفاصل


ولهذا فإن السؤال الأهم في المرحلة القادمة ليس فقط: ماذا تريد الرياض؟ أو ماذا تريد أبوظبي؟


السؤال الأهم هو: ماذا يريد الجنوب؟


فإذا بقيت الجماهير الجنوبية متمسكة بمشروع استعادة الدولة، ورأت أن المجلس الانتقالي وقيادته ما زالا يمثلان هذا المشروع، فمن الطبيعي أن تحاول الحفاظ عليهما، والدفاع عن وجودهما السياسي، والمطالبة بإصلاح أخطائهما بدلاً من إلغائهما.


وهنا يجب التمييز بين الدفاع عن المشروع والدفاع عن كل قرار اتخذته القيادة.


فالجماهير يمكن أن تكون مع القضية، ومع المجلس، ومع قيادة عيدروس الزبيدي، وفي الوقت نفسه تطالب بالمراجعة والإصلاح والمحاسبة وبناء المؤسسات.


وهذا هو النضج السياسي المطلوب.


فالانتقالي لا يحتاج إلى جمهور يصفق له في كل الظروف، وإنما يحتاج إلى جمهور يحافظ على المشروع ويطالبه في الوقت نفسه بتصحيح الأخطاء.


وعيدروس الزبيدي لا يحتاج إلى أن يتحول إلى شخصية فوق النقد، وإنما يحتاج إلى أن يدرك أن الرصيد الذي صنعه في الميدان والسياسة هو أمانة ومسؤولية، وأن المرحلة القادمة تتطلب الانتقال من قيادة تعتمد على الأشخاص إلى قيادة تبني المؤسسات.


أما الشارع الجنوبي، فهو في النهاية صاحب الكلمة الفاصلة.


فإذا اختار أن يتمسك بالمجلس، ويحافظ على مشروعه، ويطالب بإصلاحه وإعادة بناء مؤسساته، فلن يكون من السهل تجاوز هذا الخيار عبر ترتيبات تُصنع بعيداً عن إرادته.


ماذا لو لم يعد عيدروس؟


وهذا ربما يفسر جانباً من الغموض الذي يحيط بمستقبل الزبيدي.


فالغياب لا يعني بالضرورة النهاية، كما أن الصمت لا يعني بالضرورة فقدان الشعبية.


والأهم أن شعبية الرجل لا يمكن قياسها فقط بموقعه الرسمي أو بظهوره الإعلامي.


لكن في الوقت نفسه، يجب ألا تتحول القضية الجنوبية إلى انتظار دائم لعودة شخص واحد.


إذا عاد الزبيدي، فلا ينبغي أن تعود معه أخطاء المرحلة السابقة.


وإذا تأخرت عودته، فلا ينبغي أن يتوقف المشروع.


وإذا تغيرت الظروف ولم يعد، فلا ينبغي أن يسقط المشروع معه.


غير أن ذلك لا يعني تجاهل حقيقة سياسية مهمة: في المرحلة الحالية لا توجد قوة جنوبية أخرى تضاهي الانتقالي في الحضور الشعبي والسياسي والعسكري، ولذلك فإن أي حديث عن تجاوزه يحتاج أولاً إلى الإجابة عن سؤال البديل: من يستطيع أن يحمل المشروع نفسه ويحظى بالقبول الشعبي ذاته؟


وهنا لم تستطع الرياض، حتى الآن، إنتاج بديل حقيقي قادر على ملء هذا الفراغ.


بل إن بعض محاولات إعادة تشكيل المشهد من خارج البيئة الجنوبية قد تؤدي، إلى تقوية المجلس وقيادته بدلاً من إضعافهما، خصوصاً إذا فُهمت تلك المحاولات باعتبارها محاولة لتفريغ القضية الجنوبية من مضمونها وتحويلها إلى ترتيبات سياسية وإدارية لا تستجيب للهدف الوطني الذي ينادي به قطاع واسع من الجنوبيين.


وهنا تكمن المفارقة السياسية.


قد تحاول قوة إقليمية إضعاف طرف جنوبي لأنه يرفض رؤيتها.


لكن إذا لم تقدم بديلاً يحمل تطلعات الناس، فقد تجعل ذلك الطرف أكثر قوة، لا أقل.


من امتلاك القوة إلى امتلاك الدولة


وهنا نصل إلى جوهر الأزمة.


المشكلة ليست أن المجلس الانتقالي ضعف فقط.


وليست أن عيدروس غاب فقط.


وليست أن السعودية تقدمت أو أن الإمارات تراجعت.


المشكلة الأكبر أن الجنوب نفسه لم يحسم بعد السؤال الأهم:


كيف ينتقل من مرحلة امتلاك القوة إلى مرحلة امتلاك الدولة؟


القوة العسكرية وحدها لا تكفي.


والشعبية وحدها لا تكفي.


والتحالف مع دولة إقليمية لا يكفي.


والاعتراف السياسي لا يكفي.


حتى القيادة التاريخية، مهما كانت شعبيتها، لا تستطيع وحدها الوصول إلى الدولة 


الدولة تحتاج إلى مؤسسات، واقتصاد، وأمن، وقضاء، وإدارة، وعلاقات دولية، ونظام سياسي واضح، وقيادة تعرف متى تستخدم القوة ومتى تستخدم السياسة، ومتى تفاوض ومتى ترفض.


ولهذا فإن المرحلة القادمة يجب أن تكون مرحلة إعادة تأسيس، لا مجرد إعادة تموضع.


وإذا كان للزبيدي دور في المستقبل، فإن قيمة هذا الدور لن تكون في كونه "المنقذ" أو "الرجل الذي لا بديل عنه"، وإنما في قدرته على أن يكون جزءاً من عملية سياسية جنوبية أوسع من الأشخاص.


أما إذا بقيت التجربة تعتمد على دائرة ضيقة من المقربين، وعلى الولاءات الشخصية، وعلى تحالفات خارجية متغيرة، فإن الأزمة ستتكرر مهما تغيرت الأسماء.


وهنا ربما يكون الدرس الأقسى الذي قدمته المرحلة الأخيرة:


ليس أخطر ما يمكن أن يحدث للمشروع الوطني أن يخسر قائده، وإنما أن يكتشف بعد خسارته أن كثيراً ممن كانوا حول القائد لم يكونوا حول المشروع.


ولهذا فإن الأزمة الحالية، رغم قسوتها، قد تكون فرصة تاريخية.


فرصة لتنظيف الصف السياسي.


فرصة لبناء مؤسسات حقيقية.


فرصة لإعادة تعريف العلاقة مع الخارج.


فرصة لإعادة الثقة بين القيادة والشارع.


وفرصة لإخراج القضية الجنوبية من دائرة الأشخاص إلى دائرة المشروع الوطني.


لكن ذلك لا يعني القفز فوق الواقع القائم. فالمجلس الانتقالي، رغم كل ما تعرض له من أزمات، ما زال القوة الجنوبية الأبرز التي تحمل هذا المشروع في هذه المرحلة، وما زالت قيادة عيدروس الزبيدي تمتلك رصيداً سياسياً وشعبياً لا يمكن تجاهله.


ولهذا فإن المطلوب ليس إسقاط المجلس لمجرد أنه أخطأ، ولا تقديسه لأنه حمل القضية، وإنما إصلاحه وتقويته وإعادة بناء مؤسساته، إذا كان الهدف فعلاً هو الحفاظ على المشروع الذي التف حوله جزء واسع من الجنوبيين.


وفي النهاية، قد يعود عيدروس الزبيدي، وقد يتأخر، وقد تتغير الظروف بطريقة لم يتوقعها أحد.


وقد تتغير القيادة نفسها.


لكن العامل الذي سيحسم كل ذلك هو الشارع الجنوبي.


فإذا بقيت الجماهير متمسكة بمشروع استعادة الدولة الجنوبية، ورأت في الانتقالي وقيادته إطاراً سياسياً قادراً على حمل هذا المشروع، فإن محاولات تجاوزهما دون بديل حقيقي ستظل محدودة النتائج.


أما إذا استطاعت القوى الجنوبية تحويل هذا التأييد الشعبي إلى مؤسسات، وإلى رؤية سياسية واضحة، وإلى قيادة جماعية، وإلى قرار مستقل، فإن المشروع سيكون أقوى بكثير من أي مرحلة سابقة.


وهنا ستكون لحظة الحسم الحقيقية.


ليست لحظة عودة شخص.


وليست لحظة سقوط مجلس.


وليست لحظة انتصار الرياض أو أبوظبي.


بل لحظة اكتشاف الجنوب أن عليه أن يمتلك قراره، وأن يحافظ على مشروعه، وأن يحول قوته الشعبية والسياسية إلى مؤسسات قادرة على حمل مشروع الدولة.


فعيدروس جزء من قصة الجنوب... لكنه ليس كل القصة.


والانتقالي محطة أساسية في تاريخ القضية... لكنه ليس القضية كلها.


لكن ما دام الانتقالي، في المرحلة الراهنة، هو القوة الجنوبية الأبرز التي تحمل مشروع استعادة الدولة، وما دامت قطاعات واسعة من الجماهير ترى فيه وفي قيادته تعبيراً عن هذا المشروع، فإن محاولة إلغائه دون بديل وطني حقيقي قد لا تؤدي إلى إنهائه، بل قد تزيد من التفاف الشارع حوله.


أما المشروع الحقيقي، فهو ما يبقى عندما تتغير الأسماء، وتتبدل التحالفات، وتسقط الحسابات القديمة.


وفي الجزء الرابع سننتقل إلى سؤال أكثر حساسية:


لماذا تغير المزاج الشعبي الجنوبي تجاه المشاركة في أي حرب خارج حدود الجنوب؟ وهل يمثل ذلك مجرد رد فعل على أحداث المرحلة الأخيرة، أم أننا أمام ولادة عقيدة سياسية وعسكرية جنوبية جديدة تقول إن الأولوية يجب أن تكون لحماية الجنوب وأرضه وقراره، قبل الدخول في أي حرب تخدم حسابات الآخرين؟