شهادة صحفي عربي دخل حرب 1994 من بوابة المهنة ووجد نفسه في قلب أكثر الحروب اليمنية مأساوية
البروفيسور المغربي والاعلامي العربي توفيق جزوليت في أول حوار صحفي شفاف تجريه "عدن تايم" بمناسبة عيد الجيش الجنوبي :
أصريت على مواصلة التغطية من الخطوط الأمامية رغم المخاطر الكبيرة التي كانت تحيط بي وفريق
أصبحت قضية تكفيري واعتباري �زنديقًا� بسبب مواقفي وتغطيتي للحرب وأبرز من نُسب لي ذلك الشيخ عبد المجيد الزنداني
الإيمان بالقضية الجنوبية لا يعني التغاضي عن مواطن الخلل ودعم مشروع المجلس الانتقالي لا يعني اعتبار تجربته بمنأى عن المراجعة والتقييم
لم تكن تغطيتي للحرب تحظى بقبول الرئيس علي عبد الله صالح وحلفائه في حزب الإصلاح
المرحلة الراهنة تفرض مراجعة جادة للأداء السياسي والدبلوماسي والإعلامي والمؤسسي
النقد الذي أطرحه لا يستهدف القضية الجنوبية ولا ينتقص من دور المجلس الانتقالي
تحركات الرئيس الزُبيدي أسهمت خلال السنوات الماضية في إيصال القضية الجنوبية إلى دوائر الاهتمام الإقليمي والدولي
حقق الرئيس الزُبيدي اختراقات مهمة من خلال لقاءاته مع مسؤولين وشخصيات دولية، وحضوره في عدد من المحافل الدولية
ينبغي تحويل كل تحرك سياسي إلى مسار دبلوماسي وقانوني وإعلامي متكامل
أدعو إلى إعداد الملف القانوني الدولي للقضية الجنوبية بصورة احترافية والاستعانة بخبراء في القانون الدولي والعلاقات الدولية
حرصت صحيفة "عدن تايم" وبمناسبة عظيمة ، عظمة الجيش الجنوبي المجيد بذكرى عيده في الاول من سبتمبر من كل عام .. حرصت على إجراء حوار صحفي مع إعلامي عربي وشاهد عيان على حرب إجتياح الشمال للجنوب في العام 1994 .. مواقف واحداث وحقائق يرويها الاعلامي توفيق جزوليت ، البروفيسور أستاذ القانون الدولي بجامعة الملك محمد الخامس بالرباط ، غني التعريف في الساحتين الجنوبية واليمنية.. فالى حديث الصوت المساند الثابت من المغرب العربي.
حاوره / عيدروس باحشوان
رئيس التحرير
▪تجربة إنسانية ومهنية قاسية عشت تفاصيلها
س : تتشرف صحيفة "عدن تايم " لإجراء حوار معكم ولاول مرة ، وبهذه المناسبة لعيد الجيش الجنوبي والذي واكبتم تجربته القتالية في حرب اجتياح الشمال والجنوب في 1994م وتنقلتم مع وحداته العسكرية بين عدن وحضرموت. ما الذي جرى كشاهد عيان ميداني وتقييمكم للحرب المشؤومة؟
توفيق جزوليت : لم تكن حرب عام 1994، تلك الحرب المشؤومة، بالنسبة إليّ مجرد حدث عسكري وسياسي قمت بتغطيته بصفتي إعلاميًا، وإنما كانت تجربة إنسانية ومهنية قاسية عشت تفاصيلها من الخطوط الأمامية، وتنقلت خلالها بين عدن ووادي حضرموت وسيئون وغيرها من المناطق الجنوبية.
بدأت تغطية الحرب منذ اندلاعها، من المواقع المحيطة بعدن. وكنت أؤمن آنذاك بأن مهمة الصحفي لا تقتصر على نقل البيانات العسكرية أو التصريحات السياسية، وإنما تقتضي أن يكون حاضرًا حيث تقع الأحداث، وأن ينقل إلى الرأي العام العربي والدولي ما يراه ويسمعه بنفسه، بعيدًا عن الدعاية والتوجيه.
ومع امتداد المعارك إلى الجنوب، بدأت الصورة تتضح أمامي أكثر. فقد بدا لي أن الحرب لم تكن مواجهة عسكرية متكافئة بين طرفين، وإنما حربًا انتهت إلى فرض الوحدة بالقوة العسكرية. وكان الأكثر إيلامًا أن الجنوب أصبح مسرحًا لهذه الحرب، وأن المدنيين، من أطفال ونساء وشيوخ، دفعوا الثمن الأكبر.
منذ الأيام الأولى، كنت مصرًّا على مواصلة التغطية من الخطوط الأمامية، رغم المخاطر الكبيرة التي كانت تحيط بي وبفريق العمل. وأذكر، على سبيل المثال لا الحصر، إحدى المعارك في عدن، وتحديدًا في جبهة صلاح الدين. كنت برفقة مجموعة من المقاتلين الجنوبيين عندما تعرضنا لقصف مدفعي عنيف، ونجونا منه بصعوبة بالغة. ولولا عناية الله، لكنت أنا وأفراد فريق العمل، ومعنا أحد الإخوة الأعزاء من أبناء الجنوب، من عدن، أنوار بن فريد الردقاني، في عداد الموتى. لكن هذه الحادثة لم تؤثر قيد أنملة في إصراري على مواصلة عملي. كنت أرى أن الخطر جزء من مهمتي الصحفية، وأن ما يحدث على الأرض يجب أن يصل إلى الرأي العام العربي والدولي كما هو، لا كما تريد الأطراف المتحاربة أن يظهر.
وحين كانت المعارك تهدأ خلال النهار، كنت أحرص على زيارة المستشفيات، ولا سيما في عدن والمكلا. وهناك رأيت مشاهد لن تغادر ذاكرتي أبدًا: أطفالًا ومدنيين أصيبوا بالقذائف، وبعضهم فارق الحياة متأثرًا بجراحه.
كانت تلك المشاهد بالنسبة إليّ أكثر من مجرد صور صحفية؛ كانت وجعًا إنسانيًا عميقًا، وشهادة على أن الحروب لا تُقاس فقط بما تحققه الجيوش في ساحات القتال، وإنما أيضًا بعدد الأرواح التي تحصدها، وبحجم المآسي التي تتركها وراءها
لم تكن تغطيتي للحرب تحظى بقبول الرئيس علي عبد الله صالح وحلفائه في حزب الإصلاح. وفي خضم تلك التطورات، اتصل بي المرحوم الأستاذ فضل مطلق، مدير تلفزيون عدن، وأبلغني بأنني أصبحت مهددًا بالقتل من قبل مقاتلين تابعين لحزب التجمع اليمني للإصلاح. نصحني فضل مطلق، بل أصرّ، على أن أغادر عدن فورًا، وأن أواصل تغطية الحرب من وادي حضرموت.
وفي تلك الفترة، أصبحت قضية تكفيري واعتباري �زنديقًا� بسبب مواقفي وتغطيتي للحرب جزءًا من تلك التجربة. وكان من أبرز من نُسب إليه هذا الموقف الشيخ عبد المجيد الزنداني، في سياق شمل أيضًا قيادات ومناضلين في الحزب الاشتراكي الجنوبي. ولم يكن الأمر بالنسبة إليّ مجرد خلاف سياسي أو إعلامي؛ فقد فهمت من تلك التطورات أن الصحفي الذي يحاول نقل الصورة من أرض المعركة يمكن أن يتحول هو نفسه إلى هدف عندما تتعارض شهادته مع الرواية التي تريد صنعاء فرضها.
فكرت مليًا في الأمر، وقررت في النهاية مغادرة عدن برفقة مجموعة من المقاتلين الجنوبيين على متن باخرة سوفييتية الصنع، قديمة للغاية، متجهين نحو المكلا.
كانت الرحلة شاقة بكل معنى الكلمة. أمضينا ثلاثة أيام في البحر، ولم يكن لدينا ما نتناوله تقريبًا سوى عصير المانجو. وفي أسفل الباخرة كانت توجد مجموعة كبيرة من المعتقلين، لا يقل عددهم عن 130 شخصًا. وأبلغني من كانوا معي أنهم من عناصر حزب الإصلاح.
وعندما وصلنا إلى المكلا، لم أعتبر أن مهمتي قد انتهت. واصلت عملي الصحفي، وانتقلت إلى مناطق في وادي حضرموت، واستمرت تغطيتي للتطورات الميدانية حتى اغتيال الشهيد اللواء صالح بن حسينون، ثم سقوط المكلا.
عندما أستعيد اليوم تلك المرحلة، أدرك أنني لم أكن مجرد صحفي يغطي حربًا من بعيد. كنت أعيش الحرب لحظة بلحظة، وأتنقل من جبهة إلى أخرى، وأدخل المستشفيات، وألتقي بالمقاتلين والمدنيين، وأرى بأم عيني ما كان يحدث على الأرض.كانت تجربة مؤلمة وخطيرة، لكنها رسخت لديّ قناعة أساسية: أن الحقيقة في زمن الحرب تصبح أحيانًا أكثر خطورة من الرصاص نفسه.ولهذا، لم يكن وجودي في الخطوط الأمامية مجرد مغامرة صحفية، بل كان التزامًا مهنيًا وأخلاقيًا. كنت أعتقد أن من واجبي أن يرى العالم ما يجري بعيدًا عن البيانات العسكرية والدعاية السياسية، وأن تصل أصوات الضحايا بل و الشهداء إلى من هم خارج دائرة الحرب.
واليوم، بعد مرور أكثر من ثلاثة عقود، أكتب هذه الشهادة لا لتصفية حساب مع أحد، ولا لإعادة إنتاج خطاب الحرب، وإنما لأنني كنت هناك. شاهدت جانبًا من تلك الأحداث، وعشت مخاطرها، والتقيت مقاتلين ومدنيين وشخصيات كان لها دور مباشر في مجرياتها. وقد تختلف الروايات حول حرب 1994، وقد تتباين القراءات السياسية لتلك المرحلة، لكن هناك حقيقة لا يمكن تجاهلها: أن من عاش الأحداث في الميدان يحمل ذاكرة مختلفة عن أولئك الذين قرأوا عنها بعد انتهائها.
هذه شهادتي كما عشتها، وكما بقيت تفاصيلها في ذاكرتي؛ شهادة صحفي دخل حرب 1994 من بوابة المهنة، ووجد نفسه في قلب واحدة من أكثر الحروب اليمنية مأساوية، وخرج منها وهو يحمل في ذاكرته أسئلة كثيرة، ومشاهد مؤلمة، وذكريات لا تستطيع السنوات محوها.
▪المشروع الجنوبي أكبر من الأشخاص
س : يشهد لكم وقوف ثابت لا يتزعزع مع قضية الجنوب ونصرتها واستعادة دولته الجنوبية ويتابع الرأي العام الجنوبي كتابتكم الأخيرة وبعض التناولات خاصة ما بعد أحداث يناير 2026 وأداء المجلس وصفت من البعض انها قاسية . ما تعليقكم؟
توفيق جزوليت : قد يُساء أحيانًا فهم النقد الموضوعي والبنّاء، خصوصًا عندما يصدر عن شخص يؤمن بالقضية التي يدافع عنها الطرف الذي يتناوله بالنقد. وفي الحالة الجنوبية، قد يُنظر إلى طرح الأسئلة الصعبة أو الإشارة إلى مواطن الخلل في أداء المجلس الانتقالي على أنها تراجع عن القضية أو موقف معادٍ للمجلس، بينما الأمر في حقيقته مختلف تمامًا.
إن الإيمان بالقضية الجنوبية لا يعني التغاضي عن مواطن الخلل، كما أن دعم المشروع الذي يحمله المجلس الانتقالي لا يعني اعتبار تجربته بمنأى عن المراجعة والتقييم. فالمشروع الجنوبي أكبر من الأشخاص، وأهم من الحسابات الآنية، وأبعد من حدود اللحظة السياسية، ولذلك فإن الحفاظ عليه يتطلب شجاعة في تشخيص مكامن القوة والضعف، والاعتراف بالأخطاء والعمل على تصحيحها.
ومن هذا المنطلق، أكتب لا بدافع الخصومة أو الرغبة في الانتقاد، وإنما انطلاقًا من قناعة بأن المرحلة الراهنة تفرض مراجعة جادة للأداء السياسي والدبلوماسي والإعلامي والمؤسسي. فما يمكن تصحيحه اليوم قد يتحول، إذا تم تجاهله، إلى أزمة أكثر تعقيدًا وكلفة في المستقبل.
فالقضايا الوطنية الكبرى لا تُحمى بالمجاملة، ولا تتقدم بالصمت،
وإنما تحتاج إلى نقد صادق، ومراجعة مسؤولة، ومؤسسات قادرة على استيعاب الملاحظات وتحويلها إلى سياسات وقرارات تعزز قوة المشروع وتحمي مستقبله.
ولهذا، فإن النقد الذي أطرحه لا يستهدف القضية الجنوبية، ولا ينتقص من دور المجلس الانتقالي، بل يهدف إلى الإسهام في تطوير الأداء، وتعزيز المؤسسية، والاستعداد بصورة أفضل للاستحقاقات السياسية القادمة.
▪القضية الجنوبية تحتاج إلى دبلوماسية مؤسسية مستدامة تعمل على مدار العام
س : أخيرا .. كان وما زال للمجلس الانتقالي الجنوبي مساحة واسعة من التحرك الخارجي الدبلوماسي وزيارات للدول العظمى ومقرات المجتمع الدولي .. ما تقييمكم لها خاصة وانكم قدتم نصائح مؤخرا نصائح في هذا المجال.؟
توفيق جزوليت :
إذا كان الهدف هو إجراء تقييم موضوعي للعلاقات الخارجية للمجلس الانتقالي الجنوبي، فإن النقد لا يعني إنكار ما تحقق من مكاسب، كما أن الإشادة بالإنجازات لا تعني تجاهل مواطن القصور. والتقييم الأكثر دقة يقتضي الجمع بين الأمرين: الاعتراف بما تحقق، وتشخيص ما حال دون تحويل تلك المكاسب إلى نتائج سياسية ودبلوماسية مستدامة.
ومن الإنصاف القول إن تحركات الرئيس عيدروس الزبيدي أسهمت خلال السنوات الماضية في إيصال القضية الجنوبية إلى دوائر الاهتمام الإقليمي والدولي، وإبقاء مطلب الجنوبيين باستعادة دولتهم حاضرًا في عدد من المحافل والدوائر الدولية. كما أن المجلس الانتقالي امتلك دائرة للعلاقات الخارجية والشؤون الخارجية، وافتتح في مايو 2025 بعثة له في واشنطن.لذلك، فإن المشكلة لا تكمن في غياب النشاط الدبلوماسي، وإنما في ضعف مأسسته وتحويله إلى عمل مؤسسي متكامل ومستدام. لقد حقق الرئيس الزبيدي اختراقات مهمة من خلال لقاءاته مع مسؤولين وشخصيات دولية، وحضوره في عدد من المحافل الدولية، ومنها الأمم المتحدة ودافوس، مكاسب لا ينبغي التقليل من أهميتها. لكن السؤال الأهم ليس فقط: ماذا تحقق؟ وإنما: كيف يمكن البناء على ما تحقق؟
فجزء كبير من النشاط الخارجي ظل مرتبطًا بشخص الرئيس وبالمناسبات والزيارات السياسية أكثر من ارتباطه بجهاز دبلوماسي محترف يعمل بصورة متواصلة، وفق استراتيجية واضحة، ويملك القدرة على تحويل كل تحرك سياسي إلى مسار دبلوماسي وقانوني وإعلامي متكامل.وهنا تكمن إحدى أهم نقاط الضعف التي ينبغي معالجتها.
القضية الجنوبية، إذا كانت تسعى إلى استعادة الدولة، لا تحتاج فقط إلى حضور سياسي ظرفي، وإنما إلى دبلوماسية مؤسسية تعمل على مدار العام، وتملك رؤية بعيدة المدى، وتراكم المعرفة والعلاقات والملفات، وتتابع نتائج الاتصالات الدولية بصورة منهجية.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى تطوير جهاز متخصص للعلاقات الدولية والدبلوماسية الجنوبية، تكون مهمته بناء استراتيجية دولية متكاملة للقضية الجنوبية، تمتد لسنوات وليس لأشهر أو مواسم سياسية.
ويفترض أن يتولى هذا الجهاز، من بين مهامه:
1. إعداد استراتيجية دولية متكاملة للقضية الجنوبية وتحديثها بصورة دورية.
2. إعداد ملفات سياسية وقانونية متخصصة لكل دولة مؤثرة، وفي مقدمتها الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وروسيا والصين ودول الاتحاد الأوروبي.
3. بناء قنوات اتصال دائمة مع الأمم المتحدة ومجلس الأمن والبرلمانات ومراكز الدراسات والمؤسسات الأكاديمية.
4. إعداد الملف القانوني الدولي للقضية الجنوبية بصورة احترافية، والاستعانة بخبراء في القانون الدولي والعلاقات الدولية.
5. بناء شبكة من الدبلوماسيين السابقين والمحامين والأكاديميين والخبراء القادرين على دعم التحرك الخارجي.
6. تطوير خطاب سياسي جنوبي موجه إلى المجتمع الدولي، يختلف في أدواته ومضمونه عن الخطاب الموجه إلى الجمهور المحلي.
7. متابعة المواقف والتصريحات والقرارات الصادرة عن الحكومات والمنظمات الدولية، والتفاعل معها بسرعة واحترافية.
8. تحويل كل لقاء أو زيارة يقوم بها الرئيس الزبيدي إلى مسار دبلوماسي متكامل قبل اللقاء وأثناءه وبعده.
9. تطوير الممثليات والبعثات في العواصم المؤثرة بحيث تكون مراكز عمل دبلوماسي حقيقية، لا مجرد حضور رمزي.
10. وضع آليات لقياس النتائج، بحيث يتم تقييم كل زيارة أو لقاء: ماذا تحقق؟ وما الالتزامات التي تم الحصول عليها؟ وما الخطوات المطلوبة لمتابعتها؟
وهنا تظهر أهمية الاستمرارية.
فالدبلوماسية الناجحة لا تقوم على لقاء مسؤول دولي ثم انتهاء المهمة بانتهاء اللقاء. فاللقاء في حد ذاته ليس النتيجة، وإنما هو بداية لمسار يجب أن يستمر ويتطور.
فعلى سبيل المثال، إذا التقى الرئيس الزبيدي مسؤولًا أمريكيًا، فإن اللقاء ينبغي أن تتبعه مذكرة سياسية، وملف قانوني، واتصالات مع أعضاء الكونغرس، وتواصل مع وزارة الخارجية الأمريكية، ولقاءات مع مراكز الدراسات، وحضور إعلامي مدروس، ثم تقارير دورية تقيس النتائج وتحدد الخطوات اللاحقة.
بهذه الآلية تتحول دبلوماسية الشخص إلى دبلوماسية المؤسسة، ويتحول اللقاء السياسي من حدث عابر إلى مسار قابل للتراكم.
التحدي الحقيقي يتمثل في بناء مؤسسة دبلوماسية قادرة على استثمار هذه النوافذ وتحويلها إلى حضور سياسي وقانوني ودولي أكثر استدامة.وبالتالي، فإن المشكلة لم تكن في غياب الفرص أو انعدام النشاط الدبلوماسي، وإنما في ضعف تحويل الفرص والمبادرات والاختراقات إلى استراتيجية مؤسسية متواصلة وقابلة للتراكم. ومن هنا يمكن استخلاص الاستنتاج الأهم: إذا كانت استعادة الدولة الجنوبية تتطلب معركة سياسية وقانونية ودبلوماسية على المستوى الدولي، فإن بناء جهاز علاقات دولية محترف وفعال ليس مجرد مسألة تنظيمية داخل المجلس الانتقالي، وإنما يمثل شرطًا استراتيجيًا لتعزيز قدرة القضية الجنوبية على التأثير، وتوسيع دائرة التأييد الدولي، وتحويل المكاسب الدبلوماسية القائمة إلى نتائج سياسية مستدامة.





