آخر تحديث :الإثنين - 07 سبتمبر 2026 - 06:02 م

كتابات


الرياض والجنوب: بين معركة تعريف القضية والاعتراف بالجنوب بوصفه مشروع دولة

الإثنين - 07 سبتمبر 2026 - 05:42 م بتوقيت عدن

الرياض والجنوب: بين معركة تعريف القضية والاعتراف بالجنوب بوصفه مشروع دولة

كتب / د. أمين العلياني

لم تكن قضية شعب الجنوب يومًا أزمةً تمثيل يمكن احتواؤها بصياغةٍ سياسيةٍ مرنة، ولا خلافًا بين نخبٍ متنافسةٍ على حصص السلطة، ولا مجرد قضيةٍ تاريخيةٍ أو اجتماعيةٍ قابلةٍ للتفكيك بين مكوناتٍ وفئاتٍ ومجالسَ تنسيقيةٍ تبحث عن موضعٍ لها في تسويةٍ مقبلة؛ فالجنوب منذ انهيار شراكة الوحدة وتحولها إلى حرب، أصبحت قضيته السياسية تعبيرًا عن شعبٍ رأى أن شراكته قد سُلبت، وأن الدولة التي دخلها شريكًا متساويًا لم تعد تعترف به إلا بوصفه أرضًا ملحقةً وسكانًا خاضعين لسلطة المركز وفرعًا يجب أن يعود إلى الأصل، ومنذ ذلك الحين، لم يعد السؤال متعلقًا بإصلاح خللٍ شراكة، بل بمصير شعبٍ ومشروع دولةٍ وحقٍّ سياسيٍّ لا تستطيع أي قوةٍ إلغاءه عبر إعادة تعريفه.


لقد سعى الجنوبيون، على مدى سنوات طويلة، إلى إصلاح مسار الوحدة قبل المطالبة بالخروج من نتائجها، وخاضت قواهم السياسية والاجتماعية معركةً من أجل شراكةٍ نديةٍ تحمي الأسس التي قام عليها مشروع الوحدة، غير أن الحروب المتتالية أغلقت أبواب الإصلاح، وحوّلت الوحدة من عقدٍ سياسيٍّ بين شعبين إلى أداةٍ لفرض الغلبة، ثم جاءت حرب 1994م لتكرّس واقعًا جديدًا غابت عنه الشراكة، وتراجع فيه الاعتراف بالخصوصية السياسية والتاريخية للجنوب كان دولة ذات سيادة. ومن رحم ذلك الواقع ظهرت موج وحتم وتاج، وتتابعت الحركات الرافضة، ثم تبلور الحراك الجنوبي السلمي بوصفه التعبير الأوضح عن انهيار خيار الإصلاح من الداخل، وانتقال الجنوب من المطالبة بتصحيح المسار إلى البحث عن مسارٍ سياسيٍّ جديد.

وحين اندلعت حرب 2015م، لم تكن مجرد محطةٍ عسكريةٍ أخرى في تاريخ الصراع، بل شكلت لحظةً كاشفةً لما آل إليه الوضع في الجنوب. ومن ركام الحرب الحوثية العفاشية نهضت المقاومة الجنوبية دفاعًا عن الأرض الدين والإنسان، ورفضًا لفرض واقعٍ جديدٍ أكثر قسوةً من واقع ما بعد 1994م. ودَفعت مدن الجنوب وقراه ثمنًا باهظًا من التضحيات، فيما أعادت المقاومة صياغة معنى الإرادة الشعبية على الأرض، ومن بين ركام الحرب برزت حقيقةٌ لم يعد ممكنًا تجاوزها: الجنوب ليس فراغًا جغرافيًّا يمكن ملؤه بقراراتٍ خارجية، بل شعبٌ يمتلك ذاكرةً سياسيةً وإرادةً جماعيةً ومشروعًا يتطلع إلى الاعتراف.


وفي هذا السياق، ظهر المجلس الانتقالي الجنوبي وسط تحفظاتٍ وتبايناتٍ سياسيةٍ طبيعية من بعض القوى المؤكرو في أحزاب يمنية، لكنه استطاع أن يتحول إلى حاملٍ سياسيٍّ رئيسٍ لقطاعٍ واسعٍ من إرادة شعب الجنوب. ولم تنبع أهميته من اسمه أو بنيته التنظيمية فحسب، بل من كونه جسّد انتقال القضية من الشارع إلى المجال السياسي المنظم، ومن الاحتجاج إلى مشروع التمثيل، ومع ذلك، ظل التعامل مع الجنوب، في دوائر عديدة من القوى اليمنية والإقليمية، محكومًا بعقليةٍ تقليدية لا ترى في هذه الإرادة سوى طرفٍ يمكن استيعابه ضمن معادلات السلطة والمحاصصة الحزبية.

وهنا تبدأ المعركة الحقيقية: معركة تعريف قضية شعب الجنوب قبل معركة حلها؛ فحين يُختزل الجنوب في مكونات، تُختزل إرادة شعبه، وحين يُعاد تقديم قضيته السياسية بوصفها أزمةً اجتماعيةً أو تاريخيةً، يُنتزع منها جوهرها السياسي، وحين تتحول الشراكة إلى محاصصةٍ بين أطراف السلطة، يُقدَّم الجنوب بوصفه جغرافيا، لا بوصفه ندًّا سياسيًّا يمتلك حقًّا أصيلًا في تقرير مستقبله.

ومن هنا فقد كشفت اتفاقات الرياض، ثم ترتيبات نقل السلطة، عن هذا التناقض بوضوح؛ فقد بدا الخطاب المعلن منصبًّا على الشراكة والعدالة والتوازن، بينما ظلت البنية السياسية محكومةً بمنطق المحاصصة، لا بمنطق الاعتراف بندية قضية شعب الجنوب بوصفها قضية سياسية تمثل إرادة شعب يريد استعادة دولته، وهكذا تحولت مشاركة المجلس الانتقالي في السلطة إلى معادلةٍ معقدة: حضورٌ سياسيٌّ مطلوبٌ لتثبيت التوازن، لكنه محاطٌ بقيودٍ تحول دون ترجمة هذا الحضور إلى اعترافٍ كاملٍ بحق الجنوب في أن يكون طرفًا مكافئًا في تقرير مصيره.

ولم تتوقف المشكلة عند حدود السلطة؛ ففي كل مرةٍ يُفتح فيها الحديث عن التسوية، تعود قضية شعب الجنوب إلى دائرة التأجيل وإعادة الصياغة، ويصبح أن القوى اليمنية التي كانت جزءًا من الأزمة التاريخية تُمنح مساحةً واسعةً لتعريف المشكلة، بينما يُطلب من الجنوب الذي دفع ثمن الحرب والتهميش والإقصاء أن يقبل تعريفًا لا يوازي حجم تضحياته.


وهنا يبرز السؤال الموجَّه إلى الرياض، بوصفها طرفًا مؤثرًا وراعيًا رئيسًا لمسارات الحرب والتسوية: هل يُراد للسلام أن يبدأ من الاعتراف بالواقع، أم من إعادة إنتاجه بصيغةٍ أكثر قبولًا؟

إن السلام الحقيقي لا يُبنى على اختراع تمثيلاتٍ موازيةٍ لإرادة الشعب في الجنوب، ولا على توزيع قضيته السياسية بين فئاتٍ ومكوناتٍ تُستدعى عند الحاجة إلى تخفيف ثقلها السياسي، كما لا يمكن اختزال قضية شعبٍ في ملفٍّ اجتماعيٍّ قابلٍ للاحتواء، ثم تقديم ذلك بوصفه حلًّا شاملًا وآمنًا؛ فالسلام الذي يتجاوز الحقائق الكبرى لا يصنع استقرارًا؛ بل يؤجل الانفجار.

وقد أظهرت التطورات والصدامات السياسية والعسكرية الأخيرة في يناير أن مشكلة الجنوب لا يمكن معالجتها بإقصاء القوى الجنوبية الفاعلة أو تقليص حضورها في دوائر القرار؛ فكل محاولةٍ لإضعاف التمثيل السياسي للجنوب لا تعني بالضرورة إضعاف القضية نفسها؛ بل قد تؤدي إلى توسيع الفجوة بين مؤسسات التسوية والشارع الذي يُفترض أن تنتهي التسوية إلى طمأنته.


إن الرياض تقف اليوم أمام اختبارٍ سياسيٍّ يتجاوز إدارة التوازنات اليومية بين القوى المتصارعة؛ فثمة فرقٌ كبير بين التعامل مع الجنوب بوصفه ملفًّا يحتاج إلى إدارة، والتعامل معه بوصفه قضيةً سياسية تحتاج إلى اعتراف، كما أن الفارق أعمق بين منح الجنوبيين مقاعدَ في سلطةٍ مؤقتة، والاعتراف بوجود شعبٍ يمتلك مشروعًا سياسيًّا ويريد أن يحدد مستقبله.


فقضية شعب الجنوب ليست مسألة عدد المقاعد التي يحصل عليها هذا الطرف أو ذاك، ولا حجم التمثيل داخل مجلسٍ أو حكومة، بل هي سؤالٌ يتعلق بطبيعة العلاقة السياسية التي ينبغي أن تقوم بين الجنوب والشمال بعد كل ما حدث، وأي تسويةٍ تتجاهل هذا السؤال ستظل ناقصة، مهما أحاطت نفسها بضماناتٍ إقليميةٍ ودولية.


لقد انتهى زمن التعامل مع الجنوب بوصف تابعًا يبحث عن نصيبٍ أكبر في السلطة؛ فالتاريخ السياسي الذي أعقب حرب 1994م، والحراك السلمي، والمقاومة الجنوبية، وما تلا ذلك من تحولاتٍ سياسية، تؤكد جميعها أن قضية شعب الجنوب تجاوزت مرحلة المطالب الجزئية إلى مرحلة المشروع الوطني.


ومن هنا، فإن معركة الجنوب اليوم ليست معركة حدودٍ فحسب، ولا معركة مقاعد أو مواقع أو مناصب؛ بل إنها، قبل ذلك، معركةٌ على المفهوم. وهل الجنوب قضية شعب؟ أم مجرد أزمةٍ داخلية؟ هل هو طرفٌ سياسيٌّ يمتلك مشروع دولة؟ أم مجموعة مكوناتٍ يمكن توزيعها داخل تسويةٍ لا تعترف بجوهر إرادته؟

ذلك هو السؤال الذي لا تستطيع الرياض، ولا القوى اليمنية، ولا أي رعايةٍ إقليميةٍ تجاهله طويلًا. فالاعتراف بالجنوب بوصفه مشروع دولة لا يعني فرض نتيجةٍ مسبقةٍ على أي عملية سياسية، لكنه يعني احترام الحقائق التي أفرزتها الحروب والتضحيات والإرادة الشعبية. أما الإصرار على إعادة تعريف قضية شعب الجنوب بما يخدم القوى التي كانت سببًا في الأزمة، فلن يصنع سلامًا عادلًا، بل سيعيد إنتاج الأزمة تحت عنوان السلام.

إن الطريق إلى استقرارٍ حقيقيٍّ لا يبدأ بتجزئة إرادة الجنوب، بل بالاعتراف بها، ولا يبدأ باختراع ممثلين لموازنة ممثلين، بل بالاحتكام إلى الشعب، ولا يبدأ من سؤال: كيف نحتوي قضية شعب الجنوب؟ بل من السؤال الأكثر عدلًا ووضوحًا: كيف نعترف بالجنوب طرفًا وشعبًا ومشروعًا سياسيًّا يمتلك الحق في أن يقرر مستقبله؟

تلك هي المعركة التي لا تزال قائمة: معركة الانتقال من مفهوم قضيةٍ يمكن إدارتها»ط إلى حقيقة شعبٍ يريد أن يُعترف بحقه. وما لم يُحسم هذا الانتقال، ستظل كل التسويات مؤقتة، وكل الشراكات هشة، وكل سلامٍ مؤجلًا أمام حقيقةٍ واحدة: أن الشعوب قد تؤخر الظروف حقوقها المشروعة والعادلة، لكنها لا تستطيع القرارات إلغاءها.