ما يجري اليوم في اليمن لا يمكن اختزاله في كونه جولة جديدة من الحرب بين الحوثيين والحكومة اليمنية، ولا يمكن قراءة المعارك على الساحل بمعزل عن الصراع الإقليمي والدولي المحتدم في المنطقة.
فاليمن، كما غزة وأوكرانيا وإيران وغيرها من ساحات الصراع، يبدو وكأنه تحول إلى مسرح لحرب أكبر بكثير من حدود جغرافيته، حرب تتصارع فيها القوى الكبرى على النفوذ والممرات البحرية وموازين القوة، بينما يبقى المواطن اليمني هو الطرف الذي يدفع الثمن.
ولعل التطورات العسكرية الأخيرة على الساحل تكشف جانبًا مهمًا من هذه الصورة.
معركة الساحل ليست مجرد معركة عسكرية
التقدم الحوثي باتجاه الساحل والمناطق القريبة من باب المندب لا يبدو، مجرد عملية عسكرية هدفها تحقيق مكاسب ميدانية محدودة، بل يأتي في إطار سعي طويل إلى الوصول إلى واحد من أكثر المواقع الاستراتيجية حساسية في العالم.
فباب المندب ليس مجرد مضيق بحري. إنه بوابة تربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، ومن يملك القدرة على التأثير فيه يمتلك ورقة استراتيجية يمكن أن تغير الكثير من الحسابات العسكرية والسياسية والاقتصادية في المنطقة.
ولهذا السبب تحديدًا، ظل باب المندب حاضرًا في حسابات القوى الكبرى، وظلت المناطق المحيطة به محل تنافس إقليمي ودولي.
صراع النفوذ داخل المعسكر الواحد
لكن المفارقة الأهم أن الصراع لم يعد فقط بين الشرق والغرب، وإنما بدأ يظهر أيضًا داخل المعسكر الغربي وحلفائه الإقليميين.
فالإمارات العربية المتحدة لعبت خلال السنوات الماضية دورًا محوريًا في بناء وتدريب قوات محلية في الجنوب العربي والساحل، كما ارتبط نفوذها بمواقع ومنشآت ذات أهمية استراتيجية بالنسبة لأمن الممرات البحرية.
ومع إعادة ترتيب التحالفات ومحاولة السعودية والولايات المتحدة تعزيز حضورهما ونفوذهما في المناطق التي كانت للإمارات وبريطانيا فيها مصالح ونفوذ، بدأت معادلة جديدة تتشكل.
ومن هنا يمكن فهم جانب من التوتر بين المصالح البريطانية والأمريكية في المنطقة؛ فالمسألة ليست بالضرورة خلافًا معلنًا ومباشرًا بين دولتين حليفتين، بقدر ما هي تنافس على النفوذ وعلى شكل الترتيبات الأمنية والعسكرية التي ستحدد مستقبل المنطقة.
وهذا النوع من الصراع أخطر من الخلافات السياسية التقليدية، لأنه يجري فوق أرض ملتهبة أصلًا، وفي منطقة تتحكم في أحد أهم الممرات البحرية العالمية.
إيران وروسيا والصين.. المستفيدون من ارتباك الخصوم؟
في السياسة الدولية، لا تحتاج إلى أن تكون طرفًا مباشرًا في الخلاف حتى تستفيد منه.
فعندما تختلف القوى المتحالفة فيما بينها، تظهر مساحات جديدة أمام خصومها. وهذا تحديدًا ما يمكن أن تستفيد منه إيران، ومعها روسيا والصين، في ظل سعي هذه القوى إلى تعزيز حضورها ونفوذها في المنطقة ومواجهة الهيمنة الأمريكية والغربية.
ومن هذه الزاوية، فإن أي تراجع في التنسيق بين واشنطن ولندن وحلفائهما الإقليميين يمكن أن ينعكس على ميزان القوى في اليمن والبحر الأحمر.
وقد يجد الحوثيون أنفسهم، في ظل هذا المشهد، أمام فرصة استراتيجية نادرة لتعزيز حضورهم بالقرب من الساحل وباب المندب.
الحوثي يعرف أين تكمن القيمة الحقيقية
لا يبدو أن الحوثيين ينظرون إلى الساحل باعتباره مجرد مساحة جغرافية جديدة يمكن السيطرة عليها، وإنما باعتباره مفتاحًا لامتلاك ورقة قوة استراتيجية.
فالوصول إلى باب المندب، أو حتى الاقتراب منه، يمنح الحوثيين قدرة أكبر على التأثير في المعادلة الإقليمية، ويجعل تجاهلهم في أي ترتيبات سياسية أو أمنية مستقبلية أكثر صعوبة.
ولهذا يمكن تفسير حجم التضحيات والخسائر التي يتحملونها في سبيل تحقيق تقدم على الساحل باعتبارها جزءًا من حسابات استراتيجية تتجاوز قيمة الأرض نفسها.
فالهدف الحقيقي ليس فقط السيطرة على مدينة أو موقع عسكري، وإنما الوصول إلى نقطة جغرافية يمكن أن تتحول إلى ورقة ضغط في صراع إقليمي ودولي طويل.
حرب على الأرض.. وصراع أكبر خلف الكواليس
المشكلة أن المواطن اليمني لا يرى في النهاية كل هذه الحسابات الدولية.
هو يرى مدينة مدمرة، وأسرة فقدت أحد أفرادها، وجنديًا قُتل في معركة لا يعرف دائمًا لماذا يخوضها، وبلدًا أنهكته سنوات الحرب.
بينما تنظر القوى الكبرى إلى اليمن من زاوية مختلفة تمامًا: الموانئ، الممرات البحرية، القواعد العسكرية، النفوذ، الطاقة، التجارة الدولية، وموازين القوى.
وهنا تكمن المأساة.
فالحرب التي تظهر أمامنا باعتبارها صراعًا يمنيًا داخليًا قد تكون في جزء كبير منها انعكاسًا لصراع أوسع على اليمن وموقعه الجغرافي وثرواته وممراته البحرية.
من يدفع الثمن؟
في نهاية المطاف، لا يهم المواطن اليمني كثيرًا إن كان الصراع بين واشنطن ولندن، أو بين السعودية والإمارات، أو بين إيران والولايات المتحدة، أو بين روسيا والصين والغرب.
ما يهمه أن تتوقف الحرب.
لكن طالما بقي اليمن جزءًا من معادلة الصراع الدولي، وطالما ظل باب المندب بهذه الأهمية الاستراتيجية، فإن احتمالات استمرار التدخلات الخارجية ستبقى قائمة، وسيظل اليمنيون يدفعون ثمن صراعات لا يملكون قرارها.
ولهذا فإن قراءة معركة الساحل باعتبارها مجرد مواجهة بين الحوثيين وخصومهم قد تكون قراءة ناقصة.
المعركة الحقيقية أكبر.
إنها معركة على النفوذ، وعلى البحر، وعلى باب المندب، وعلى مستقبل منطقة بأكملها.
والسؤال الذي ينبغي طرحه اليوم ليس فقط: من سيسيطر على الساحل؟
بل: من سيسيطر على باب المندب، ومن سيمتلك مفتاح التأثير في واحدة من أهم نقاط العالم الاستراتيجية؟
فمن يملك القدرة على التحكم في هذه البوابة، لا يملك ورقة في الحرب اليمنية فحسب، بل يملك ورقة في صراع دولي يتجاوز اليمن بكثير.