منذ حرب عام 1994، لم يعرف الجنوب العربي استقراراً حقيقياً. فالحرب التي كان يفترض أن تكون لحظة عابرة في تاريخ اليمن تحولت إلى نقطة مفصلية غيّرت طبيعة العلاقة بين الشمال والجنوب، وفتحت الباب أمام عقود من الصراع والإقصاء والتهميش وعدم الاستقرار.
ومنذ ذلك التاريخ، ظل الشعب الجنوبي يدفع ثمناً باهظاً لصراعات سياسية وعسكرية لم يكن هو من اختارها. فمرة يدفع الثمن من أمنه، ومرة من اقتصاده، ومرة من أبنائه الذين يسقطون في ساحات القتال، ومرة من مستقبله السياسي الذي ظل معلقاً بين مشاريع القوى اليمنية والإقليمية.
إن ما يحدث في الجنوب اليوم ليس أزمة طارئة، وإنما مأساة تاريخية متراكمة أصبحت أكثر خطورة مع مرور الزمن…لا يمكن فهم ما يجري في الجنوب اليوم من دون العودة إلى عام 1994. فالوحدة التي أعلنت في 22 مايو 1990 قامت على أساس الشراكة بين دولتين كان لكل منهما نظامه ومؤسساته وتاريخه السياسي. لكن تلك الشراكة انهارت سريعاً، وانتهت إلى حرب عسكرية كان الجنوب الطرف الخاسر فيها. ومنذ انتهاء الحرب، لم يعد الجنوب يتعامل مع الوحدة باعتبارها مشروع شراكة متكافئة، وإنما باعتبارها واقعاً سياسياً فرضته نتائج الحرب.
وهنا بدأت المأساة الحقيقية. إذ لم تتوقف آثار الحرب عند الجانب العسكري، بل امتدت إلى المؤسسات والوظائف والأراضي والثروات والتمثيل السياسي والعسكري، وتراكمت المظالم عاماً بعد عام، حتى أصبح من الصعب فصل الأزمة الجنوبية الراهنة عن آثار تلك الحرب. ولهذا فإن أي محاولة لإيجاد حل للأزمة اليمنية من دون معالجة نتائج حرب 1994 ستظل، في جوهرها، محاولة لمعالجة النتائج وترك السبب.
حين نتحدث عن مأساة الجنوب، لا يمكن تجاهل الدور السعودي في صياغة المعادلة اليمنية خلال العقود الماضية. ومن وجهة نظر قطاعات واسعة من الجنوبيين، ساهمت السياسات السعودية في الإبقاء على ترتيبات سياسية لم تستجب لتطلعات الجنوب، كما ساهمت في دعم صيغ سياسية ركزت على الحفاظ على إطار اليمن الموحد أكثر من معالجة السؤال الجنوبي نفسه. فإذا كانت الرياض تريد فعلاً سلاماً دائماً في اليمن، فإن استمرار تجاهل القضية الجنوبية أو التعامل معهاباعتبارها ملفاً ثانوياً لن يؤدي إلى السلام، بل سيؤجل انفجاراً سياسياً جديداً.
الإصلاح والحوثي وجهان مختلفان في الصراع على الجنوب: إذ يلعب حزب الإصلاح، أدوارا سياسية وعسكرية عدائية تجاه الجنوب، أما ممارسات الحوتي، العسكرية والسياسية وسلوكهم تجاه الجنوب لم تؤد إلى حل القضية الجنوبية، بل أضافت إليها بعداً عسكرياً خطيرا
وهكذا وجد الجنوبي نفسه أمام معادلة شديدة القسوة: قوى شمالية مختلفة تتصارع فيما بينها، لكن الجنوب يظل في كثير من الأحيان أرضاً للصراع وموضوعاً للتفاوض بدلاً من أن يكون شريكاً كاملاً في تحديد مستقبله.
الجنوب يقاتل… لكنه لا يقرر : ربما تكون هذه هي المفارقة الأكثر إيلاماً في المشهد الحالي.القوات الجنوبية قاتلت الحوثيين،وقدمت تضحيات كبيرة، ودافعت عن مدن ومناطق جنوبية، وساهمت في منع تمدد الحوثيين إلى أجزاء واسعة من الجنوب.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: إذا كان الجنوب مطلوباً منه أن يدافع عن الأرض، فلماذا لا يكون له الحق الكامل في تقرير مستقبل هذه الأرض؟..لا يمكن أن يُطلب من الجنوبي أن يكون مقاتلاً عندما تحتاج إليه الحرب، ثم يُستبعد عندما تبدأ مفاوضات تحديد شكل الدولة ومستقبلها. التضحيات العسكرية يجب أن يكون لها مقابل سياسي، ليس بمعنى المقايضة، وإنما بمعنى الاعتراف بأن القوة التي تحملت العبء الأكبر في الدفاع عن الجنوب لا يمكن أن تكون خارج ترتيبات تحديد مستقبله.الحوثي ليس المشكلة الوحيدة رغم أنه يمثل تهديداً عسكرياً وسياسياً حقيقياً، ولا يمكن تجاهل خطورته، لكن القضاء على الحوثي، أو إضعافه، لا يعني تلقائياً حل القضية الجنوبية.
فالجنوب لديه قضية سياسية مستقلة، نشأت قبل الحوثيين بسنوات طويلة، وستظل قائمة حتى لو انتهى الصراع العسكري مع الحوثيين.وهذا ما يجب أن تدركه جميع الأطراف. وأي تسوية تجعل مستقبل الجنوب رهينة لمصير الصراع بين الحوثيين والسلطة المعترف بها دولياً ستكون تسوية مؤقتة وقابلة للانفجار…إلى جانب الصراع السياسي والعسكري، يعيش المواطن الجنوبي مأساة اقتصادية واجتماعية لا تقل خطورة : غلاء الأسعار، تدهور القدرة الشرائية، ضعف الخدمات، البطالة، انقطاع الكهرباء، أزمات المياه، تراجع مستوى الرعاية الصحية والتعليم، وانعدام الاستقرار الاقتصادي؛ كلها عوامل جعلت المواطن يعيش حالة دائمة من القلق. والمؤلم أن المناطق الجنوبية تمتلك موارد وموقعاً جغرافياً وثروات يمكن أن تشكل أساساً لاقتصاد قوي، لكن المواطن لا يرى انعكاس هذه الإمكانات على حياته اليومية.
وهنا يصبح السؤال الاقتصادي سؤالاً سياسياً أيضاً: من يملك الموارد؟ ومن يديرها؟ ومن يقرر كيفية توزيع عائداتها؟ ولا يمكن بناء دولة جنوبية مستقبلية مستقرة من دون إجابة واضحة وعادلة عن هذه الأسئلة.
الحقيقة أن تحميل طرف واحد مسؤولية كل ما حدث للجنوب سيكون تبسيطاً لتاريخ بالغ التعقيد.لكن ذلك لا يعني إعفاء الأطراف من المسؤولية.
فالمسؤولية موزعة بدرجات مختلفة بين القوى التي شاركت في حرب 1994، والقوى السياسية التي ساهمت في تكريس نتائجها، والقوى الإقليمية التي تدخلت في الشأن اليمني، والقوى المحلية التي جعلت من الجنوب ساحة لصراعاتها، ثم الحوثيين الذين نقلوا الصراع إلى مستوى أخطر
المجلس الإنتقالي الجنوبي الحامل للمشروع السياسي الجنوبي، تفرض المرحلة الحالية عليه أن ينتقل من رد الفعل إلى المبادرة، ومن إدارة الأزمات إلى بناء مشروع دولة….لم يعد كافياً امتلاك الحضور الشعبي والعسكري.القضية الجنوبية تحتاج إلى مؤسسات سياسية وقانونية ودبلوماسية وإعلامية تعمل بصورة احترافية ومنظمة. وتحتاج إلى خطاب دولي واضح يشرح القضية بلغة القانون الدولي والعلاقات الدولية، بعيداً عن الانفعال والشعارات. وتحتاج أيضاً إلى مراجعة داخلية صريحة لمسيرة السنوات الماضية: ما الذي تحقق؟ وما الذي لم يتحقق؟ وأين حدثت الأخطاء؟ وكيف يمكن بناء قيادة جنوبية أكثر مؤسسية وتمثيلاً؟
المطلوب اليوم إنقاذ الجنوب قبل أن يصبح الانفجار أكبر فالجنوب يعيش على تقاطع عدة أزمات: حرب، واقتصاد منهار، وانقسامات سياسية، وتدخلات إقليمية، وصراع على الموارد، وغياب رؤية نهائية لمستقبل البلاد. وكل تأجيل للقضية الجنوبية يعني في الواقع تراكم المزيد من الغضب والإحباط.لذلك فإن المطلوب اليوم هو إطلاق مسار سياسي جاد يعترف بأن الجنوب طرف أساسي وليس تابعاً في أي تسوية يمنية.
كما أن على القوى الإقليمية، وفي مقدمتها السعودية، أن تعيد النظر في سياسة إدارة الملف الجنوبي من خلال النفوذ والاحتواء، وأن تنتقل إلى سياسة تقوم على الحوار والاعتراف بالمصالح المشروعة للشعب الجنوبي.
أما المجتمع الدولي، فعليه أن يتعامل مع القضية الجنوبية باعتبارها أحد المفاتيح الأساسية لأي سلام مستدام في اليمن، لا باعتبارها مشكلة يمكن تأجيلها إلى مرحلة لاحقة.
لقد أثبتت التجربة أن القوة وحدها لا تستطيع إلغاء إرادة الشعوب، وأن فرض الوحدة بالقوة لم يؤد إلى وحدة حقيقية، وأن تجاهل القضية الجنوبية لم يؤد إلى اختفائها.
لقد جُرّبت الحرب، وجُرّب الإقصاء، وجُرّب الاحتواء، وجُرّب تأجيل القضية. والنتيجة واحدة: القضية الجنوبية لم تختفِ، والشعب الجنوبي لم يتخلَّ عن حقه في تقرير مستقبله.
ولهذا فإن استمرار التعامل مع الجنوب باعتباره ساحة للقتال، أو ورقة في الصراعات الإقليمية، أو ملفاً يمكن تأجيله إلى ما بعد حل قضية الحوثيين، لم يعد مقبولاً ولا واقعياً….فالجنوب الذي يُطلب منه أن يقاتل دفاعاً عن الأرض، ويقدم أبناءه في ساحات المواجهة، ويحمي الممرات والمواقع الاستراتيجية، لا يمكن أن يُطلب منه في الوقت نفسه أن يصمت عندما يتعلق الأمر بمستقبله السياسي.
لا يمكن أن يكون الجنوب شريكاً في الحرب، ثم يصبح غائباً عند صناعة السلام. ومن هنا تبدأ مسؤولية الجميع: مسؤولية القوى اليمنية التي لا تستطيع بناء سلام حقيقي وهي تتجاهل القضية الجنوبية، ومسؤولية القوى الإقليمية و في مقدمتها السعودية التي لا يمكنها إدارة الجنوب إلى ما لا نهاية بمنطق النفوذ والاحتواء، ومسؤولية المجتمع الدولي الذي لا ينبغي أن يكرر أخطاء الماضي بتأجيل معالجة جذور الأزمة، ومسؤولية القيادة الجنوبية نفسها في أن ترتقي بمشروعها من رد الفعل إلى مشروع سياسي مؤسسي
فالجنوب لا يطلب شفقة من أحد، ولا يريد أن يكون أداة في صراع الآخرين. إنه يريد أن يُسمع صوته، وأن يُحترم تاريخه، وأن تُعترف إرادته السياسية، وأن يكون له الحق في تحديد شكل مستقبله ومصيره. وإذا كان العالم قد تعلم من تجارب التاريخ أن السلام الذي يتجاهل جذور النزاع لا يدوم، فإن القضية الجنوبية تقدم اليوم الدرس نفسه بوضوح شديد.
لقد طال الصمت، وطال الانتظار، وطال دفع الثمن. والسؤال لم يعد ما إذا كانت القضية الجنوبية ستبقى حاضرة، وإنما: كم من الوقت يستطيع الإقليم والمجتمع الدولي أن يؤجلوا الحل قبل أن تتحول مأساة الجنوب من قضية سياسية قابلة للحل إلى انفجار يصعب احتواؤه؟
السلام في اليمن لن يُبنى فوق تجاهل الجنوب، والاستقرار في المنطقة لن يتحقق بإبقاء قضيته معلقة…..آن الأوان أن يُسمع صوت الجنوب… لا في ساحات الحرب فقط، وإنما على طاولة صناعة السلام والقرار.