اليمن أمام معادلة جديدة: الحوثيون يتقدمون، الشرعية تتآكل، و المجلس الإنتقالي يعود إلى قلب المشهد
أين يقف المجلس الإنتقالي الآن؟
تكشف التطورات العسكرية والسياسية المتسارعة في اليمن أن معادلة الصراع دخلت مرحلة جديدة، لم تعد فيها الحكومة المعترف بها دوليًا قادرة على تقديم نفسها باعتبارها القوة الوحيدة القادرة على حماية اليمن أو حسم مستقبله السياسي.
فالشرعية ما تزال تتمتع بالاعتراف الدولي، وهذه حقيقة قانونية لا يمكن تجاهلها، لكنها تواجه في المقابل أزمة متزايدة في قدرتها الفعلية على ممارسة السلطة. فالقوة العسكرية على الأرض لا تزال موزعة بين أطراف متعددة، فيما تمكن الحوثيون خلال الأسابيع الأخيرة من تحقيق اختراقات عسكرية استراتيجية على الساحل الغربي والوصول إلى مواقع قريبة من باب المندب، بما أعاد رسم جانب مهم من ميزان القوة في الحرب اليمنية.
وهنا تظهر المفارقة الكبرى: حكومة تملك الاعتراف الدولي، لكنها لا تملك وحدها القوة العسكرية التي تمكنها من فرض سلطتها؛ وفي المقابل، جماعة الحوثي لا تتمتع بالاعتراف الدولي باعتبارها حكومة اليمن، لكنها تمتلك قدرة متزايدة على السيطرة وفرض الوقائع العسكرية والسياسية.
وبين هذين الطرفين تأتي القضية الجنوبية بوصفها أحد المكونات الأساسية التي لا يمكن تجاوزها في أي تسوية مستقبلية.
لا يمكن فهم المعادلة الجديدة من دون التوقف عند المجلس الانتقالي الجنوبي. فقد كان خلال السنوات الماضية أحد أبرز مراكز القوة العسكرية والسياسية في الجنوب، وتمكن من بناء نفوذ واسع في عدد من المحافظات الجنوبية، قبل أن تتغير موازين القوة بصورة كبيرة خلال أحداث أواخر 2025 وبداية 2026.
لكن خسارة المجلس الانتقالي لمواقع ميدانية لا تعني بالضرورة اختفاء القضية التي نشأ من أجل تمثيلها. فهناك فرق بين انحسار السيطرة العسكرية وبين انتهاء القضية السياسية.
وهذا التمييز ضروري. فالقضية الجنوبية ليست مجرد تشكيل عسكري أو حكومة أو مجلس سياسي، وإنما قضية مرتبطة بتاريخ سياسي مختلف، وبهوية ومصالح ومطالب جنوبية ما تزال حاضرة في المشهد اليمني.
وقد أظهرت التطورات السابقة أن المجلس الانتقالي استطاع، في فترات مختلفة، أن يكون أحد أهم مراكز التعبير السياسي والعسكري
لذلك فإن محاولة اختزال المجلس الانتقالي في وضعه العسكري الراهن قد تكون قراءة ناقصة للمشهد…المفارقة الأكثر وضوحًا أن إضعاف المجلس الانتقالي لم يؤدِّ إلى ظهور سلطة يمنية موحدة وقوية قادرة على مواجهة الحوثيين. الانقسام داخل المعسكر المناهض للحوثيين كان أحد العوامل التي ساعدت الحوثيين على استغلال المرحلة الجديدة وتحقيق مكاسب ميدانية
وهذا يضع السياسة السعودية أمام معضلة استراتيجية: هل تستطيع القوى التي تعتمد عليها الرياض أن تؤدي فعليًا الوظيفة العسكرية والسياسية التي كانت تؤديها القوى الجنوبية في مواجهة الحوثيين؟
التطورات الحالية لا تقدم حتى الآن إجابة مطمئنة على هذا السؤال…إذا كانت الحكومة المعترف بها دوليًا غير قادرة على حماية مناطقها من التقدم الحوثي، وغير قادرة على بناء قوة عسكرية موحدة، فإن تقديمها باعتبارها الضامن الوحيد لمستقبل الجنوب يصبح موضع تساؤل سياسي وعملي…وهنا يجب مرة أخرى التمييز بين الاعتراف الدولي والقدرة الفعلية.
فالاعتراف يمنح الحكومة صفة قانونية ودبلوماسية، لكنه لا يمنحها تلقائيًا القدرة على حماية الأرض…والواقع العسكري هو الذي يفرض على أي تسوية مستقبلية أن تأخذ في الاعتبار القوى التي تمتلك القدرة على التأثير والتنفيذ.
لذلك فإن العبارة الأدق ليست أن «الشرعية فقدت شرعيتها» بالمعنى القانوني، وإنما أن الشرعية فقدت جزءًا كبيرًا من قدرتها على تحويل الاعتراف الدولي إلى سلطة فعلية على الأرض.وهذه نقطة أكثر أهمية من الجدل حول التسمية.
في المقابل، يستفيد الحوثيون من استمرار انقسام خصومهم. فالتقدم الحوثي الأخير على البحر الأحمر، والسيطرة على المخا ومناطق وجزر استراتيجية قرب باب المندب (وفق تقارير Reuters ) لا يمثل مجرد انتصار عسكري محلي، وإنما يمنح الحوثيين أوراق قوة تتجاوز الداخل اليمني إلى أمن الملاحة الدولية وأمن الطاقة في المنطقة.
وهنا يصبح الخطر أكبر على السعودية نفسها.فالقوة التي كان يفترض أن يتم احتواؤها في شمال اليمن أصبحت تمتلك، مع توسع عملياتها، قدرة أكبر على تهديد المصالح السعودية والممرات البحرية الدولية
أين يقف المجلس الانتقالي الآن؟
السؤال الحقيقي ليس فقط: هل فقد المجلس الانتقالي بعض قدرته العسكرية؟ بل: هل انتهى دوره السياسي؟ والإجابة التحليلية تتطلب عدم الخلط بين الأمرين.حتى إذا تراجع نفوذه العسكري المباشر، فإن أي تسوية تتجاهل القضية الجنوبية أو تفترض أن إعادة السلطة إلى الحكومة المعترف بها كافية وحدها لحل مشكلة الجنوب ستظل تواجه سؤال التمثيل السياسي الجنوبي.
ومن هنا فإن المجلس الانتقالي، المطالب باستعادة دولة الجنوب، سيظل جزءًا من المعادلة السياسية طالما بقيت القضية الجنوبية نفسها قائمة.
لكن المرحلة الجديدة تفرض عليه أيضًا إعادة بناء أدواته السياسية، وتوسيع تمثيله الجنوبي، وتطوير حضوره الدبلوماسي والقانوني والإعلامي، بحيث لا يكون وجوده مرتبطًا فقط بالسيطرة العسكرية.
اليمن اليوم لا يقف أمام معادلة بسيطة بين «حكومة شرعية» و«حوثيين»…الحوثيون يملكون قوة عسكرية ووجودًا جغرافيًا وقدرة على فرض الوقائع.الحكومة المعترف بها دوليًا تملك الاعتراف القانوني، لكنها تعاني من ضعف في القدرة الفعلية على فرض السلطة وتوحيد المعسكر المناهض للحوثيين.
أما الجنوب، فيملك قضية سياسية تتجاوز حدود أي تشكيل عسكري منفرد، ويحتاج إلى أن يكون حاضرًا في أي ترتيبات تحدد مستقبل اليمن.
لقد أثبتت السنوات الماضية أن السلام الذي يتجاهل الجنوب لن يكون سلامًا مستدامًا، والسلام الذي يتجاهل موازين القوة على الأرض لن يكون قابلًا للتنفيذ.
والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم من يملك الأرض؟ ومن يملك القوة؟ ومن يمثل السكان؟ ومن يستطيع تنفيذ أي اتفاق؟ ومن سيكون له مكان على طاولة رسم مستقبل اليمن؟ وهنا تحديدًا تكمن أهمية القضية الجنوبية وموقع المجلس الانتقالي في المعادلة القادمة.