لم يعد تهديد الملاحة في باب المندب قضية أمنية بعيدة عن الحسابات الأوروبية، بعدما بات تقدم الحوثيين على الساحل اليمني يهدد واحداً من أهم الممرات البحرية بين آسيا والقارة العجوز.
ومع اتساع المخاطر بالتزامن مع أزمة مضيق هرمز، أعلنت روما أنها لن تنتظر قرار مهمة "أسبيدس" التابعة للاتحاد الأوروبي بشأن عبور سفنها، وأنها تستعد لاتخاذ إجراءات عسكرية لحماية السفن التجارية الإيطالية في باب المندب.
ورغم أن الخطوة لا تعني حتى الآن نشر قوة بحرية جديدة، لكنها تكشف حجم القلق الإيطالي من تحول المضيق إلى جبهة أخرى في أزمة إقليمية تتشابك فيها أمن الطاقة والتجارة مع حسابات الأمن الأوروبي.
أسبوع غيّر وجه المضيق
وزير الدفاع الإيطالي غويدو كروسيتو أعلن مسبقا بأنه اتفق مع رئيس أركان الدفاع الجنرال لوتشيانو بورتولانو على وضع البحرية العسكرية في حالة جاهزية قصوى، ولم يحدد كروسيتو حتى الآن عدد القطع البحرية التي قد تُرسل، مؤكداً أن أي قرار بهذا الشأن سيتخذ بالتنسيق مع الحكومة والبرلمان.
والأسباب التي دفعت روما إلى التحرك المنفرد تتراكم، فمنذ مطلع سبتمبر حقق الحوثيون تقدماً كبيراً على الساحل الغربي لليمن، حيث سيطروا على مدينة المخا، قبل أن يمتد تقدمهم في اليوم التالي إلى جزيرة ميون/بريم ومناطق وجزر استراتيجية أخرى قرب باب المندب.
وقال مسؤولون يمنيون إن الهجوم أتاح للحوثيين السيطرة على مساحة واسعة من الساحل الغربي، فيما عزز وجودهم قرب المضيق مخاوف من تهديد مباشر لحركة الملاحة.
ويُعد باب المندب أحد أهم الممرات البحرية في العالم؛ وتشير تقديرات متداولة إلى مرور نحو 12% من التجارة العالمية عبره، إلى جانب نحو 11% من تجارة النفط المنقولة بحراً و8% من تجارة الغاز الطبيعي المسال. وتستند بعض هذه النسب إلى بيانات ما قبل التصعيد الحالي.
كروسيتو: لا وقت للروتين
أمام هذا الواقع، تحدث كروسيتو بلغة مباشرة قائلا: "لقد قررت تحريك البحرية الإيطالية لإعداد الترتيبات اللازمة لضمان العبور الآمن للسفن الإيطالية. لا يمكننا السماح للروتين والبطء الإداري في اتخاذ القرار بتعقيد موقف محتقن بالأساس".
الوزير أطّر القرار بمنطق اقتصادي-اجتماعي حيث قال: "عندما تُعطَّل ممرات بحرية حيوية، تصل البضائع متأخرة وترتفع التكاليف وتزيد الأسعار على الأسر والشركات. كل أزمة اقتصادية تعصف بالشرائح الأكثر هشاشة أولاً، مما يضع التماسك الاجتماعي واستقرار البلاد على المحك".
وتجاوز كروسيتو البُعد التجاري إلى ما هو أعمق، حين نبّه إلى خطر تعطّل البنية التحتية تحت سطح البحر - كابلات نقل البيانات وخطوط الطاقة القارية - قائلاً: "يمكن ضرب أمة لا بالقنابل فحسب، بل بتقويض اقتصادها وتماسكها الاجتماعي وثقة مواطنيها في المؤسسات".
الفراغ الأمريكي وضعف الإرادة الأوروبية
والهجوم الحوثي يستهدف تكرار ما فعلته إيران في هرمز، لكن هذه المرة في البحر الأحمر وسط شبه غياب أمريكي. الخبير البريطاني المتخصص في الشأن الأوربي غلين غرانت، يلخص المشهد قائلا: الولايات المتحدة، المنغمسة في الملف الإيراني ومضيق هرمز، أقل حضوراً في باب المندب مما كانت عليه".
ويضيف في تصريحات خاصة لـ"إرم نيوز " "لست متأكداً من أننا يجب أن نربط هذا بالفراغ الأمريكي مباشرةً، فكانت ثمة فرصة ضئيلة لأمريكا لتولّي الدورين معاً. فهي تكافح بالفعل في هرمز وحده".
أسبيدس موجودة.. لكن إيطاليا تتصرف منفردة
وفي تصريحات لـ"إرم نيوز"، لفت الجنرال الفرنسي المتقاعد دومينيك ترينكان إلى أن عملية أسبيدس الأوروبية قائمة أصلاً في المنطقة منذ 2024، وأن إيطاليا تتولى قيادتها، مما يطرح تساؤلاً جوهرياً: هل القرار الإيطالي امتداد لهذه العملية في إطارها الأوروبي، أم خطوة منفردة تتجاوزها؟ الجنرال ترينكان أوضح أن هذه النقطة لا تزال بحاجة إلى تأكيد.
أما السفير البولندي السابق كشيشتوف بومينسكي، والمتخصص في شؤون الشرق الأوسط، فيضيف في تصريحات لـ"إرم نيوز"، بُعداً آخر إلى المشهد حيث قال إن "الاتحاد الأوروبي يشارك في حماية الملاحة في البحر الأحمر منذ 2024 عبر عملية أسبيدس.
ويرى بومينسكي أن المظلة الأمنية البحرية الأوروبية في باب المندب ستتوسع إذا استمرت التهديدات الراهنة.
هل تلحق أوروبا بإيطاليا؟
السؤال الذي يطرحه المشهد الراهن ليس "هل يجب على أوروبا التحرك؟" بل "لماذا تتحرك إيطاليا وحدها؟"
الإجابة لخصها غلين غرانت في تصريحه لـ"إرم نيوز" قائلا: "سيُفاجئني ألا تنضم دول أخرى إلى إيطاليا، لكنني لن أراهن على أن تكون هذه الدول أوروبية. ثمة دول آسيوية كثيرة تحتاج المضيق مفتوحاً بنفس القدر".
ويؤكد "أوروبا تحتاج أن تفعل ذلك، لكن تصرف إيطاليا منفردةً لا تحت مظلة أوروبية يكشف مجدداً ضعف الإرادة الأوروبية وبطء آليات اتخاذ القرار".
في نهاية المطاف قد يتضح أن التقدم الساحلي الحوثي كان مكسباً تكتيكياً لكنه فخ استراتيجي، فالسيطرة على الساحل تعني أيضاً التعرض لضربات أكثر دقة. لكن هذه الحسابات لا تُريح وزراء الدفاع الأوروبيين الذين يراقبون مضيقاً يمر عبره ربع صادراتهم وواردات الطاقة.
أما كروسيتو فيرى المسألة بمنطق الدومينو حيث يشير إلى أن "الدفاع عن حرية الملاحة يعني حماية إمداداتنا وعمل الشركات وقدرة إيطاليا على توليد الثروة"، وخلف هذه الجملة توجيه ضمني لعواصم أوروبية أخرى، فهرمز يُكلف فاتورة الطاقة، وباب المندب يُكلف سلاسل الإمداد الصناعي. والاختيار بين الانتظار والتحرك ليس بلا ثمن.