أثار اهتمامي اللقاء الذي جمع مديرة عام مكتب الثقافة بالعاصمة عدن، الدكتورة سميرة المشجري، بنقيب الصحفيين والإعلاميين الجنوبيين، الأستاذ عيدروس باحشوان، لبحث سبل تعزيز التعاون والتنسيق المشترك، بما يسهم في دعم الحراك الثقافي وخلق مساحات جديدة للتعاون بين الثقافة والصحافة.
ويأتي هذا اللقاء في ظل حاجة ملحّة إلى إعادة الاعتبار لدور الثقافة والإعلام في الجنوب، ليس فقط باعتبارهما مجالين للإبداع والنشر، وإنما باعتبارهما أداتين أساسيتين لحماية الذاكرة الجماعية والتعريف بالهوية الثقافية الجنوبية.
فالهوية تراكم تاريخي وثقافي واجتماعي يتشكل عبر اللغة والفنون والأدب والتراث والعادات والتقاليد والذاكرة السياسية وعندما تتعرض هذه المكونات للتهميش أو التشويه أو الإقصاء، فإن الأمر لا يتعلق بالثقافة وحدها، وإنما يمس قدرة المجتمع على معرفة ذاته والحفاظ على ذاكرته وتقديم روايته للأجيال القادمة.
ومن هنا تبرز خطورة المحاولات الدؤوبة الرامية إلى طمس الهوية الجنوبية أو تهميش خصوصيتها التاريخية والثقافية. فطمس الهوية قد يتم من خلال إقصاء الرموز الثقافية، وتهميش التاريخ الجنوبي، وإهمال الأرشيف والوثائق، وتغييب الأدب والفن والإنتاج الإعلامي، أو تقديم رواية أحادية للتاريخ تتجاهل تعدد التجارب والخصوصيات التي عرفها الجنوب.
ولهذا، فإن الدفاع عن الهوية الجنوبية يجب أن يتحول إلى مشروع ثقافي ومعرفي ومؤسسي طويل الأمد…وهنا تحديدًا تبرز مسؤولية مكتب الثقافة ونقابة الصحفيين والإعلاميين، إلى جانب الجامعات ومراكز البحث والمؤسسات المدنية. فالمطلوب ليس فقط إقامة الندوات والفعاليات، على أهميتها، وإنما إنشاء منظومة متكاملة للتوثيق والبحث والنشر والإنتاج الإعلامي والثقافي.
إن الجنوب بحاجة إلى مشروع جاد لجمع الوثائق والصور والأرشيفات والمخطوطات والشهادات الشفوية، وتوثيق تاريخ مدنه وشخصياته ورموزه الثقافية والفنية، وحماية موروثه الشعبي، وإعادة نشر الكتب والأعمال الأدبية والفنية التي شكلت جزءًا أساسيًا من ذاكرته.
كما يستطيع الإعلام أن يؤدي دورًا بالغ الأهمية في هذا المجال، من خلال فتح المجال أمام المؤرخين والباحثين والمثقفين والفنانين لتقديم قراءاتهم وشهاداتهم، وإنتاج برامج ووثائقيات تعرّف الأجيال الجديدة بتاريخ الجنوب وتراثه وثقافته، بحيث تصبح الذاكرة الجنوبية مادة موثقة ومتاحة للأجيال وللباحثين، وليست مجرد روايات متفرقة معرضة للنسيان.
والأهم من ذلك أن مواجهة محاولات طمس الهوية يجب أن تتم من خلال الحقيقة التاريخية والثقافية والوثيقة والمعرفة.
ومن هذه الزاوية، يصبح التعاون بين مكتب الثقافة ونقابة الصحفيين والإعلاميين الجنوبيين أكثر من مجرد تعاون بين مؤسستين؛ إذ يمكن أن يشكل نواة لمشروع ثقافي وإعلامي أوسع لحماية الذاكرة الجنوبية وإعادة الاعتبار لثقافتها وتاريخها وإبداعها.
لقد أثبتت التجارب أن الشعوب التي تهمل ذاكرتها تترك فراغًا سرعان ما يملؤه الآخرون. ولذلك فإن حماية الهوية الجنوبية تبدأ من حماية ذاكرتها؛ والذاكرة لا تحميها الشعارات، وإنما الثقافة الواعية، والإعلام المهني، والبحث العلمي، والتوثيق، والمؤسسات القادرة على تحويل الذاكرة إلى معرفة راسخة.
ومن هنا، فإن لقاء الدكتورة سميرة المشجري بالأستاذ عيدروس باحشوان يمكن أن يكون بداية لمسار مؤسسي جديد يجعل من الثقافة والإعلام شريكين حقيقيين في حماية الذاكرة الجنوبية، والتعريف بهويتها، وتعزيز حضورها الثقافي والتاريخي، في مواجهة محاولات التهميش والطمس وإعادة صياغة الذاكرة.
فالهوية التي لا تُوثَّق تُنسى، والذاكرة التي لا تُحمى يمكن أن تُعاد كتابتها، والثقافة التي لا تجد من يحملها إلى الأجيال القادمة مهددة بأن تتحول من واقع حي إلى مجرد صفحات في التاريخ.