آخر تحديث :الثلاثاء - 27 أكتوبر 2026 - 07:21 م

قضايا


حين يرث الأحفاد خصومة آبائهم: الحسد الذي لا ينتهي بموت الأخ

الثلاثاء - 27 أكتوبر 2026 - 06:31 م بتوقيت عدن

حين يرث الأحفاد خصومة آبائهم: الحسد الذي لا ينتهي بموت الأخ

الصحفية ذكرى فيصل العراسي

ليست كل الخصومات معلنة، ولا كل أشكال الظلم تبدأ بنزاعٍ على المال. فبعضها يبدأ بغيرةٍ قديمة، حين يشعر أحد الإخوة أن أخاه أقرب إلى قلب أبيه وأكثر حظوةً لديه، ثم تتجاوز هذه الغيرة حدود العلاقة بين الأخوين، لتتحوّل بعد وفاة أحدهما إلى موقفٍ من أبنائه، وكأنهم مسؤولون عن المحبة التي نالها أبوهم، أو شركاء في منافسةٍ لم يختاروها.


وهنا تبدأ القضية التي تستحق أن تُطرح بوضوح: لماذا قد يدفع أبناء الابن المتوفى ثمن مكانة أبيهم في قلب جدّهم؟ ولماذا تتحوّل بعض مشاعر الغيرة بين الإخوة إلى تمييزٍ ضد الأبناء، حتى بعد أن يرحل الأب وتُطوى صفحة حياته؟


إن تفضيل الأب لأحد أبنائه، إن حدث، قد يثير في نفوس الآخرين مشاعر مختلفة، لكن المسؤولية الأخلاقية تبدأ حين تتحوّل تلك المشاعر إلى حقدٍ يُترجم إلى أفعال. فالحسد يتصل بتمنّي زوال النعمة عن الغير، أما الحقد فهو ضغينة قد تستقر في النفس وتتحوّل إلى سلوكٍ مؤذٍ. وقد يجتمع الاثنان حين لا يكتفي المرء بالغيرة من أخيه، بل يمتدّ موقفه إلى أبنائه، فيقصيهم أو ينتقص من حقوقهم أو يتعامل معهم بتمييزٍ لا ذنب لهم فيه.


وليس هذا المعنى بعيدًا عن الدرس الذي تعرضه قصة يوسف عليه السلام. فقد قال الله تعالى على لسان إخوة يوسف: ﴿إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَىٰ أَبِينَا مِنَّا﴾ [يوسف: 8]. لقد بدأت المسألة بشعورهم بأن أباهم يحب يوسف وأخاه أكثر منهم، ثم قادتهم الغيرة إلى التفكير في إبعاده وإيذائه. والقصة، بما تحمله من عبرة، تكشف خطورة المقارنة حين تستولي على النفس وتدفعها إلى ظلم من تراه موضع تفضيل.


وإذا كان هذا هو خطر الغيرة حين تتضخم في النفوس، فإن الأخطر أن تستمر آثارها بعد وفاة الأخ، وأن يصبح أبناؤه هدفًا لمشاعر لم يصنعوها. فموت الأب لا ينبغي أن يكون بدايةً لخصومةٍ جديدة مع أبنائه، ولا أن تتحوّل مكانته في قلب والده إلى عبءٍ يلاحقهم. إنهم ليسوا امتدادًا للمنافسة بين الإخوة، ولا يجوز تحميلهم حسابات الكبار أو جعلهم يدفعون ثمنها.


وتزداد خطورة القضية حين تتصل بالحقوق المالية والميراث. ففي بعض التشريعات، توجد أحكام للوصية الواجبة تنظّم استحقاق أحفادٍ توفي أبوهم أو أمهم قبل الجد أو الجدة، ضمن شروط وحدود يحددها القانون. وتختلف هذه الأحكام من دولة إلى أخرى، ولذلك لا يجوز إطلاق حكمٍ واحد على جميع الحالات، أو اعتبار كل حفيد مستحقًا تلقائيًا للنصيب نفسه. لكن المبدأ الذي لا ينبغي إغفاله هو أن الحقوق المالية تُحسم وفق القانون، لا وفق الأهواء الشخصية، وأن القرابة لا تمنح أحدًا حق منع مستحقٍّ من حقه أو الالتفاف على أحكام التشريع.


فالحقوق ليست مِنّةً من قريب، والعدل ليس إحسانًا اختياريًا حين يكون واجبًا. كما أن الخلافات العائلية، مهما طال عمرها، لا تبرّر التعدّي على حقوق الآخرين. ومن هنا، فإن الحديث عن الوصية الواجبة ليس تفصيلًا قانونيًا منفصلًا عن القضية، بل جزءٌ من سؤال أوسع: هل نترك الحقوق تحكمها قواعد العدل، أم نسمح للخصومات والغيرة بأن تتدخّل في مصائر الأبناء؟


ولا تقف آثار التمييز دائمًا عند المال. فقد تظهر في الإقصاء، وفي الانتقاص من مكانة الأب الراحل، وفي التعامل الانتقائي مع ذكراه، وفي مواقف صغيرة تبدو عابرةً لمن يراها من الخارج، لكنها تحمل دلالاتٍ عميقة لدى من يعيشها. وقد تبقى صورة إنسانٍ على جدار عقودًا، ثم تُنحّى جانبًا بينما تبقى صور أخرى في أماكنها؛ فتغدو المسألة، في سياقها الأوسع، سؤالًا عن الذاكرة والإنصاف، وعن المعايير التي نُكرم بها بعض أفراد الأسرة ونقصي بها آخرين.


ليس المطلوب أن تتحوّل كل واقعةٍ عائلية إلى اتهام، ولا أن يُحكم على النيات من دون بيّنة. المطلوب ألّا نُسارع إلى تبرير السلوك المؤذي لمجرد أن صاحبه قريب، وألّا نجعل صلة الرحم ستارًا يُعفي من المساءلة الأخلاقية. فالقرابة لا تُصحّح الخطأ، والتديّن في مظهره لا يغني عن العدل في الممارسة، وكثرة الحديث عن الأصول والمبادئ لا قيمة لها إذا غابت عند الاختبار الحقيقي.


وقد يتجاوز المظلوم ما مرّ به، ويبني حياته، ويحقق ما لم يكن يتخيّله، ويجد من عوض الله وفضله ما يملأ قلبه امتنانًا ورضًا. لكن نجاحه لا يبرّئ من ظلمه، وتجاوزه للألم لا يعني أنه نسيه، وامتنانه لنعم الله لا يلزمه بالصمت عن ظاهرة قد تتكرر مع أيتام آخرين لا يملكون القدرة على الدفاع عن حقوقهم.


ومن يظن أن مرور السنوات كفيل بمحو أثر أفعاله، فليتذكّر أن الزمن قد يبعد الواقعة عن الأعين، لكنه لا يحوّل الخطأ إلى صواب. وأن من يعجز عن تجاوز غيرته من أخيه، ثم يمدّ خصومته إلى أبناء ذلك الأخ بعد وفاته، لا ينتصر لنفسه؛ بل يكشف أن الحقد قد يصبح أقوى من رابطة الدم، إذا غاب عنه الوازع الأخلاقي.


قال الله تعالى: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ﴾. وليست الآية دعوةً إلى الشفقة وحدها، بل تحذيرٌ من القهر، بكل ما قد يتخذه من صور. واليتيم لا يحتاج إلى أن يُعامل بوصفه ضعيفًا يستجدي العطف؛ بل يحتاج إلى ألّا يُستغل غياب أبيه، وألّا يُنتقص من حقه، وألّا يُحمّل تبعات خلافات لم يكن طرفًا فيها.


إن القضية، في جوهرها، ليست منافسةً على من كان أحبّ إلى الأب، ولا دعوةً إلى محاكمة أسرة بعينها. إنها رفضٌ لمبدأ أن تتحوّل المحبة القديمة إلى حقدٍ موروث، وأن يدفع الأبناء ثمن مشاعر لم يختاروها، وأن يصبح غياب الأب مدخلًا للتمييز ضد من تركهم خلفه.


فاتقوا الله في الأرحام والحقوق، قبل أن يأتي يومٌ لا تنفع فيه المظاهر ولا تُغني فيه الشعارات. فلا أحد يعلم متى يرحل، ولا أيّ أثرٍ سيترك وراءه. ومن وجد في نفسه غيرةً أو ضغينةً تجاه أخيه، فليعالجها في نفسه، لا في حياة أبناء أخيه وحقوقهم وكرامتهم. فليس من المروءة أن يموت الأخ ويبقى الحقد حيًّا في معاملة أبنائه، وليس من العدل أن يرث الصغار خصومةً لم يصنعوها.


ويبقى الأثر… فإما أن نترك وراءنا سيرةً تشهد لنا بالعدل، وإما أن نترك جرحًا يكشف، مهما طال الزمن، ما عجزت القرابة والشعارات عن ستره.


الصحفية ذكرى فيصل العراسي