في الوقت الذي ينتظر فيه المواطنون في حضرموت وعدن وسائر المحافظات انفراجًا اقتصاديًا حقيقيًا، وإصلاحات جادة تعيد الأمل إلى حياتهم، ومشروعات تنموية تستوعب الشباب وتفتح أبواب العمل أمام آلاف العاطلين، تطالعنا بين الحين والآخر فعاليات ولقاءات سياسية تعيد إنتاج الخطابذا ذاته، وتدور في الحلقة نفسها التي لم تجلب للناس سوى المزيد من الانتظار والمعاناة.
ومن المكلا، يأتي لقاء مجلس المستقبل الجنوبي، احتفاءً بعودة رئيس مكتبه السياسي فادي حسن باعوم، وما تضمنته كلمته من حديث عن الشراكة السياسية، ومكانة حضرموت في صناعة القرار، ورفض الإقصاء، وبناء المؤسسات، ومستقبل الجنوب.
وبعيدًا عن حق أي مكون سياسي في تنظيم فعالياته وطرح رؤاه ومواقفه، فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: ماذا عن المواطن الذي ينتظر أن يرى أثر هذه الرؤى في حياته اليومية؟ ومتى تتحول هذه الكلمات إلى برامج اقتصادية ومشروعات خدمية وتنموية ملموسة؟
لقد شبع الناس من المساجلات السياسية، ومن المؤتمرات واللقاءات التي تتكرر فيها العناوين والشعارات نفسها، بينما تتسع دائرة الفقر، وتتراجع القدرة الشرائية، وتزداد معاناة الموظفين مع الرواتب، وتظل الكهرباء والمياه والخدمات الأساسية هاجسًا يوميًا يطارد الأسر، فيما يقف الشباب أمام أبواب مغلقة بحثًا عن فرصة عمل تحفظ كرامتهم ومستقبلهم.
لسنا بحاجة إلى مزيد من الخطابات التي تعيد تدوير المواقف السياسية السابقة، ولا إلى أبواق تتحدث عن المستقبل بينما لا تقدم للناس ملامح واضحة لكيفية الوصول إليه. لقد مرّت على هذه البلاد مراحل كثيرة، وتبدلت فيها الوجوه والمسميات والمكونات، لكن المواطن ما زال يدفع ثمن الإخفاقات ذاتها، وكأن الزمن السياسي توقف عند نقطة واحدة.
والمؤلم أن أرواح الناس باتت مثقلة بالخذلان، حتى أصبح كثيرون يرفعون شكواهم إلى الله، ويتضرعون إليه أن يزيح عن بلادهم أسباب المعاناة والفساد والتسلط، وأن يفتح أمامهم أبواب الفرج والرزق والاستقرار.
إن حضرموت لا تحتاج فقط إلى من يتحدث عن مكانتها وثرواتها وحق أبنائها في القرار، بل تحتاج إلى رؤية اقتصادية تترجم هذه الثروات إلى كهرباء ومياه وطرق ومستشفيات ومدارس ومشروعات إنتاجية وفرص عمل. وعدن كذلك لا تحتاج إلى استعادة مكانتها التاريخية والحضارية بالكلمات وحدها، بل بمشروعات حقيقية تعيد إليها دورها الاقتصادي والتجاري والسياحي.
أما الحديث عن الشراكة والتوافق والعمل المؤسسي، فينبغي أن يبدأ من احترام معاناة الناس، ووضع مصالحهم فوق الحسابات السياسية، وتقديم خطط واضحة بمدد زمنية محددة، ومحاسبة كل من يتولى مسؤولية عامة عن نتائج عمله.
نحن اليوم ننتظر نوافذ تفتح أمامنا رياح الخير والبركة، وننتظر إصلاحات اقتصادية تعيد الثقة، ومشروعات تستوعب البطالة، واستثمارات تحرك عجلة الإنتاج، ومؤسسات تعمل لخدمة المواطن لا لاستنزاف وقته وأمله.
لقد تعب المواطن من الوعود، وشبع من المزايدات، ولم يعد يبحث عن خطيب جديد يتحدث باسمه، بل عن مسؤول يطرق أبواب الحلول، ويقدم إنجازًا يلمسه .
كفى استهلاكًا لأحلام الناس.. نريد اقتصادًا يتعافى، وخدمات تستقر، ومشروعات تُنفذ، وفرص عمل تُخلق، ودولة يشعر المواطن في ظلها أن له وطنًا يحميه وكرامة تصون حياته.
فإلى متى تستمر هذه اللعبة، ومتى تشرق شمس الأمل على بلادنا؟
كتب /سمير الوهابي