آخر تحديث :الجمعة - 16 يناير 2026 - 10:45 م

كتابات واقلام


حين تتحرّك الفطرة، ويكون الشارع بوصلة التاريخ

الجمعة - 16 يناير 2026 - الساعة 08:01 م

يعقوب السفياني
بقلم: يعقوب السفياني - ارشيف الكاتب


في علم الاجتماع، لا تُقاس صدقية حركة الشعوب بمدى إلمامها بالمفاهيم النظرية، بل بقدرتها الغريزية على التمييز بين ما يهدد وجودها وما يحميه. الجماهير لا تقرأ عادةً كتب السياسة، ولا تحفظ تعريفات الديمقراطية أو الراديكالية، لكنها تمتلك ما هو أقدم وأعمق: الذاكرة الجمعية. هذه الذاكرة تختزن الألم والخبرة والخذلان والانتصارات، وحين تتحرك، فإنها تفعل ذلك بوصفها جسداً واحداً يشعر بالخطر أو بالأمل، لا بوصفها أفراداً متفرّقين.

من منظور فلسفي، الفطرة حين تكون فردية قد تُخطئ، أما حين تصبح جماعية فهي نادراً ما تكذب. لأن الخطأ الفردي يُمحى داخل الجمع، بينما الإحساس العميق بالتهديد أو بالاتجاه الصحيح يتضخّم حتى يتحوّل إلى فعل عام. لذلك قال فلاسفة التاريخ إن “الشعب قد لا يعرف لماذا يتحرك، لكنه يعرف متى يجب أن يتحرك”. وهذا ما يجعل الحشود ليست مجرد أعداد، بل جرس إنذار أخلاقي لا يجوز الاستهانة به.

أما التاريخ، فيخبرنا أن أغلب المنعطفات الكبرى لم تبدأ من غرف التفاوض ولا من البيانات الأنيقة، بل من الشارع. الشعوب كثيراً ما كانت “غير مدرَّبة سياسياً”، لكنها كانت دائماً حسّاسة تجاه الإهانة، التهميش، أو محاولات الالتفاف على إرادتها. ولهذا، فإن كثافة الحضور الشعبي لا تعني العصمة، لكنها تعني أن هناك إحساساً عاماً بأن شيئاً ما يُسحب من تحت الأقدام، أو أن مساراً ما يُراد فرضه دون توافق وجداني.

رسالة للنخبة السياسية الجنوبية في الرياض:

أنتم محل تقدير واحترام، وتحالفاتكم ومواقفكم اليوم في المملكة تُقرأ في سياق معقّد وحساس، لكن تذكّروا أن السياسة الذكية لا تُصادم الفطرة الشعبية بل تُصغي لها. الأصوات التي خرجت اليوم ليست ضدكم، بل تقول لكم: انتبهوا. راعوا هذا النبض، لا باعتباره ضغطاً، بل باعتباره مؤشر أمان. فالشعوب قد تخطئ في التعبير، لكنها نادراً ما تخطئ في الإحساس، ومن يُهمل هذا الإحساس غالباً ما يكتشف متأخراً أنه وقف في الجهة الخطأ من التاريخ.

#يعقوب_السفياني