آخر تحديث :الثلاثاء - 04 أغسطس 2026 - 07:37 م

كتابات واقلام


لماذا تُصرّ السعودية وقوى الاحتلال اليمني على شيطنة المجلس الانتقالي الجنوبي وقيادته؟

الثلاثاء - 04 أغسطس 2026 - الساعة 07:18 م

د.أمين العلياني
بقلم: د.أمين العلياني - ارشيف الكاتب


إن المراقب الحصيف، الذي يمتلك ناصية البصر والبصيرة؛ ليقف مشدوهًا أمام مسرح العبث السياسي المقام على أشلاء الجنوب العربي، وهو يرى ويشاهد ويحلل ما يُدَار في المنصات الإعلامية والقنوات الفضائية الرسمية والممولة من خزائن الوصاية السعودية أو من بقايا قوى الاحتلال اليمني؛ ليخلص إلى حقيقة واحدة جلية، لا يلفها غموض ولا تكتنفها سرائر، ألا وهي ذلك الإصرار العجيب والاستماتة العمياء على استهداف المجلس الانتقالي الجنوبي العربي وقيادته المفوضة وحواضنه الشعبية، استهدافًا لا يفسره منطق السياسة العاجزة، ولا تؤطره أطر الصراع التقليدية، بل لا يمكن تأويله إلا بمرارة الحقد الدفين الذي يعتمل في الصدور، حقدًا على مشروع جنوبي عربي تحرري نهض من رحم المعاناة، واثمرته سبل النضال وآمن به شعب موجوع ومحال فانتصر لإرادته، وصاغ من تطلعاته سيفًا ودرعًا، وإلا فبأي منطق تُفسَّر هذه السردية الإعلامية المتجددة التي ما فتئت تنهش في جسد المجلس الانتقالي الجنوبي العربي، رغم ما لحق به من ضربات غادرة استهدفت قواته الباسلة في حضرموت والمهرة، ورغم ما مورس عليه من إقصاء ممنهج لقيادته المفوضة، ومحاولات دؤوبة لتفكيك حواضنه الشعبية وتذويب قواته المسلحة وتفتيت هويته في مستنقع التبعية والوصاية؟

إن التاريخ القريب؛ ليكشف عن وجه هذه السردية القبيحة، وكيف أنها تنقلب وتتبدل كالأفعى في جلدها كلما اقتضت ضرورات المؤامرة، فبالأمس القريب، حين رفع الجنوب رأسه مطالِبًا بحقه في تقرير المصير واستعادة دولة جنوبه العربي، صار المجلس الانتقالي في قاموسهم شيوعيًا ملحدًا، ينبذونه ويحاربونه باسم الدين والهوية، ثم ما إن هبت رياح الحرب في العام 2015م، وتقاطعت المصالح المؤقتة، حتى صار ذلك المجلس ذاته عروبيًا مسلمًا سنيًا، يحمل راية الدفاع عن الأمة العربية والإسلامية في وجه الخطر الداهم من المشروع الرافضي الإيراني في المنطقة، وكأن الدين والعروبة ثوبان يُرتَديان ويُخلَعان وفقًا لتقلبات المصلحة الآنية، ثم جرت مياه الصفقات الخبيثة تحت جسر الخيانة، حين عُقدت التسوية المشؤومة بين السعودية وعمان وبين ما يُسمى بالشرعية الهاربة وجماعة أنصار الله الحوثيين، أولئك الذين كانوا في أدبيات السعودية والشرعية الهاربة مجرد انقلابيين وإرهابيين، فإذا بهم في غمضة عين- بعد أن تمت صفة التسوية الفاشلة - يصيرون أنصار الله وفصيلًا يمنيًا أصيلًا في قاموس العبث السياسي الجديد، وكأن دماء شعب الجنوب المفوض للمجلس الانتقالي - التي أريقت على مذبح هذه الحرب لم تكن سوى مداد رخيص لكتابة صكوك الخيانة.

واليوم، وبعد أن تكسرت أوهام التسوية الفاشلة على صخرة تمرد الحوثي وتصعيده على المملكة والبحر الأحمر، وبعد أن غاص الجميع في وحل العبث المخزي بدماء الجنوبيين، تطل علينا ذات البروبغندا الإعلامية بوجه أكثر وقاحة؛ لتكرس سردية جديدة ماكرة، تزعم أن المجلس الانتقالي الجنوبي العربي وقواته وقيادته المفوضة وحواضنه الشعبية إنما يتخادم مع الحوثيين، وأنهم يهرّبون إليهم السلاح في كل جبهة، في تلفيق مكشوف لا ينطلي على جاهل، فكيف به على شعب خبر دهاليز السياسة وغدرها؟ إن هذه السردية المفضوحة، بما تحمله من مؤشرات مكشوفة، لا تهدف إلا إلى تجسيد مشهد دموي واحد، ألا وهو دعوشة الحياة في الجنوب، وإغراقه في فوضى أمنية واقتصادية، وإخراجه من استحقاقاته السياسية كطرف صانع للسلام في المنطقة لا مجرد تابع يُستجدى، إنهم يريدون جنوبًا مريضًا متعبًا، لا يقوى على الوقوف على قدميه، ناهيك عن أن يطالب بحقه المسلوب في الحرية والاستقلال.

غير أن كل هذه المؤامرات الدنيئة، وهذه السرديات المتلونة كألوان الطيف، لم تكن ولن تكون كفيلة بأن تمر على شعب جنوبي عربي خبر الموت قبل الحياة، شعب جُبل من صلصال المعاناة وصهرته نيران الحروب والغزوات، فأصبح لا يرهبه الموت بقدر ما يرهبه العيش بلا كرامة، شعب أدرك أن الحياة تحت ظل الاحتلال اليمني والوصاية السعودية ليست سوى موت بطيء، فاختار أن يخوض غمار الموت سريعًا في ساحات الوغى ليحيا أبد الدهر حرًا أبيًا، إنه شعب اتخذ من جراحه وسامًا، ومن دماء شهدائه طريقًا إلى الشمس، ولن تنال منه سرديات الخونة ولا دسائس المتآمرين، وسيبقى المجلس الانتقالي رمزًا لصموده، وسيفًا مسلطًا على رقاب الغادرين، حتى تشرق شمس الاستقلال من جديد.