آخر تحديث :الجمعة - 06 نوفمبر 2026 - 10:56 م

كتابات واقلام


الجنوب العربي بين الشيوعية والدواعش والصهيونية والتشيّع : ماذا بقي من تهمٍ لم تُلصق به وشعبه وقيادته؟!

الجمعة - 06 نوفمبر 2026 - الساعة 10:39 م

د.أمين العلياني
بقلم: د.أمين العلياني - ارشيف الكاتب


الجمعة 6 نوفمبر 2026م

لم يعد ما يتعرض له الجنوب العربي وشعبه وقيادته ومشروعه التحرري مجرد حملات إعلامية عابرة، أو اختلافٍ في المواقف السياسية، أو تباينٍ في الرؤى بشأن مستقبل المنطقة؛ بل بات مشهدًا متكررًا من صناعة السرديات الأيديولوجية، وتدوير الاتهامات، وتفصيل التهم بحسب مقتضيات المرحلة وأهداف القوى التي ترى في استعادة الجنوب دولته المستقلة الفيدرالية تهديدًا لمشاريع الهيمنة والنفوذ ومصالحها المتشابكة. ومن هنا فكلما تقدم المشروع الوطني الجنوبي خطوةً نحو تثبيت حضوره السياسي، وكلما أظهر شعب الجنوب تمسكه بحقه في تقرير مصيره، استنفرت تلك القوى ترسانتها الإعلامية لإنتاج تهمة جديدة، وكأن المطلوب من الجنوب أن يقدم صكّ براءة يوميًّا عن هويته وعروبته وتاريخه ومعتقده، قبل أن يُسمح له بالمطالبة بحقه في دولته.
ولعل السؤال الذي ينبغي أن يُطرح هنا: كيف يمكن لقضية شعب أن تُحاكم في كل مرحلة بتهمة مختلفة؟ وكيف يمكن لشعب قدم التضحيات والدماء أن يصبح، في قاموس خصومه، شيوعيًّا تارةً، وداعشيًّا تارةً أخرى، وصهيونيًّا وماسونيًّا تارةً ثالثة، وإيرانيًّا ورافضيًّا في تارةٍ رابعة، ومرتهنًا لدولة وظيفية (الإمارات العربية المتحدة) في تارةٍ خامسة؟!
إنها ليست اختلافاتٍ في التوصيف، بل صناعةٌ متعمدة للاتهام السياسي، تتغير مفرداتها بينما تبقى غاياتها ثابتة.

أولًا: الجنوب الشيوعي الماركسي الملحد.. تهمة الاحتلال الأولى:
عندما اجتاحت القوات اليمنية الاحتلالية الجنوبَ في صيف 1994م، لم تكتفِ بإسقاط مؤسسات دولته ونهب مقدراته والاستيلاء على أرضه، بل عملت على تسويق حربها بوصفها حربًا على الشيوعية والإلحاد والماركسية، مستثمرةً الإرث السياسي السابق للجنوب، ومحوّلةً الاختلاف الأيديولوجي إلى مبرر ديني وأخلاقي لتعبئة المجتمع ضد شعبٍ بأكمله.
وكان المطلوب آنذاك أن يُقدَّم الجنوب بوصفه خطرًا على العقيدة والهوية، لا بوصفه دولةً جرى اجتياحها، وشعبًا صودرت إرادته، وأرضًا تعرضت للنهب والإقصاء، وهكذا تحولت التهمة الأيديولوجية إلى غطاءٍ لحربٍ سياسية وعسكرية، أريد لها أن تمنح الاحتلال شرعيةً أخلاقية زائفة.
والمفارقة أن الخطاب ذاته يعود اليوم، بأدوات مختلفة ومن بوابات إعلامية وسياسية جديدة، وللأسف ممولة من اللجنة الخاصة السعودية في محاولة لإعادة إنتاج الصورة النمطية ذاتها: جنوبٌ مشبوه، ومشروعٌ مريب، وقيادةٌ ينبغي التشكيك في نواياها؛ وكأن الجنوب مطالبٌ بأن يتنصل من تاريخه حتى يستحق مستقبله.

ثانيًا: الجنوب الداعشي والإرهابي.. صناعة الفزاعة لتبرير السيطرة:
وعندما اجتاح الحوثيون وحلفاؤهم الجنوبَ في مارس 2015م، جرى توظيف خطاب الإرهاب والتطرف الديني لتصوير الجنوب بوصفه بيئةً حاضنة للتنظيمات المتطرفة، في الوقت الذي كان فيه أبناء الجنوب يقاتلون دفاعًا عن مدنهم وأرضهم وهويتهم وحقهم في الحياة كل القوى الاحتلالية وقوى التطرف والإرهاب.
وقد كان الجنوب، في تلك اللحظة، أمام عدوان عسكري لم يستهدف سلطةً سياسية فحسب، بل استهدف وجوده الجغرافي والاجتماعي وموقعه الاستراتيجي. ومع ذلك، لم تتوقف محاولات الخلط بين مقاومة الاحتلال والإرهاب، وبين الدفاع عن الأرض والتطرف، وبين المشروع الوطني الجنوبي والتنظيمات العابرة للحدود.
واليوم، يبرز خطرٌ آخر يتمثل في توظيف الدين في المجال السياسي والعسكري، وتحويل المساجد والمنابر والمؤسسات الدينية إلى أدواتٍ للاستقطاب والتعبئة الأيديولوجية، بالتوازي مع عسكرة المجال العام وإعادة تشكيل الولاءات داخل المؤسسات والقوات المسلحة كما يشكل خطرًا على مستقبل الجنوب وقضيته السياسية العادلة.
وهنا ينبغي التمييز بوضوح بين الدين بوصفه عقيدة المجتمع ووجدان الناس، وبين توظيفه سياسيًّا ومذهبيًّا لخدمة مشاريع النفوذ؛ فالجنوب ليس بحاجة إلى استيراد صراعات مذهبية، ولا إلى تحويل منابره الدينية إلى منصاتٍ لتصفية الحسابات السياسية، ولا إلى بناء تشكيلاتٍ عسكرية على أساس الولاء الأيديولوجي لكي تكون منزوعه من العقيدة الجنوبية والانتماء الوطني.
ومن هذا المنطلق فإن أخطر ما يمكن أن يُدفع الجنوب إليه هو إنتاج بيئة صراعية طائفية ومناطقية، تُستنزف فيها طاقاته، وتتآكل فيها وحدته الوطنية، بينما تتوارى القضية الجنوبية خلف دخان المعارك المفتعلة.

ثالثًا: الجنوب الصهيوني والماسوني.. حين يتحول التخوين إلى سلاح سياسي:
وبعد أحداث يناير 2026م، برزت في بعض الخطابات والحملات الإعلامية اتهاماتٌ للجنوب وقيادته بالارتباط بالصهيونية والماسونية، وهي اتهاماتٌ لا يمكن فصلها عن سياق الاستهداف السياسي والإعلامي الذي طال المجلس الانتقالي وقيادته ومشروعه الوطني.
وقد كان الهدف من إطلاق مثل هذه الأوصاف ليس نقاشًا سياسيًّا، ولا نقدًا لموقفٍ أو قرار، بل محاولةٌ لنقل الصراع من ميدان السياسة والبرامج والمواقف إلى ميدان التكفير المعنوي والتخوين العقدي، حيث يصبح الخصم السياسي متهمًا في دينه وعروبته وانتمائه، بدلًا من مناقشة مشروعه وأهدافه وحقه في التمثيل.
والأكثر خطورةً أن هذه السرديات قد تفتح الباب أمام صناعة اتجاهاتٍ متطرفة داخل المجتمع الجنوبي، وتغذية الانقسامات الدينية والمناطقية، بما يضع الجنوب أمام صراعاتٍ داخلية لا تخدم سوى القوى التي لا تريد له أن يمتلك قراره السياسي المستقل.
إن قضية شعب الجنوب ليست قضية صراعٍ مع الأديان أو المذاهب، ولا مشروعًا لمعاداة الشعوب أو الدول، وإنما قضيةٌ سياسية ووطنية تتعلق بحق شعبٍ في تقرير مصيره واستعادة دولته، ومن يريد مناقشة هذا المشروع فليواجهه بالحجة والبرنامج والموقف، لا بتوزيع صكوك الاتهام والتخوين.

رابعًا: الجنوب الإيراني والرافضي.. تهمة تتجدد كلما تعذر احتواء الإرادة الجنوبية:
منذ انطلاق الحراك الجنوبي السلمي، لم تتوقف بعض القوى اليمنية الاحتلالية عن محاولة ربط المطالب الجنوبية بإيران والتشيع والارتباط بالمحور الإيراني، وكأن المطالبة باستعادة الدولة لا يمكن أن تنبع من إرادة شعبية مستقلة، ولا يمكن أن يكون لها أساسٌ تاريخي وسياسي ووطني.
وها هي اليوم تعود هذه السردية في سياق اتهاماتٍ متداولة بشأن وجود تخادمٍ بين المجلس الانتقالي الجنوبي والحوثيين، وادعاءاتٍ عن تنسيقٍ لإسقاط ما تسميه الرياض بالشرعية وللأسف تمول هذه السردية من أموال اللجنة الخاصة السعودية.
وهنا يبرز التناقض الفاضح: كيف يمكن لقوى جعلت من الحوثيين عنوانًا لحربها ومبررًا لتدخلاتها أن تستخدم اسمهم في الوقت ذاته لتجريم خصومها الجنوبيين، دون تقديم أدلةٍ سياسية موثوقة، ودون التفريق بين المواقف المستقلة والاتهامات الدعائية؟
إن قضية شعب الجنوب ليست ورقةً إيرانية، ولم تكن يومًا امتدادًا لمشروعٍ مذهبي، كما أنها ليست مشروعًا تابعًا لأي محورٍ إقليمي، بل إن قضية شعبٍ له أرضه وتاريخه وهويته وإرادته السياسية، ولا يجوز اختزالها في معادلات الصراع بين عواصم الإقليم.
والأخطر من ذلك أن استمرار إدارة الأزمة اليمنية والجنوبية بمنطق إبقاء الصراع في حالة لا حرب ولا سلام، يجعل مستقبل الشعبين رهينةً لحساباتٍ إقليمية، ويحول التسوية السياسية من وسيلةٍ لإنهاء الأزمات إلى أداةٍ لإدامتها والتحكم بمساراتها.
من هنا فهل المطلوب أن يبقى الشمال والجنوب في حالة استنزافٍ مفتوحة، حتى تظل الرياض صاحبة القرار في متى تبدأ الحرب ومتى تتوقف، ومن يتحدث باسم الشعوب، ومن يملك حق تقرير مستقبلها؟

خامسًا: الجنوب المرتهن للدولة الوظيفية.. قلب الحقائق ومصادرة حق الشراكة:
أما التهمة الأكثر تناقضًا، فهي تصوير الجنوب وقيادته بوصفهما مرتهنين لدولةٍ وظيفية، في إشارةٍ إلى دولة الإمارات العربية المتحدة، التي جاء حضورها العسكري ضمن التحالف الذي دعت إليه المملكة العربية السعودية، وأسهمت قواتها، إلى جانب القوات الجنوبية، في معارك تحرير عددٍ من المحافظات الجنوبية من قبضة الحوثيين.
وهنا لا بد من استحضار حقيقةٍ سياسية وعسكرية لا يجوز القفز عليها: لقد كان أبناء الجنوب هم أصحاب الأرض، وهم الذين تحملوا العبء الأكبر من المواجهة، وقدموا قوافل الشهداء والجرحى، فيما أسهم الدعم الإماراتي في توفير إمكاناتٍ عسكرية ولوجستية ومادية مكّنت القوات المحلية من الدفاع عن أرضها وتحرير مناطقها.
لقد قامت تلك الشراكة، في جانبٍ أساسي منها، على مبدأ أن أهل الأرض هم الأقدر على الدفاع عنها، متى توفرت لهم الإمكانات والتدريب والتسليح والإسناد.
فهل يصبح التعاون العسكري والسياسي مع دولةٍ شاركت في معركة التحرير ارتهانًا، بينما يُراد تقديم التبعية للقرار السعودي والوصاية لها على الإرادة الوطنية بوصفهما شراكةً استراتيجية؟
وهل يُقاس استقلال القرار الجنوبي باسم الدولة التي يتعاون معها، أم بمدى امتلاك قيادته القدرة على التعبير عن إرادة شعبه والدفاع عن مصالحه؟
إن العلاقة مع أي دولةٍ ينبغي أن تُقاس بمعايير المصالح المتبادلة والاحترام المتكافئ والسيادة، لا بمنطق الامتنان الأبدي، ولا بمنطق تحويل الدعم السابق إلى صكّ وصايةٍ دائم على القرار السياسي.

سادسًا: لجنة المخابرات السعودية الخاصة.. من إدارة النفوذ إلى صناعة البدائل:
إن أخطر ما يواجه الجنوب اليوم ليس مجرد الحملات الإعلامية التي تشنها القوى اليمنية الاحتلالية، بل تداخل هذه الحملات مع مساراتٍ سياسية وإعلامية يُنظر إليها في الأوساط الجنوبية بوصفها امتدادًا لأجندات اللجنة الخاصة السعودية، التي يُثار حول دورها تساؤلٌ جوهري: هل يجري التعامل مع الجنوب بوصفه قضية شعبٍ تستحق حلًّا سياسيًّا عادلًا، أم بوصفه ملفَّ نفوذٍ ينبغي إعادة تشكيل قيادته وممثليه ومؤسساته وفق مقتضيات الحسابات الإقليمية؟
فحين يجري تهميش قيادةٍ سياسية تمتلك قاعدةً شعبية وتفويضًا سياسيًّا، ثم يجري البحث عن كياناتٍ بديلة ومكوناتٍ تنسيقية لإنتاج صورةٍ أخرى للتمثيل الجنوبي، وحين تتحول أدوات الإعلام والتمويل والاستقطاب إلى وسائل لإعادة ترتيب المشهد الداخلي، فإن المسألة تتجاوز الاختلاف السياسي إلى إشكاليةٍ تتعلق بحق الشعب في اختيار ممثليه.
ولا يمكن لأي مسارٍ سياسي أن يكتسب شرعيته من قدرته على صناعة واجهاتٍ جديدة، أو استقطاب شخصياتٍ ومكونات، أو إعادة توزيع المواقع والمناصب، بينما يتجاهل الإرادة الشعبية التي أنتجت المشروع السياسي الجنوبي.
كما إن التمثيل السياسي لا يُمنح بقرارٍ من عاصمة، ولا يُنتزع بالضغط، ولا يُصنع عبر غرف التنسيق المغلقة؛ بل يستمد شرعيته من الشعب، ومن قدرته على الاختيار والتفويض والمحاسبة.
وإذا كانت الرياض تؤمن فعلًا بحق الجنوبيين في الحوار وتقرير مستقبلهم، فعليها أن تبدأ باحترام إرادتهم، لا بمحاولة إعادة هندستها، وأن تتعامل مع قضية الجنوب بوصفها قضيةً سياسية مستقلة في جوهرها، لا ملحقًا تفاوضيًّا يُرحّل إلى ما بعد التسوية مع الحوثيين أو يُربط بمستقبل السلطة في صنعاء.

ماذا بقي من التهم؟ وهل يحتاج الجنوب إلى شهادة عروبة من أحد؟
لقد جرى اتهام الجنوب بالشيوعية والإلحاد، ثم بالإرهاب والداعشية، ثم بالصهيونية والماسونية، ثم بالإيرانية والرافضية، ثم بالارتهان والوظيفية، وتغيرت التهم، وتبدلت المنابر، وتعددت الجهات التي تروجها، لكن النتيجة التي تسعى إليها واحدة: إضعاف ثقة الجنوبيين بأنفسهم، وتشويه مشروعهم التحرري، وتفكيك وحدتهم السياسية، وإقناعهم بأن استعادة دولتهم مغامرةٌ لا يملكون مقوماتها، وأن مستقبلهم لا يمكن أن يُرسم إلا في عواصم الآخرين.

ولكن ماذا بقي بعد كل ذلك؟

ماذا بقي لتقولوه لشعبٍ قدم الشهداء دفاعًا عن أرضه، وواجه الحوثيين والتنظيمات الإرهابية، وتحمل ويلات الحروب، وفتح أبواب مدنه للنازحين، وشارك في معارك الدفاع عن أمن المنطقة وممراتها الاستراتيجية، ثم وجد نفسه مطالبًا في كل مرحلة بإثبات أنه ليس عدوًّا لعروبته، ولا خصمًا لدينه، ولا تابعًا لإيران، ولا أداةً للصهيونية، ولا أسيرًا لدولةٍ أخرى؟
أليس لهذا الشعب حقٌّ في أن يكون له مشروعه السياسي، وقيادته التي يختارها، ومؤسساته التي يديرها، ودولته التي يستعيدها بإرادته الحرة؟ أم أن العروبة أصبحت امتيازًا تمنحه عواصمكم الخليجية لمن يطيع، وتسحبه ممن يطالب بحقه؟ وهل أصبح الانتماء العربي مرهونًا بمقدار الخضوع للوصاية، لا بعمق التاريخ والجغرافيا والهوية والتضحيات؟
إن شعب الجنوب ليس شعبًا طارئًا على هذه الأرض، ولا جماعةً وافدة تبحث عن موطئ قدم، ولا كيانًا بلا تاريخ حتى يُعاد تعريف هويته وفق رغبات الآخرين، بل هو شعبٌ عربي أصيل، له أرضه وحدوده وتاريخه ودولته السابقة ومؤسساته وتضحياته، وله الحق الكامل في أن يقرر مستقبله السياسي دون إملاءٍ أو وصايةٍ أو ابتزاز.
وإلى القوى اليمنية الاحتلالية التي لم تتعلم من دروس التاريخ، وإلى كل من يراهن على أن المال والإعلام والضغوط تستطيع شراء الإرادة الجنوبية، نقول:
لقد جربتم الحرب، وجربتم التشويه، وجربتم التخوين، وجربتم استدعاء الدين والأيديولوجيا، وجربتم صناعة البدائل، ولم تستطع كل تلك الأدوات أن تمحو حقيقة وجود قضيةٍ شعب جنوبية، ولا أن تنتزع من شعب الجنوب حقه في استعادة دولته.
وإلى الرياض نقول: إن أمن الجنوب لا يُبنى بإضعاف إرادته، واستقرار المنطقة لا يتحقق بإنتاج كياناتٍ متنافسة على تمثيل شعبٍ واحد، والشراكة لا تعني الوصاية، والتحالف لا يمنح حق مصادرة القرار، والجوار لا يخول أحدًا إعادة رسم مستقبل الشعوب نيابةً عنها.
إن الجنوب لا يطلب عداوة أحد، ولا يستجدي اعترافًا بهويته، ولا يساوم على حقه في تقرير مصيره. وما يطلبه هو علاقةٌ قائمة على الاحترام المتبادل، والمصالح المشتركة، والاعتراف المتكافئ، بعيدًا عن منطق التبعية والإملاءات.
فكفى شيطنةً للجنوب، وكفى متاجرةً بهويته، وكفى تحويلًا لقضيته إلى حقل تجارب لأجندات النفوذ؛ فالجنوب ليس تهمةً تبحثون لها عن توصيف، ولا ورقةً تبحثون لها عن وصي، ولا ساحةً مفتوحةً لتصفية حساباتكم الإقليمية واليمنية؛بل هو شعبٌ يريد استعادة دولته، ولن يصبح أقل عروبةً لأنه يطالب بحريته، ولن يصبح أقل إسلامًا لأنه يرفض توظيف الدين في إخضاعه، ولن يفقد حقه في تقرير مصيره لأن بعض القوى لا تريد له أن يمتلك قراره.
فإن لم تتسع صدوركم لجنوبٍ حرٍّ مستقل القرار، فاعلموا أن المشكلة ليست في الجنوب، بل في عقليةٍ لم تتصالح بعد مع حق الشعوب في أن تكون سيدة أوطانها.