آخر تحديث :السبت - 02 مارس 2024 - 02:02 ص

كتابات واقلام


عدن .. خواطر عابرة

الأحد - 31 مايو 2020 - الساعة 01:35 ص

محمد علي محسن
بقلم: محمد علي محسن - ارشيف الكاتب


١
عدن ، مثار دهشة وفضول ، وفي الوقت عينه مدعاة للحزن والبؤس ، فما من مدينة في الدنيا إلَّا وتنحت في ذاكرة زائرها اشياء من سحرها- وايضًا– من قبحها.

المؤسف أنَّه وبمضي الوقت تتوارى الذكريات الجميلة والمدهشة مطوية في تابوت النسيان ، أمَّا القُبح والخوف والحزن فتشغل حيزًا لها في الذاكرة البعيدة ، ما يجعلها طاغية في بروزها وحضورها .

أيها المُتعبُون من عناء البحث عن عدن في هوية السالكين والساكنين على حدٍ سواء ؛ عدن ستجدونها في وجوه أطفال الأحياء الفقيرة ، وفي روح الإنسان الفائضة بالطيبة والألفة والمحبة ، وفي محيأ وهندام رجل السير الواقف في هجير الصيف .

ستعثرون عليها في نظام يُحترم من الجميع ، وفي صنبورة المياه ، وبرَّاد المطبخ ، ونظافة الحي ، وصيرورة تيار الكهرباء ، وقبل هذه جميعًا ، سلام وأمان وتعايش وتسامح ، فدون هذه الأشياء لا معنى لعدن أو سواها من الأوطان .

فما قيمة المكان من دون مهجة جذلة ؟ وما أفضلية جبل شمسان المنيف أو تلال حُقَّات أو شطآن صيرة والغدير ؛ من دون مصافحة عينيك لوجوه مسفرة مشرقة .
فهذه مجتمعة لا تضاهي ضحكة جذلة بالامنيات ، كما ولا تماثل نظرة شغوفة بالأحلام ، ففي العينين تسكن سعادة وبؤس المدن والناس ..

تساءلت وبحسرة وحيرة المُحب : هل هذه هي عدن التي شغفت الأفئدة وأسرَت الألباب ؟ وهل هذه هي أحلام أهلها المنافحين زمنًا طويلًا لأجل الحق والكرامة والمساواة والحرية والتسامح والرفاهية ؟ .

وماذا بقى هنا من إرث الرجال العظام الحالمين بكونية الإنسان ؟ وأين توارت وجوه ثارت ردحًا على الظلم والاستعباد ؟ وكيف طغت واستبدت ألسنة لاهجة بالشوفينية والرجعية واللصوصية والانتهازية والنفاق ؟

فشتان ما بين الوجهين ؛ فوجه يمنح المكان وهجًا من نزاهته وكفاحه لأجل غايات نبيلة وعادلة ؛ ووجه اخر يغشي ضوء النهار بسخام البارود والمصفحات .

فكيف ضاق المكان بقصائد الفضول ، وفؤاد نجم ، ودرويش ، والصريمي ، والقمندان ، والمحضار ، والجابري ، والديلمي ، والبردوني ، وسبيت والارياني ، ولطفي أمان ، والشيباني وووووو ؟ .

وكيف باتت زوامل " داعش " و " القاعدة " و " الحوثي " و من على منوالهم ، طاغية ومستبدة تشنف لها أذني اغلب الشباب التائه ؟ وكيف هاجرت اصوات بلفقيه ، وأيوب ، وفيروز ، والمرشدي ، والعطروش ، وبن سعد ، وأحمد قاسم ، والسِّمة ، وأحمد فتحي ، والآنسي ، والكبسي ، وعبد الباسط ، وفيصل ،والعزاني ، والحداد ، والزيدي ، وأمل كعدل والقائمة لا تنتهي من القامات الفنية والوطنية .

فهل هذه هي عدن الواقفة الآن بوجه الزمن الصاخب والعابث وبلا حيلة أو وسيلة ؟ فحتى إنارة العم " اديسون " المضيئة لأكواخ الفقراء ومخيمات المشردين وفي كافة بقاع الدنيا ، صارت ترفًا ارستقراطيًا لا ينعم به غير الميسورين والفاسدين ؟ .

عدن جوهرة ، ولكن في سوق الودق والتنجيم والمزايدة؛ لا فرق هنا . كما وعدن حسناء فاتنة ، ولكنها شاخت وهرمت أو قولوا إن شئتم : ماتت حسرة وندامة على عمرها الضائع أو في انتظار عاشق متيم لم يأت .

نعم ، عدن وئدت منذ زمن بعيد ، وتحديدًا حين أستبد فيها الصوت الواحد والرأي الواحد والقائد الواحد ، فمن وقتئذ لا مكان فيها لغير الولعين بالمغامرات النزقة والمجنونة ، كما ولا متسع فيها لغير تكرار الخيبات والتجارب الفاشلة المنهكة ؟! .

٢

سألت بحيرة وعفوية : لماذا المدينة ورئتها " البحر " بلا عشاق .. بلا رواد ... وبلا ضجيج أو هدير؟
فجاءت الإجابة صادمة ومفزعة : إنَّه " القات " ، اخذ القلوب وسلب الجيوب .. وإنَّها الخطوب ؛ استوطنت المكان فأزهقت مهج الرجال والنساء ، كما واصابت أبدان القوم ونفوسهم بالهزال والرعب ، كاسية أياها بقترة وغبرة قوم عاد وثمود .
وبرغم هول " كورونا " وما تسبب به من ذعر وهلع ووجم ، غفل النَّاس مأساة أشر وأخطر من كورونا والحُمَّيات ؛ فلا أحد يحدثك عن سوق نخاسة لا يتوقف عن بيع فلذات ألاكباد لساحة وغى طال أمدها ،وعن تجارة وتسويق الأوهام بالجملة ، فكلما علت تجارة النخاسة والأوهام زادت أرباحها شراهة .

لا أحد يمكنه القول إن عدن التي نعرفها ذهبت ورحلت وماتت قهرًا وحزنًا ، أو أن عدن التي نراها ونعيش فيها باتت غريبة وأسيرة لجحافل التتار والبعوض والذباب والحمَّيات الوائدة لما بقي فيها من عزة وحياة .
كان هواءها بلسمًا طيبًا ، والعيش فيها أمنية كل إنسان يروم للتحضر والتسامح ، فماذا عساي أقول عنها وقد استفحلت فيها مظاهر التخلف والردة والفقر والموت ؟ وماذا سأقول وقد وقفت خائرة لا تقوى على مكافحة البعوض والذباب والجوائح الفتَّاكة بمهج صغارها ونسائها ورجالها ؟.
وكيف سيكون للكلام معنى ودلالة وقد غرقت المدينة بشبر ماء مطر ؛ فكيف إذا ما هاج اليَّم أو فاضت أمواجه العاتية بسبب زلزال تسونامي ؟.

لقد بات المواطن العدني البسيط نازحًا ، غريبًا في مهوى رأسه ؟فماذا علي تذكُّره الآن ونخب عدن منهمكة في نقاشات ومداولات سقيمة لا تؤسس لغير الموت والخراب ؟ .
كما ومساحة المدينة المفتوحة على المحيط باتت ضائقة بأصوات النوارس والبجع ، رافضة لأغاني الفرح ولترانيم الحزن، أيضًا ؛ بل وبكل صوت يغرد خارج تفاهات الطائشين والغاضبين .
فعدن بلا حاضر أو وجهة مطمئنة ، وكل ما يقال في مقايل النميمة ، ورسائل " الواتساب " ومنشورات " الفيس بوك " وقنوات وصحف مغردة بحياة القائد ، الضرورة ، المعجزة ، الأعجوبة ؛ محض افتراء وزيف وتضليل .

واذا ما قدر لك الهروب من طوفان الجماعات العابثة فحتمًا ستجد ذاتك في خضم جماعة بليدة أشغلتنا وأشغلت نفسها في ماهية الهوية العدنية وبماهية الجينات الوراثية الجديرة بالانتماء للمكان .
فعلام العتب اذا ما رأينا المدينة برمتها تقتلع من جذورها ، لتغرس خارج الزمان والمكان والإنسان ، كنبتة شيطانية ولدت من الخطيئة الازلية ؟ وما جدوى البكاء والحسرة على مهجة مزهقة برصاصة أو مدية أو كورونا أو طاعون من يدعي وصلها وعشقها ؟.

نعم ، الإنسان يقف عاجزًا عن فهم ما حوله ، فناس سحقها الجوع والوباء والفاقة ، وناس تشتري حبة القات بالعشرين والخمسين والمئة الف ريال . اجساد منهكة عارية إلاَّ من اغطية رثة رخيصة ، واناس تبيع الاوهام والنفوس بالملايين ...
لا احدثكم هنا ، عن هزال الأبدان فحسب ، فالمهاتما غاندي ، كان نحيلًا وعاريًا إلَّا من قطعة قماش تستر عورته ، ومع ذلك هز امبراطورية عظمى ، بفكره وزهده وتسامحه ونقاء ما يؤمن به من مبادئ عادلة .

أحدثكم عن ناس عظام ، بصبرهم وجلدهم وبؤسهم ، وبرغم هول تضحياتهم اليومية لا يبدو أنهم أدركوا معنى ان يكون الإنسان جائعًا في كنف وطن يئن من التخمة ، كما ولا أحدًا منهم يدرك بكون هُزال التفكير أشر وأخطر من هُزال البدن .
فليس هنالك ما يخشاه الإنسان المتحضر أكثر من الحياة بلا غاية سامية .. وبلا قضية نبيلة ... وبلا وطن حر ومزدهر .
رحل المستعمر قبيل عقود نيفت الخمسة ، وبغباء وسذاجة ، هنالك اليوم من يتغنى بماضٍ بغيض ، كما ويُحنُّ لزمن ثار آباؤنا وأجدادنا عليه ، وهذه لعمري واحدة من مآسي التاريخ ،وواحدة من خطايا العار ..

ورحل الرئيس صالح ،ولكن بعيد ان خلف لنا مليون لص وفاسد وقاتل وناهب ، ما يستدعي منا ثورات تلو الثورات ، وتواريخ تلو التواريخ ،واجيال تلو الاجيال ،وإلى ان يذهب هذا البلاء ، وإلى ان تتطهر هذه البلاد من رجس ماضيها الخائب ،وإلى ان يتعافى اليمنيين من سقمهم الخبيث المزمن .

يسرقنا العمر رويدًا رويدًا ... اتأمل في وجه حفيدي الصغير " مُحمَّد " فيصيبني الفزع من الحاضر ومن الزمن القابل . أسأل نفسي وبوجع وحُرقة : ماذا فعلنا وماذا نفعل ؟؟سؤال عفوي عادي ، لكنني لا أعثر له على اجابة شافية .
أفكار رجعية شوفينية تماثل خلايا سرطانية خبيثة ؛ فحين تُركت تتكاثر وتنهش وتقتُل ، كانت المأساة كارثية وكان الوطن اشبه بمقبرة كبيرة ، وشتان بين وطن ينبض بالحياة ، وبين مثوى لرفاة الموتى .

محمد علي محسن