هناك مدن حينما تزورها تترك فيك أثرًا لا يزول. وهكذا كانت المكلا بالنسبة لي؛ بوابة دخلتُ منها إلى حضرموت، كانت المرة الأولى التي وصلت فيها إلى المكلا في سياق عمل صحفي ثقيل، وسط ظروف مضطربة وأحداث متسارعة. لكن المدينة، رغم كل ذلك، لم تكن تشبه الصورة التي كنت أتوقعها. هناك، كان البحر أقرب إلى الهدوء منه إلى العاصفة، وكان الناس أقرب إلى الطمأنينة منهم إلى الضجيج.
في الأزقة والأسواق وعلى امتداد الكورنيش، أكتشفت حضرموت من خلال تفاصيل صغيرة: حديث عابر، موقف إنساني، دعوة صادقة لشاي أو قهوة، أو حتى نظرة ترحيب لا تحتاج إلى كلمات. ومن خلال هذه التفاصيل، فهمت أن حضرموت حالة إنسانية متجذرة في الوعي والهوية.
ربما ما جعل العلاقة أعمق هو ذلك التناقض الجميل بين صعوبة الواقع السياسي والاقتصادي، وبين ثبات الإنسان الحضرمي في سلوكه وهدوئه.
ففي الوقت الذي كانت فيه البلاد تعيش أزمات متراكمة، كان في المكلا نوع من التوازن الداخلي الذي يمنحك شعورًا بأن الحياة، رغم كل شيء، لا تزال ممكنة.
ومع الوقت، لم تعد المكلا مجرد مدينة عملت فيها أو غطيت أحداثها، بل أصبحت مساحة شخصية في الذاكرة. ..أحببت المكلا كما أحببت أهلها، .وهكذا، بقيت حضرموت في ذاكرتي ليست كملف صحفي، بل كتجربة إنسانية.
تجربة علّمتني أن بعض المدن لا تُفهم من خلال أخبارها، بل من خلال قلوب من يعيشون فيها… وأن بعض العلاقات مع الأماكن تبدأ بالعمل، لكنها لا تنتهي إلا في الوجدان.