آخر تحديث :الثلاثاء - 12 مايو 2026 - 10:40 م

كتابات


مراجعة الأخطاء ليست استهدافا بل حماية للمشروع الجنوبي

الثلاثاء - 12 مايو 2026 - 09:51 م بتوقيت عدن

مراجعة الأخطاء ليست استهدافا بل حماية للمشروع الجنوبي

البرفيسور توفيق جزوليت

الجنوب في حاجة إلى شجاعة المراجعة لا ثقافة التبرير …و الذي لا يعمل هو الذي لا يخطىء

أية حركة تحرر تتطلع إلى بناء دولة يجب أن تستفيد من أخطاء التجارب التي سبقتها. القيادة الحكيمة هي التي تستشرف المستقبل من خلال قراءة الماضي، وتدرك أن التقدم لا يأتي من الاستمرار في نفس الأخطاء،


لهذا و ذاك تُعدّ المراجعة والنقد الذاتي من أهم عوامل بقاء ونجاح حركات التحرر في العالم، لأن أي حركة تتحول مع الوقت من مجرد حالة مقاومة إلى مشروع سياسي واجتماعي ، وإذا غاب عنها النقد الذاتي فإنها غالبًا ما تقع في أخطاء قاتلة، أبرزها عبادة الأشخاص، والانفصال عن الناس، وتحويل القضية من مشروع وطني إلى أداة سلطة.


لقد أثبتت تجارب حركات التحرر العالمية أن الحركات التي امتلكت شجاعة الاعتراف بالأخطاء كانت أكثر قدرة على الاستمرار والتطور وتحقيق أهدافها، بينما انهارت أو تراجعت الحركات التي اعتبرت نفسها فوق النقد.


من أبرز أهمية النقد الذاتي في حركات التحرر:


أولًا: تصحيح المسار قبل الوصول إلى الانهيار


النقد الذاتي يسمح للحركة باكتشاف أخطائها مبكرًا، سواء في الإدارة أو الخطاب أو العلاقة مع الجماهير أو التحالفات السياسية. فالحركات لا تسقط فجأة، بل تنهار تدريجيًا عندما تتراكم الأخطاء دون مراجعة.


ثانيًا: حماية القضية من الشخصنة


كثير من حركات التحرر تحولت مع الزمن من مشروع وطني جامع إلى مشروع مرتبط بأشخاص أو نخب ضيقة. هنا يصبح أي نقد وكأنه “خيانة”، بينما الحقيقة أن النقد هو الذي يحمي القضية من التحول إلى ملكية خاصة.


ثالثًا: الحفاظ على ثقة الجماهير


الجماهير قد تصبر على الفشل المؤقت، لكنها لا تغفر الاستعلاء أو إنكار الواقع. عندما تعترف الحركة بأخطائها وتصارح الناس، فإنها تحافظ على الحد الأدنى من المصداقية والثقة الشعبية.


رابعًا: بناء مؤسسات لا تقوم على الولاءات


الحركات التي لا تمارس النقد الذاتي غالبًا ما تبني شبكات ولاء لا مؤسسات دولة. ومع الوقت تتحول المناصب إلى مراكز نفوذ ومصالح، ويضيع المشروع الوطني وسط الصراعات الداخلية والفساد.


خامسًا: الاستعداد لمرحلة الدولة


النجاح في المقاومة لا يعني بالضرورة النجاح في بناء الدولة. لذلك تحتاج حركات التحرر إلى مراجعات عميقة للانتقال من عقلية الثورة إلى عقلية الدولة والقانون والمؤسسات.


وقد شهد العالم نماذج عديدة لحركات تحرر قامت بمراجعات مؤلمة لكنها ضرورية، مثل:


* المؤتمر الوطني الإفريقي في جنوب إفريقيا بعد نهاية الفصل العنصري.

* منظمة التحرير الفلسطينية في مراحل متعددة من تاريخها السياسي.

* جبهة التحرير الوطني الجزائرية بعد الاستقلال وما رافق ذلك من أزمات حكم وهوية.

* الجيش الجمهوري الإيرلندي عندما انتقل من العمل المسلح إلى المسار السياسي.


وفي المقابل، فإن كثيرًا من الحركات التي رفضت النقد الذاتي انتهت إلى الانقسام أو الفشل أو التحول إلى سلطة منفصلة عن شعبها.


النقد الذاتي الحقيقي فعل شجاعة ومسؤولية تاريخية. فالحركات التي تؤمن بعدالة قضيتها يجب أن تكون أكثر قدرة على مراجعة أخطائها، لأن القضية العادلة لا تخاف من الحقيقة، بل تسقط عندما تُمنع الحقيقة من الوصول إليها.


والذي لا يعمل هو الذي لا يخطىء