آخر تحديث :الثلاثاء - 19 مايو 2026 - 09:40 م

كتابات


محافظة لحج... ماذا تحتاج كأولوية؟

الثلاثاء - 19 مايو 2026 - 07:54 م بتوقيت عدن

محافظة لحج... ماذا تحتاج كأولوية؟

كتب / د. أمين العلياني

لكل أرضٍ حكايةٌ ترويها الرياحُ للتاريخ، ولكل مدينةٍ روحٌ تسري في عروقها كما يسري الدمُ في الأوصال، تهمسُ للغرباء عن مجدٍ تليدٍ وحاضرٍ يئن. ولحج... آهِ من لحج! هذه الجوهرةُ التي أثّثت التاريخَ بأمجادها الخالدة، وهذه الحاضنةُ الدافئةُ التي تتكئ على خاصرة الجنوب كأمٍّ حنونٍ تفتح ذراعيها للقادمين من عدن وأبين والضالع وتعز، ليست مجردَ بقعةٍ جغرافيةٍ تُرسَم على الخرائط باهتةَ اللون ميتةَ الملامح، بل هي نبضٌ عنيدٌ لو توقف لترنح معه شريانٌ كاملٌ من شرايين هذه البلاد كلها.


إن السؤالَ الذي يفرض نفسَه اليوم، في ظل قيادةٍ جديدةٍ شابةٍ يُعقَد عليها الرجاء، ليس سؤالًا عابرًا يُطرَح في المجالس ثم يُنسى، بل هو سؤالُ وجودٍ ومصير: ماذا تحتاج لحج كأولوية؟! سؤالٌ يثقب الصمتَ ثقبًا، ويمزّق ستائرَ التجاهل تمزيقًا، ويطرق أبوابَ الضمائر طرقًا عنيفًا لا هوادة فيه!


والإجابة، هنا، فلحج لا تُطلَب من سراب المستحيل، ولا من أمانيّ السلطة المركزية الأمورِ المعلّبة، بل تُطلَب من وجدان هذه الأرض أولًا: من فلّاحيها الذين عرَكوا طين الوادي بأيديهم حتى صار الطين جزءًا من تكوينهم، من نسائها اللواتي حملن أطفالهن على ظهورهن وقطعن الفيافي والبراري بحثًا عن نقطة ماءٍ في قرى المحافظة المتناثرة المتنافرة، من شبابها الذين يختنقون بطموحاتهم في أزقة البطالة وصارت المتارس والموت هما المستقبل الوحيد المسموح به، من مقوماتٍ مائيةٍ دفينةٍ تحت رمالها التي تُستنزَف دون محاسبة وتحتاج إلى ترشيد! ومساحات وبُنى صناعية تحتاج إلى استثمار لا تحويش.


إن الحكومة، بكل ثقلها ومسؤولياتها وأجهزتها، مطالَبةٌ اليوم، وفي هذه اللحظة الحاسمة بالذات، أن توليَ لحج ما تستحقه من دعمٍ حقيقي، لا مِنّةً ولا صدقةً، بل استحقاقًا وواجبًا دَيْنًا في عنقها. مطالَبةٌ بأن تمنحها من الصلاحيات ما يمكّنها من إدارة شؤونها بنفسها، وأن تطلق يدها في رسم أولوياتها وفق احتياجات أهلها، لا وفق قانون سلطة محلية لا يعرف عن لحج إلا اسمها في ملفاتٍ صفراء يأكلها الغبار!


ولنحدد الأولويات، لا كما تمليها علينا التقاريرُ المكتبية الميتة التي يكتبها موظفون أنهكتهم الرتابة، بل كما يصرخ بها الواقع وتئن منها معاناة المواطن. الكهرباء أولًا! نعم الكهرباء، هذا العصب الذي إذا انقطع توقفت معه الحياة، وماتت أحلام الناس، وتحولت المدينة إلى مقبرةٍ موحشةٍ يأكل الظلام جدرانَها وقلوبَ ساكنيها. التعليم ثانيًا! لا ذاك التعليم الذي يُخرّج أجيالًا تحمل شهاداتٍ كالأوراق النقدية التي فقدت قيمتها، بل تعليمٌ يبني العقل قبل أن يملأ الجيب، تعليمٌ مهنيٌّ يخلق الحرفة ويبتكر المعيشة ومن خلالها يقاوم الفقر ويعين الأسرة. الصحة ثالثًا! مستشفياتٌ لا تكون محطات انتظارٍ للموت، بل منارات شفاءٍ تليق بآدمية الإنسان وكرامته. والثقافة رابعًا؛ لأن الأمة التي تفقد ذاكرتها تفقد بوصلتها، ولحج التي أرضعت البلاد الشعر والأغنية والفن، لا يصح أن تُدفَن تراثها تحت أنقاض الإهمال والنسيان!


وهنا، يولد السؤال المحوري: كيف السبيل؟ كيف ننتقل من صراخ الألم إلى نشيد الأمل؟ كيف نصنع المستحيل أو ندانيه؟ نتمنى من سلطة المحافظة الجديدة أن تعقد مؤتمرًا جامعًا في ديوان المحافظة، تُرفَع رايته عاليًا تحت عنوان: "أولويات لحج... ماذا؟". نجمع فيه المزارع الذي أنهكته الديون وأرهقه القرض، والأكاديمي الذي هجرته المنابر وضاقت به السبل، والتاجر الذي أثقلته الجمارك والضرائب حتى كاد يتوقف عن التنفس، والمغترب الذي يحمل في قلبه حب الوطن وفي جيبه خبرة الدنيا وتجاربها، والمرأة التي هي نصف المجتمع ومنجبة نصفه الآخر، والشاب الذي يريد فرصةً لا حسنةً، ووظيفةً لا وعدًا! نجمع المؤسسة الحكومية بكل ثقلها، ومنظمات المجتمع المدني بكل حيويتها، ونجلس على طاولةٍ واحدة، نتكلم لغةً واحدة، ونحلم حلمًا واحدًا، ونتألم ألمًا واحدًا!


وحين نخرج من ذلك المؤتمر التاريخي بخطة عمل واقعية حسب الإمكانيات المتاحة، خطةٍ تُحلحل العقد، وتفك الاشتباكات، وتحوّل الأزمات إلى فرص. خطةٍ تُدار بحدود الممكن والمعقول، لا بأحلام السماء التي لا تلامس الأرض ولا تروي ظمأ العطشى. نحدد أولوية الأولويات، نمسك بالممكن قبل أن نطارد المستحيل، ونبني لبنةً لبنة، وحجرًا حجرًا، حتى يكتمل الصرح ويشتد العود!


ولأن الكلام وحده لا يكفي، فإن المنهج هو الفيصل بين من يدّعون العمل ومن يصنعونه بأيديهم وعرقهم. ومن هنا، فالمحافظ لا يُطالَب بمعجزةٍ تنشق لها الجبال، بل بمنهجٍ رشيد، ورؤيةٍ ثاقبة، وفهمٍ عميقٍ لحقيقةٍ صارت بديهية: الناس لا تؤمن بالخطط الخمسية المذهّبة ولا بالشعارات الرنانة، بل تؤمن بالحنفية التي سال منها الماء بعد طول جدب، وبالشارع الذي شعّ نوره بعد دامس ظلام، وبالخدمة التي لمست حياتها اليومية!


تخيلوا معنا لو تُنجَز خمسة مشاريع محسوسة، يراها الناس رأي العين، وتلمسها أيديهم قبل آذانهم. بئر كان يابسًا فتفجر منه الماء كأنه معجزة الأنبياء، شارع كانت تأكله العتمة فأصبحت أعمدته كالنجوم هدايةً للسائرين، محكمة عادت إليها الحياة لترد المظالم وتنشر العدل بين العباد، مدرسة خرجت من رحم المعاناة متوشحةً ثوبها الجديد كطائر الفينيق ينهض من الرماد، وسوق كان فوضى فأصبح نظامًا يأسر القلوب قبل الأبصار. إن الإنجاز الصغير، يا كرام، في عين من حُرم دهرًا، هو أعظم من ألف بيانٍ يُكتَب بماء الذهب، هو الرسالة الصامتة التي تصمّ الآذان بقوتها، وتقول دون أن تنطق: نحن هنا، ونحن قادرون، ونحن أوفياء!


وحين يجلس المزارع والتاجر والأكاديمي والمغترب في قاعةٍ واحدة، يتقاسمون الخبز والملح والحلم والألم، ليخرجوا بعدها بثلاث ميزات استراتيجية لا أكثر ولا أقل: زراعة تصنيعية تحول ثمار الوادي إلى مصانع وعلامات تجارية تغزو الأسواق، وسياحة ثقافية تحول آثارنا وحكايات أجدادنا إلى ثروة تتدفق كالنهر، وخدمات لوجستية تستثمر موقعنا الذي تتلاقى عنده القوافل. ثلاث فقط! لأن من يطارد عشرة أرانب، كما قال الأولون، لا يمسك واحدًا، والتركيز شجاعة لا يملكها إلا العظماء!


وفي هذا الدرب الطويل، ستبقى الشفافية هي الضمانة وهي الدرع وهي السيف. فحين تُنشَأ صفحة واحدة تنشر كل ريال دخل وكل ريال خرج، تكون هذه الصفحة أقوى من ألف جهاز رقابي، لأن الفساد كائن ليلي يخاف الضوء، يتهاوى ويرتعش ويموت حين تلفحه شمس الحقيقة، والثقة لا تولد في غرف مظلمة، بل تولد في رحاب العلن كما تولد الأزهار في الربيع!


وأخيرًا، يبقى الإعلام هو السلاح الأقوى والأمضى. إذاعة لحج يجب أن تنهض من رمادها، لتعود مدرسة متنقلة تدخل كل بيت، تعلم الفلاح كيف يسوق بصل الوادي إلى أسواق الخليج فيصبح سلعة ثمينة تدر الذهب، وترشد الأم كيف تنقذ رضيعها من غول الكوليرا القاتل، وتحكي للشاب العاطل قصة جاره الذي بدأ بورشة صغيرة فأصبحت مصنعًا كبيرًا يضج بالحياة. الوعي معركة، والكلمة الصادقة رصاصتها الأولى التي لا تخطئ!


وهكذا تُدار الأولوية في لحج، لا بالانتظار القاتل، بل بالعمل الذي يصنع المعجزات، وبالخطط التي تولد من رحم المعاناة، وبالشفافية التي تقتلع الفساد من جذوره، وبالإعلام الذي يوقظ النائمين من سباتهم، وبالمؤتمر الذي يوحد الصفوف ويجمع الكلمة المبعثرة.