آخر تحديث :الإثنين - 25 مايو 2026 - 07:33 م

كتابات


هندسة النصر وفلسفة الصمود: معركة تحرير الضالع 2015 وعبقرية الشهيد "أبو عبد الله"

الإثنين - 25 مايو 2026 - 07:15 م بتوقيت عدن

هندسة النصر وفلسفة الصمود: معركة تحرير الضالع 2015 وعبقرية الشهيد "أبو عبد الله"

كتب/يحيى أحمد

جغرافيا الصمود وخلفيات الحقد


في مطلع العام 2015، ومع انطلاق جحافل الغزو الثاني للجنوب، لم تكن الضالع مجرد جبهة حدودية عابرة، بل كانت المحور الاستراتيجي الأهم ومسرح المواجهة الأكثر ضراوة ووحشية. لقد تميز الهجوم المعادي بحشد عسكري وبشري هائل، مدفوعاً بخلفيات تاريخية من الصراع الطويل بين شعبنا المقاوم وقوى الاحتلال؛ وهي خلفيات غذّتها نزعات الكراهية والرغبة الجامحة في الثأر والانتقام من هذه المدينة العصية.

اعتمد العدو استراتيجية هجومية متعددة الأبعاد؛ بدأت بقصف مدفعي وصاروخي مكثف على القرى والأحياء السكنية من خارج الحدود، بالتوازي مع تحركات خلاياه في الداخل، مستهدفاً خوض "حرب نفسية" تسبق الآلة العسكرية لكسر معنويات المواطنين وروح المقاومة لديهم.

المواجهة غير المتكافئة: حرب المحورين والاستنزاف

أمام هذا الطوفان، نجحت المقاومة الجنوبية في إدارة المعركة عبر محورين استراتيجيين:

المحور الأول: عزل وتطويق المعسكرات والمواقع التي استحدثتها قوات الاحتلال في الداخل، المتمثلة في أربعة ألوية مدججة بالسلاح (لواء عبود، لواء الجرباء، لواء الأمن المركزي، ولواء الدفاع الجوي). المحور الثاني: التصدي للهجوم البري القادم من خلف الحدود، ومنع التحام القوات المعادية القادمة مع تلك المتمركزة في قلب المحافظة.

وعلى الرغم من الاستعدادات المبكرة للمقاومة، إلا أن فارق التسليح كان شاسعاً؛ حيث واجه أبطالنا جحافل الغزاة بأسلحتهم الشخصية وبعض الرشاشات المتوسطة في حرب غير متكافئة. ورغم تمكن العدو في الأيام الأولى من تحقيق اختراق ميداني والالتحام بقواته المحاصرة، إلا أن المسالك والممرات الممتدة بين قعطبة والضالع تحولت سريعاً إلى مكامن استنزاف يومي متواصل جرّعت المحتلين خسائر بشرية ومادية فادحة.


معركة العرشي: تحطم كتائب الحرس الجمهوري الخاص


شكل موقع "العرشي" بقيادة القائد الشهيد علي عبداللاه الخويل الخط الدفاعي الأول لمدينة الضالع، والتحصين المنيع الذي تكسرت عليه موجات الهجوم اليومي للعدو، ومع تنامي الخسائر في صفوف الغزاة، وعزوف القبائل اليمنية عن إرسال أبنائها إلى هذه المحرقة، اضطر المخلوع "عفاش" وحلفاؤه الحوثيون إلى الدفع بأوراقهم الأخيرة والمتمثلة في ،كتائب النخبة الخاصة بالحرس الجمهوري،وهي القوات المخصصة لتنفيذ المهام المستحيلة واختراق الجبهات المحصنة.

وفي ليلة تاريخية، بدأت من الساعة الثامنة مساءً من يوم 13 أبريل وحتى صباح 14 أبريل 2015، شنت هذه الكتائب هجوماً واسعاً ومخططاً باكتساح موقع "العرشي". استخدم العدو فيها كل ترسانته الإستراتيجية، لتنتهي المعركة بملحمة صمود أسطورية تراجعت فيها وحدات النخبة تجر أذيال الهزيمة، مثقلة بخسائر بشرية وميدانية غير مسبوقة في تاريخها العسكري.


الرسالة التاريخية: الضالع هي الاستثناء


أمام هذا الانكسار المذل، حاول العدو فتح قنوات تواصل عبر وسطاء، حاملاً لغة التهديد والوعيد، ومتبجحاً بأن قيادته مستعدة للتضحية بعشرين ألف جندي لفتح طريق الضالع، وأن قواتهم قد وصلت بالفعل إلى "المعاشيق" و"القصر المدور" في التواهي وبقية محافظات الجنوب، ملوحين بتحميل المقاومة ثمن الدمار الشامل للمدينة.

وجاء رد الرئيس عيدروس الزُبيدي ليصيغ معادلة العزة:

اسحبوا قواتكم إلى خارج الحدود أولاً، وعليكم أن تعلموا أن طريق الضالع ستظل مغلقة تماماً أمام أي تحرك عسكري، وننصحكم بأن تجعلوا كفن كل جندي ترسلونه إلى هنا معه.. وحتى لو نجحتم في اختراق دفاعاتنا وهو مستبعد فإن ما بعد الضالع سيكون أشد وطأة وأكثر جحيماً.. ادرسوا التاريخ جيداً لتعرفوا أن هذه المنطقة، بعمقها الجغرافي والاجتماعي، كانت وستظل الاستثناء".


ملحمة الـ 75 يوماً: من حرب الشوارع إلى التخطيط للتحرير


استمرت معركة الضالع 75 يوماً من الصمود الأسطوري (من 8 مارس إلى 25 مايو 2015)، سطر خلالها أبطال المقاومة الجنوبية بمختلف أعمارهم ومن جميع المديريات، وبمساندة رجال أشداء توافدوا من مختلف محافظات الجنوب، ملاحم تفوق الخيال بأسلحتهم الشخصية.

ومع حلول 14 أبريل 2015، تحولت المواجهة إلى حرب شوارع طاحنة وسط المدينة. ورغم الكثافة النيرانية الهائلة لقوات الاحتلال باستخدام كافة ترسانته العسكرية محاولاً إرهاب المواطنين، إلا أن مقاتلينا أحبطوا استراتيجية العدو القائمة على كسب الوقت وإعادة ترتيب صفوفه بعد فشله في تحقيق أي تقدم ميداني. وأمام هذا التقهقر، تنبهت قيادة المقاومة الجنوبية ممثلة بالرئيس القائد عيدروس الزُبيدي لتكتيك الاستنزاف الذي يمارسه العدو، وجرى تدارس الوضع لتنتقل المقاومة من مرحلة الدفاع إلى التحرير الكامل.

إن نصر الخامس والعشرين من مايو 2015 لم يكن وليد اللحظة التاريخية، وإن كانت معركة التحرير الأخيرة هي الأشد بأساً وضراوة والأكثر تكلفة في تضحياتها المادية والبشرية، إلا أن هذه المعركة الذروة تمثل الامتداد الفدائي النضالي المتطور لسلسلة طويلة من المعارك الخشنة والناعمة التي خاضها شعبنا الجنوبي، وفي الطليعة منهم أبناء الضالع التي شكلت منذ احتلال الجنوب عام 1994م أحد مسارح المواجهة والحرب اليومية المفتوحة مع قوى الاحتلال.


القائد والمربي: كيف صنع "أبو عبد الله" عقيدة النصر؟


إن الحديث عن العميد الركن عمر ناجي "أبو عبد الله" لا يقتصر على كونه مهندساً للخطط العسكرية والقائد الميداني للمعركة فحسب، بل يتعداه إلى كونه مربياً فذاً وقائداً ملهماً عشنا تحت قيادته في خنادق الموت، وتلقينا منه أسمى القيم والمبادئ الوطنية النضالية والتحررية. لقد كان يجمع بين صرامة القائد العسكري، وحنان الأب، ووفاء رفيق السلاح والمصير المشترك.

تجلت عظمة هذا القائد في حرصه الشديد على حياة أفراده، حيث كان يفضل أن يقينا بنفسه ويتقدمنا لاقتحام مكامن الخطر، معلماً إيانا فنون الحرب ومكرها وخداعها، مستنفراً كل خبراته العسكرية الفذة ليمدنا بها. كانت شجاعته النادرة مقرونة دائماً بالحنكة والدهاء؛ فلم تكن المجازفة والمغامرة لديه عشوائية قط، بل مدروسة ومخططة بعناية ودقة تضمن النجاح وتقلل الخسائر.

ولم يكن "أبو عبد الله" مجرد عسكري في الميدان، بل كان خطيباً ومحاضراً محترفاً، يستغل كل فرصة ليلقننا الدروس الوطنية والتربوية، غارساً في وعينا وعقولنا قناعات راسخة بحتمية الانتصار مهما طال الزمن. لقد تعلمنا منه قاعدة ذهبية: **"إن الهزيمة الحقيقية للعدو تبدأ أولاً في وعي المقاتل وقناعته قبل الميدان"**. هذه القيم ترسخت في نفوس مرؤوسيه، فأضحى كل فرد منا على يقين مطلق بأن اندحار الغزاة مسألة حتمية لا جدال فيها، وكنا ندخل المواجهات مهما بلغ فارق السلاح ونحن واثقون بالانتصار.


خطة التحرير وصدمة اختراق غرفة العمليات التحالف


كلف القائد العام للمقاومة الجنوبية، الرئيس عيدروس الزُبيدي، الشهيد القائد العميد الركن عمر ناجي محمد (أبو عبد الله)، بوضع خطة عسكرية محكمة لمعركة التحرير. وفي 12 مايو، قدم الشهيد خطة متكاملة ركزت على إسقاط ،معسكر الجرباء، باعتباره المفتاح الاستراتيجي والعمود الفقري الذي بانهياره تنهار بقية المعسكرات والألوية المحيطة.

بعد إقرار الخطة، حُدد يوم 16 مايو موعداً للهجوم، على أن يبدأ بتمهيد جوي من طيران التحالف العربي يليه الزحف البري. وبالفعل، تقدمت سرايا المقاومة وتحصنت تحت المنحدرات الجبلية المحاذية للمواقع العسكرية المطلة على معسكر اللواء (الجرباء) في انتظار الضربات الجوية، ولكن صدمة الخذلان كانت بانتظارنا؛ إذ لم ينفذ الطيران أي غارة، مما أدى إلى حصار سريتين من المقاومة تحت نيران ومواقع العدو طوال نهار كامل، حتى تمكنا من الانسحاب بعد الثامنة مساءً. لقد تكرر خذلان الطيران حينها، وتبين لاحقاً أن قيادات عسكرية وسياسية يمنية تغلغلت داخل عمليات التحالف كانت تقف وراء ذلك لأهدافها السياسية الخاصة.


ليلة 25 مايو: "عدن حضرموت" وساعة الصفر


أمام هذا التحدي، أثبتت القيادة الجنوبية مرونتها وعزيمتها؛ حيث أعاد الشهيد القائد عمر ناجي صياغة الخطة بدراسة محكمة تعتمد كلياً على المقاومة دون التكلان على الغطاء الجوي، وتم إشعار عمليات التحالف بتجنب تنفيذ أي طلعات جوية بعد منتصف الليل، لتبدأ ساعة الصفر للهجوم الشامل في تمام الساعة الثانية عشرة ليلاً.

وفي تمام الساعة العاشرة مساءً، التقى بنا القائد العام للمقاومة الرئيس عيدروس الزُبيدي في "وادي سرايا"، وحيانا تحية الإرادة والعزيمة والفداء الوطني قاصداً شحذ الهمم، ثم ترك الحديث لمهندس المعركة وقائدها الميداني، العميد الركن عمر ناجي "أبو عبد الله"، ليخاطبنا بكلمات زلزلت الأرض تحت أقدامنا قائلاً:

الأخوة أبنائي وزملائي المقاومين.. من لم يكتب وصيته فعليه كتابتها الآن، فنحن الليلة إما أن ننتصر أو نستشهد، لا خيار آخر لدينا، ولكن ثقوا جيداً بأن النصر حليفنا. التزموا بالتعليمات بدقة دون أن تأخذكم العاطفة؛ من يسقط منكم جريحاً أو شهيداً فلا تلتفتوا إليه واصلوا الهجوم، وحتى إن رأيتموني أنا شخصياً قد سقطت شهيداً أو جريحاً، فلا تتوقفوا لأجلي، واصلوا الهجوم.. فكل ثانية وسط الاشتباك هي كفيلة بصناعة النصر.


ثم أعلن القائد ابو عبدالله كلمة السر والدخول إلى الملحمة: (عدن حضرموت)


الاشتباك من المسافة صفر والعبور نحو الفجر

في تمام الساعة الثانية عشرة ليلاً، انطلقت ساعة الصفر، وكان القائد "أبو عبد الله" أول من بدأ برمي أول قنبلة هجومية ليعلن بدء الهجوم الشامل على جميع المواقع العسكرية المحيطة بمعسكر الجرباء. جرى توزيع المهاجمين بدقة عالية على ثلاثة نساق: النسق الأول للمهاجمين، النسق الثاني لتعزيز المهاجمين، والنسق الثالث لفريق المسعفين.

وفي غمرة المواجهة المباشرة داخل منطقة المتارس التي تحصن فيها العدو، سقط القائد بطلاً مصاباً بطلقات مزقت ساعده الأيمن، وإصابة أخرى بشظية قنبلة يدوية بين العين والأنف والجبهة. وأثناء محاولتنا حمله وسط اللهيب، صاح بنا بصوت خفيف ولكنه يحمل هيبة القيادة: يدي لا أستطيع تحريكها، دعوني وشأني وواصلوا تمشيط المواقع.. التزموا بما أوصيتكم به"

في تلك اللحظة المهيبة، أسقطت المواقع وفر جنود العدو من متارسهم هاربين نحو المنحدر الجبلي المطل على معسكر الجرباء. وكانت تلك اللحظة الأولى في حياتي التي أرى فيها معسكر الجرباء مكشوفاً من أعلى مواقعه العسكرية الأشد تحصيناً. وفي تمام الساعة الثالثة فجراً، وسط اشتباك شرس من المسافة صفر، تم تمشيط المتارس والمواقع بالكامل.

ومع تباشير الصباح، أشرقت شمس يوم الاثنين الموافق 25 مايو 2015م، وصقور المقاومة الجنوبية يسيطرون بالكامل على جميع المواقع العسكرية المطلة على معسكر الجرباء وما حولها، وتهاوت بقية المواقع الأخرى كأوراق الخريف. أشرقت الشمس معلنة فجراً جديداً يزف بشائر النصر للضالع خاصة وللجنوب عامة، ليعم الفرح والاحتفال من سقطرى مروراً بالمهرة حتى باب المندب بيوم انتصار الضالع وتحريرها من الاحتلال بنسختيه العفاشية القديمة والحوثية الجديدة.

لقد أُنزلت في ذلك اليوم أول وأقسى هزيمة بتحالف الاحتلال والغزو على الساحة الجنوبية، وأعادت الضالع كتابة تاريخ وأمجاد شعبها العتيد الرافض للضيم والظلم والاستعمار أياً كان شكله ومصدره، داخلياً أو خارجياً؛ شعب جُبل عبر العصور على النضال، وأيقن مبكراً أن للحرية والعزة والكرامة ثمناً باهظاً من الكفاح المرير والتضحيات الجسيمة، ثمنٌ لا يقدر على دفعه إلا الشعوب الحية المؤمنة بحريتها وكرامتها.