منذ تعيين الفريق الركن د. طاهر العقيلي وزيرًا للدفاع، والوزارة تبدو وكأنها تدور في حلقة مفرغة؛ تصريحات عن العدالة والمساواة في الرواتب، يقابلها واقع يكشف تمييزًا واضحًا، وحرمان العسكريين من ترقياتهم القانونية المستحقة ومن تسوياتهم المالية، لا تليق بمؤسسة عسكرية يفترض أنها تقوم على الانضباط والنظام.
فالوزير يخرج عبر حسابه في “فيسبوك” تاريخ 27 مارس 2026م ليبشر “كافة منتسبي الجيش الوطني” بوصول أربع مكرمات بالريال السعودي، ليتضح لاحقًا أن تلك المكرمات خُصصت لوحدات الجيش في مأرب فقط، دون بقية المناطق العسكرية. وهنا يبرز السؤال المشروع: هل المنطقة العسكرية الرابعة ليست جزءًا من الجيش الوطني؟ أم أن المساواة التي يتحدث عنها الوزير مجرد شعارات للاستهلاك الإعلامي؟
ولم يتوقف الأمر عند حدود الوعود، بل وصل إلى تشكيل ما سُمي بـ”لجان التمام” قبيل عيد الأضحى بأيام، وربط صرف راتب شهر مارس بمقابلة تلك اللجان، في خطوة أثارت استياء واسعًا بين الجنود والضباط، قبل أن يتم التراجع عنها تحت ضغط الأصوات الغاضبة. وهو ما يكشف ارتباكًا إداريًا واضحًا وقرارات تفتقر إلى الدراسة والتخطيط.
الأكثر إثارة للسخرية أن مهمة تلك اللجان اقتصرت على استلام صور البطائق الذكية، رغم أن الوحدات العسكرية سبق وأن رفعت بيانات منتسبيها وكشوفاتهم عبر الأرقام الوطنية والبطائق الذكية إلكترونيًا. فهل كان الهدف فعلًا مكافحة الازدواج الوظيفي، أم مجرد خلق طوابير جديدة ومعاناة إضافية للعسكريين؟
في عصر التحول الرقمي وتقنية المعلومات، ما زالت وزارة الدفاع تُدار بعقلية اللجان الورقية والإجراءات التقليدية، بدلًا من بناء نظام إلكتروني دقيق يكشف المزدوجين والوهميين بأقل جهد وأكثر كفاءة. والمؤسف أن الوزارة تزخر بكفاءات إدارية وخبرات قادرة على ضبط العمل وتبسيط الإجراءات، لكن يبدو أن تلك الكفاءات مغيبة لصالح لجان تُستنزف فيها مئات الملايين دون نتائج ملموسة.
أما المشكلة الحقيقية، والتي يتجنب الجميع الاقتراب منها، فهي أسباب تأخر صرف مرتبات القوات المسلحة، والعجز المالي المتفاقم، وما يتردد عن استنزاف باب المرتبات لصالح الموازنات التشغيلية للوزارة والمنطقة الرابعة بمبالغ تصل إلى مليارات الريالات شهريًا.
ولو كانت هناك جدية حقيقية في وعود الوزير، لرأينا دوائر وزارة الدفاع في عدن والمنطقة العسكرية الرابعة تتسلم مكرمة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز أسوةً بوحدات الجيش في مناطق مأرب، لا أن تبقى أسيرة الوعود المؤجلة و”وعد عرقوب”. أو جعل الوضع في عموم وحدات القوات المسلحة موحداً، كما نراه من انضباط في صرف مرتبات المكونات العسكرية الأخرى المنضوية في إطار الشرعية بالريال السعودي، واستلامها لمكرمات بالريال اليمني لشهر رمضان الكريم، وحاليًا لعيد الأضحى المبارك.
أما إذا كان الهدف فعلًا هو كشف المزدوجين والأسماء الوهمية، فالأمر لا يحتاج إلى استعراض لجان ولا إرهاق العسكريين بالطوابير، بل إلى فرق إدارية ومالية متخصصة تدقق البيانات وتراجع السجلات وتربطها بمختلف الجهات الحكومية.
الخلاصة التي يجب أن تصل إلى وزير الدفاع واضحة ومباشرة:
اضبط إدارتك، ضع الرجل المناسب في المكان المناسب، وأعطِ الخبز لخبازه… فالجيوش لا تُدار بالارتجال ولا بالوعود الإعلامية.
عميد ركن/ مدين مقباس