في ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها الساحة الجنوبية، لم يكن الاجتماع الموسع الذي عقدته القيادة المحلية للمجلس الانتقالي الجنوبي العربي بمحافظة شبوة مجرد فعالية تنظيمية عابرة، بل حمل في مضمونه رسائل سياسية واضحة، تعكس طبيعة المرحلة التي يعيشها الجنوب، وحجم التحديات التي تواجه مشروع استعادة الدولة الجنوبية.
اختيار توقيت الاجتماع بالتزامن مع الذكرى الثانية والثلاثين لإعلان فك الارتباط لم يكن مصادفة، بل تأكيداً على أن القضية الجنوبية ما تزال حاضرة بقوة في وجدان الشارع الجنوبي، وأن فكرة استعادة الدولة لم تعد مجرد شعار سياسي، بل مشروعاً تتبناه قطاعات واسعة من أبناء الجنوب، وتعتبره خياراً مرتبطاً بالهوية والسيادة والمستقبل.
ما يلفت الانتباه في هذا الاجتماع هو تركيزه على جانبين متوازيين: الأول سياسي سيادي، والثاني تنظيمي شعبي. فمن جهة، جدد المشاركون تمسكهم بمشروع الدولة الجنوبية كاملة السيادة ورفض أي حلول تنتقص من هذا الهدف، ومن جهة أخرى شددوا على ضرورة تطوير الأداء المؤسسي والتنظيمي وتعزيز الجبهة الداخلية، في إدراك واضح بأن نجاح أي مشروع سياسي يحتاج إلى بنية تنظيمية قوية وقاعدة جماهيرية متماسكة.
البيان الصادر عن الاجتماع عكس أيضاً حالة الاحتقان الشعبي الناتج عن التدهور الاقتصادي والخدمي، وهو ملف بات يشكل التحدي الأكبر أمام مختلف القوى السياسية. فالمواطن اليوم لم يعد منشغلاً فقط بالشعارات السياسية، بل يبحث عن الأمن والخدمات والراتب والاستقرار المعيشي. ولهذا فإن حديث المجلس الانتقالي عن برنامج تصعيدي سلمي للضغط باتجاه تحسين الأوضاع المعيشية يحمل دلالة مهمة، مفادها أن المعركة السياسية لم تعد منفصلة عن هموم الناس اليومية.
وفي المقابل، حمل الاجتماع رسائل مباشرة إلى الأطراف الإقليمية والدولية، خصوصاً فيما يتعلق برفض الوصاية أو محاولات الضغط على القرار الجنوبي، وهو ما ظهر بوضوح في المطالبة بالإفراج عن القيادات المحتجزة في الرياض، والتأكيد على أن قرار انتشار القوات الجنوبية في حضرموت والمهرة قرار سيادي جنوبي.
أما محافظة شبوة تحديداً، فقد بدت في هذا الاجتماع وكأنها تستعيد موقعها السياسي والجماهيري داخل المشهد الجنوبي، خصوصاً بعد سنوات من التجاذبات والصراعات التي شهدتها المحافظة. فالإشادة المتكررة بدور أبناء شبوة وتضحياتهم تعكس إدراكاً لأهمية المحافظة سياسياً وعسكرياً وجغرافياً في أي معادلة جنوبية قادمة.
في النهاية، يمكن القول إن اجتماع شبوة لم يكن مجرد لقاء تنظيمي، بل محطة سياسية هدفت إلى إعادة تعبئة الشارع الجنوبي، وترتيب الأولويات الداخلية، وتوجيه رسائل للخارج بأن مشروع الجنوب ما يزال قائماً ويتمتع بحضور سياسي وشعبي متجدد. وبين تعقيدات الواقع الإقليمي والأزمات المعيشية الخانقة، يبقى السؤال الأهم: هل تستطيع القوى الجنوبية تحويل هذا الزخم السياسي والشعبي إلى مشروع دولة قابل للتحقق على أرض الواقع؟