آخر تحديث :الثلاثاء - 26 مايو 2026 - 11:58 ص

ثقافة - أدب - فن


يا معالي الوزير دماج أسبوع ثقافي في إسبانيا ؟ لأجل من؟ وكم جالية يمنية هناك ؟

الثلاثاء - 26 مايو 2026 - 11:43 ص بتوقيت عدن

يا معالي الوزير دماج أسبوع ثقافي في إسبانيا ؟ لأجل من؟ وكم جالية يمنية هناك ؟

عمر محمد العمودي

لم يكن ينقص المشهد اليمني بملهاة شتاته ومأساة داخله، إلا أن نطالع خبر افتتاح أسبوع الثقافة اليمني في مدريد. هكذا وبخفة تليق برحالة محترف يطير معالي الوزير من عاصمة أوروبية إلى أخرى في مفارقة سوداء تجعل المرء يتساءل: هل عين الرجل وزيرًا لثقافة اليمن أم ملحقًا سياحيًا متجولًا في القارة العجوز؟


لقد استبشر الوسط الثقافي حين فك الارتباط أخيرًا بين وزارة الثقافة وتلك التركة الثقيلة التي جثم عليها الارياني لسنوات طويلة، يوم كانت الثقافة مجرد ملحق ذابل وتائه بين أروقة الإعلام والسياحة. ظن المثقفون ان استقلال الوزارة هو ايذان ببعث المؤسسة من رمادها وجلب عقل يدير الازمة من خندق المواجهة الأول.. ولكن يا للأسى.. الوزير الجديد التقط الخيط من حيث انتهى سلفه، وتفرغ للسياحة الثقافية.


يا معالي الوزير أسبوع ثقافي في إسبانيا؟ لأجل من؟ وكم جالية يمنية هناك تستدعي تبديد المخصصات الشحيحة لهذه البلاد المنكوبة لكي تعرض أمامها رقصة شعبية؟ إن كنت لا تدري وعمى العواصم الأوربية يورث النسيان فأن خلفك في هذه الجغرافيا المتروكة للموت، أكثر من ثلاثين مليون يمني. هؤلاء هم البلاد وهم الملاك الحقيقيون لظلك الغائب وللميزانيات التي تنثر اليوم سخية على مأدبات النخبة الدبلوماسية وسجاد الفنادق الفارهة. والكارثة لا تكمن في الفعل الثقافي كقيمة ولكن في هذا الانفصام البنيوي الأخلاقي في ترتيب الأوليات. في الداخل الذي لم تطأه قدماك من صدور قرار التعيين، تفترس البلاد ثقافة بديلة مدمرة، هناك في الشمال المختطف يعكف الكهنوت ليل نهار على غرس بذوره السامة في عقول أجيال كاملة، يجرف المناهج ويمحو الهوية ويعيد هيكلة الوعي الجمعي على المقاس الذي يريده، في ظل غياب تام وشكلي للوزارة التي يفترض بها ان تقود جبهة المقاومة الفكرية.

وفي بقية الأرجاء يعيش المثقفون والفنانون القدامى عزلة موحشة ويتشبثون بالحياة وسط ركام الموت، دون التفاتة أو مواساة. أما الشباب المبدع فقد انقطعت به السبل وبات يبحث في الفن والكتابة عن مجرد الحق في الحياة فلا يجده، وسط تشظ مرعب وقطيعة معرفية بين الأجيال.


دورك يا معالي الوزير هنا بين الأنقاض، حيث ينبت النص الحقيقي، وتنحت اللوحة المؤلمة، وتصدح الأغنية الجريحة، هنا حيث يحتاج المبدعون إلى جدار يستندون إليه، لا إلى صور تذكارية تلتقطونها في قاعات مدريد الفارهة بينما قاعات الداخل مظلمة ومهجورة ومليئة بالغبار والنسيان.

الثقافة ليست ترفًا يصدر إلى الخارج لتجميل وجه السلطة، الثقافة هي جبهة صمود بالداخل. ومكانك هنا يا معالي الوزير.


ثمة لوثة فصام فادحة في فهم هؤلاء لعالمية الثقافة.. قبل سنوات في غرفة مهترئة ضيقة مثقوب سقفها في قلب التواهي المخنوقة بالرطوبة، كنت أقرأ "خوان خوسيه مياس" وعرقي يتصبب فوق شاشة هاتف مهترئة، وشعرت ذات ليلة مشحونة بالخيال أنني أعرف أزقة برشلونة ومقابر كتبها المنسية عبر "كارلوس زافون" أكثر مما أعرف تفاصيل يومي. لقد وصلت إلينا أسبانيا، وهكذا هي الثقافة في جوهرها، قدرة مذهلة على طي الجغرافيا وجسر يعبر القارات ليمنح جائعًا في زاوية منسية من العالم حق الشراكة في الوجدان الإنساني.


لكن.. وآه من هذه لكن، ليس بهذا المسخ الهزلي يا معالي الوزير. لقد أسأت فهم محلية الثقافة وعالميتها كمن يقرأ نصًا مقلوبًا، الجسر الثقافي يبنى ليعبر الآخرون إلينا، ليروا جراحنا، تفردنا، صمودنا، وأصالة هويتنا.. لا لتهرب أنت عبره لتلقط صورًا سياحية في مدريد.


إن كونية الثقافة تتحقق حين تحيل التواهي وكريتر والشيخ عثمان وصنعاء القديمة وسقطرى إلى مجازات إنسانية كبرى يقرأها العالم في ترجمات الغد، لا بأن تتحول وزارة الثقافة إلى حقيبة دبلوماسية فارغة تجوب عواصم أوروبا.. هذا ليس تثاقفًا مع إسبانيا، هذا هروب من النص إلى الكواليس المترفة وتنصّل من المأساة الحقيقية التي كان يجب أن تكون أنت صوتها، لا الهارب منها..

الثقافة يا معالي الوزير جذور في الأرض، وليست أجنحة في الطائرة.