آخر تحديث :الأربعاء - 24 يونيو 2026 - 09:16 م

اخبار وتقارير


بكاء الشيخ ونار القبيلة... قراءة في مشهد الريان الفاصل

الأربعاء - 24 يونيو 2026 - 08:31 م بتوقيت عدن

بكاء الشيخ ونار القبيلة... قراءة في مشهد الريان الفاصل

عدن تايم / صالح حقروص

في لحظة نادرة، هزّ مشهدٌ وجدان اليمن كلّه؛ مشهدٌ لم يألفه الناس في رجل قبليّ أصيل، لم يعتد أن يريَ دمعَه أحدٌ. حين وطئت قدمُ الشيخ حمد بن راشد بن فدغم الحزمي ترابَ الريان في محافظة مأرب، وحين كسر جفنه أمام مرأى من ربعه وقبيلته، لم يكن ذلك وهنًا ولا انكسارًا، بل كان أعلى أصوات الاستغاثة، وأبلغ رسائل النخوة التي يمكن أن يبعثها رجلٌ حرٌّ واجه الظلم بجسده، فلم يعد يملك إلا صوتَه ودمعَه ليُحرّك الجبال.


إنه درسٌ في الكرامة، يُكتب اليوم بحروف من نار، قبل أن يُكتب بحروف من نور في سجلات التاريخ.


بين قهر البدروم واستغاثة الريان


دعونا نضع الصورة بوضوح: رجلٌ شيخ، له مكانته وجاهه، يُتم اعتقاله في وضح النهار، ويُلقى في بدروم موحش، بعيدًا عن أعين الناس، خارج إطار القانون، تحت رحمة مليشيا لا تعرف للقيم الإنسانية ولا للأعراف القبلية وزنًا. يُضغط عليه، ويُعذب، ويُجبر على النطق بما لا يعتقده، وكل ذلك بسبب وقوفه مع ميرا بنت صدام حسين المجيد، التي لجأت إليه طلبًا للعدل والإنصاف. أيُّ ظلمٍ هذا الذي تجاوز حدود الجسد ليُحاصر الروح؟ وأيُّ انحطاطٍ أخلاقيٍّ هذا الذي يدفع عصابةً مسلحةً إلى إذلال شيخ قبيلة لأنه تمسك بمروءته؟


ثم يأتي الخروج من ذلك الجحيم، لتكون المحطة الأولى في مناطق الشرعية، وحين وصل إلى ربعه في دهم، كسر جفنه أمام قبائل اليمن في مشهد حمل رسائل عميقة تجاوزت كونه حدثًا عابرًا، ليؤكد أن مرحلة الصمت قد انتهت، وأن المواقف أصبحت مطلوبة أكثر من أي وقت مضى، فهو لم يطلب الشهره ولا المنصب، ولم يطلب حماية شخصية. طلبَ ما هو أعلى: طلب النخوة. بكاؤه ليس بكاءَ ضعفٍ، بل هو صرخةُ رجلٍ رأى أن إنسانيته قد انتهكت، وأن كرامته قد استُبيحت، وهو يدرك أن الحل الوحيد المتبقي هو أن تتحرك القبائل كما تتحرك الجيوش حين يُستنفر لها.


"الرجال لا تكسر جفونها إلا إذا ضاقت بها الدنيا."


هذه ليست مجرد مقولة، بل هي حقيقة قبلية راسخة. ففي ثقافتنا، كسرُ الجفن ليس فعلاً عابراً، بل هو نداءٌ للعامة، وخطابٌ مفتوح لكل ذي نخوة، يفهمه الجميع على أنه اللحظة التي يُعلن فيها الرجل أنه لم يعد قادرًا على حمل ثقل الظلم وحده، وأن الوقوف معه الآن لم يعد خيارًا بل واجبًا مقدسًا.


الرجل الذي لم يساوم


والشيخ حمد لم يساوم. وهنا يكمن جوهر الفرق بينه وبين كثير من المشائخ الذين سلكوا طريق المسايرة والانبطاح، ظنًا منهم أن الصمت يحمي المكانة، وأن التخاذل يحفظ المنصب. لقد ترك المزارع والأموال والبيوت، آثرًا لحريته وكرامته، وخرج من مناطق المليشيا بكل أفراد أسرته، مختارًا الغربة والعسر على الخنوع والذل.


هذا هو معدن الرجال الأوفياء. من يضع الضمير فوق المصالح، ومن يرى أن المروءة أغلى من كل ثروات الدنيا. إنه يقف اليوم في الريان، ليس ضيفًا عابرًا، بل رمزًا لمقاومة مبدئية تقول للعالم أجمع: "لا يمكن شراء الرجال، ولا يمكن إذلال الأحرار."


وليس غريبًا أن تحتضنه القبائل في كل شبر من أرض اليمن، لأن في احتضانه إعلانًا بأن القبيلة اليمنية الأصيلة لا تزال تحمل في عمقها تلك الجينات الشهمة التي تأبى الظلم، وتستنكر الجور، وتقف إلى جانب المظلوم ولو كان غريبًا.


ميرا صدام حسين.. القضية التي كشفت المستور


ليست "ميرا" مجرد امرأة بحثت عن إنصاف، بل هي رمزٌ للعدالة التي تغيب في مناطق سيطرة الحوثي. ذهبت إلى الشيخ حمد لأنها تعرف أن بعض الرجال ما زالوا يحملون راية الحق، فعندما تخون الدولة وتغيب مؤسساتها، تبقى القبيلة هي الملاذ الأخير للمظلوم. لكن المليشيا رأت في هذا الموقف تحدّيًا لسلطتها المطلقة، فكان القمع الوحشي، وكأنهم يريدون إرسال رسالة إلى كل قبيلة وكل شيخ: "لا مجال للعدالة هنا، ولا مكان للكرامة، فإما الطاعة العمياء، وإما السجن والتعذيب."


لكن الحوثيين أخطأوا في حساباتهم. فالتاريخ يثبت أن البطش لا يكسر الإرادة، بل يصقلها، وأن الظلم وإن طال فهو إلى زوال. خروج الشيخ حمد، وكسرُه لجفنه، ليس نهاية القصة، بل هو بداية فصل جديد في مواجهة العبث المليشياوي، حيث تتحد القبائل على كلمة سواء: لا للظلم، ولا للإذلال، ولا للمساومة على الكرامة.


دعوة مفتوحة للنفير


هذه اللحظة لا تحتمل التردد. إنها اختبار حقيقي لمدى التماسك القبلي والوطني. من يقف اليوم مع الشيخ حمد بن فدغم، لا يقف مع رجل فقط، بل يقف مع مبدأ الكرامة الذي هو أساس وجودنا كمجتمع قبلي وعربي وأصيل. من يخذل اليوم، لن يُغفر له الغد، ولن يجد لنفسه مكانًا في سجل الشرفاء. ومن يقف، سيُكتب اسمه بأحرف من نور في صفحات المجد.


يا قبائل اليمن والعرب... يا أهل النخوة والمواقف... هذا وقتكم.


إن بكاء الشيخ حمد ليس بكاءً فرديًا، بل هو بكاء كل مظلوم في سجون المليشيا، وهو صرخة كل شيخ جُرّد من هيبته، وكل امرأة انتهك عرضها، وكل حرٍّ سُلب حريته. إنه فزعة القبيلي بمعناها الأسمى، حين تلتقي الدماء على كلمة سواء، وتعلو فوق كل الحسابات الضيقة.


الخلاصة: الكرامة تنتصر مهما طال الظلام


في النهاية، نرفع القبعة إجلالًا واحترامًا لهذا الشيخ الجسور، الذي علّمنا أن الرجال لا يُعرفون بما يملكون، بل بما يضحون به من أجل ما يؤمنون به. إن رحيله عن بيته وممتلكاته، وصموده في وجه الإرهاب، وبكاؤه الذي هزّ الجبال، كلها تشكل لوحةً بطوليةً نادرة في زمن قلّ فيه الأوفياء.


والله لا أرجع إلا بقتال عظيم، قالها الشيخ، ونحن نؤمن أنه سيكون له ما أراد، لأن من يقاتل من أجل الكرامة لا يخيب، ومن يخلفه رجالٌ مخلصون لا يُهزم.


سلام الله عليك يا شيخ حمد، فأنت اليوم رمزٌ للرجولة التي لا تُقهر، وشاهدٌ على أن اليمن لا تزال تنجب رجالاً أمجادًا.