ليست كل الهواتف سواء.
فهناك هواتف ترن طويلًا دون أن يجيبها أحد، وأخرى تمر عبر عشرات الوسطاء قبل أن تصل إلى صاحب القرار، وثالثة تتحول إلى أرقام صامتة كلما احتاج الناس إليها.
لكن هناك رجالًا يجعلون من الهاتف جسرًا بينهم وبين الناس، لا حاجزًا يفصلهم عنهم.
صباح اليوم، وقفت أمام حديقة نقابة الصحفيين والإعلاميين الجنوبيين أتأمل أشجارها الذابلة وساحتها التي فقدت شيئًا من بهجتها، حتى بدت أقرب إلى أرض عطشى تنتظر من يمد إليها يد العون.
لم أفكر كثيرًا بمن أتصل، لأن بعض الرجال تسبقهم مواقفهم قبل أسمائهم. رفعت الهاتف واتصلت بالمهندس الحاج قائد راشد أنعم، الرجل الذي اعتاد أن يكون قريبًا من هموم الناس بقدر قربه من مسؤولياته.
شرحت له حال الحديقة، وما أصابها من جفاف وإهمال، فلم يستغرق الأمر أكثر من دقائق حتى سمعته يوجه المختصين قائلاً:
"حديقة النقابة تُعامل كما تُعامل حديقة فيكتوريا."
في تلك اللحظة لم تكن القضية مجرد أشجار تحتاج إلى ماء، بل كانت رسالة واضحة بأن المسؤولية تبدأ من الاهتمام بالتفاصيل الصغيرة التي تعكس احترام المكان وأهله.
ثم سأل بكل بساطة: "هل هناك أي خدمات أخرى؟"
سؤال قد يبدو عاديًا، لكنه في زمننا هذا أصبح استثنائيًا، لأنه يصدر عن مسؤول ما زال يرى في منصبه وسيلة لخدمة الناس لا وسيلة للابتعاد عنهم.
لهذا يبقى بعض الرجال مختلفين.
لا لأنهم يتحدثون كثيرًا، بل لأنهم يفعلون حين يتحدث الآخرون.
ولا لأنهم يملكون المناصب، بل لأنهم يعرفون كيف يوظفونها في خدمة الناس.
وهكذا كان المهندس الحاج قائد راشد أنعم؛ قائدًا لا يحتاج الناس للوصول إليه أكثر من رنّة هاتف، ولا يحتاج هو إلى أكثر من لحظة ليحول الاستجابة إلى فعل.
وفي زمن أصبحت فيه المسافات بين المواطن والمسؤول أطول من الطرق نفسها، يبقى وجود أمثال هؤلاء مصدر طمأنينة، ودليلًا على أن الخدمة العامة ما زالت تجد من يحملها بإخلاص ومسؤولية.
فبعض المسؤولين تُعرّفهم مناصبهم، أما البعض الآخر فتُعرّفهم مواقفهم. وعندما يكون المسؤول على بُعد رنّة هاتف، فإن المسافة بين المواطن والخدمة تصبح أقصر بكثير مما نتصور.