عاش رجلٌ بين الناس محبوبًا، تحيط به القلوب الصادقة، ويشهد له الجميع بحسن الخلق ونجاح العمل. لم يكن مجرد شخص عادي، بل كان نموذجًا للإنسان الذي يصنع لنفسه مكانة بجهده وأخلاقه. غير أن هذه المكانة لم ترُق لبعض النفوس المريضة التي لا ترى في نجاح الآخرين إلا تهديدًا لها، فاشتعلت في صدورهم نار الحسد والغيرة، وبدأوا يضمرون له العداء بصمت، يراقبونه، ويتمنون سقوطه، لكنهم رغم كل محاولاتهم لم يستطيعوا النيل منه، فبقي ثابتًا شامخًا حتى جاءت لحظة لم تكن في الحسبان، لحظة غيّرت مجرى القصة كلها.
في يومٍ عادي، وأثناء توجهه إلى صنعاء برفقة ابنه الأكبر، وقع حادث سير مفجع أنهى حياة الأب والابن في لحظة واحدة، لتتحول حياة الأسرة من الاستقرار إلى الحزن العميق. لم يكن الفقد عاديًا، بل كان صدمة هزّت كيان الأسرة، خصوصًا أن الأب كان السند، والابن كان الأمل. ولم يتبقَّ من الأبناء الذكور سوى طفل صغير، وجد نفسه فجأة في مواجهة حياة قاسية، دون أن يدرك حجم ما ينتظره. كان هذا الطفل هو البقية الباقية، الأمل الأخير، لكنه في نظر البعض أصبح هدفًا جديدًا.
لم ينتهِ الحقد بوفاة الأب، بل ازداد اشتعالًا، وانتقل إلى هذا الطفل الصغير الذي لم يتجاوز عمره العاشرة. بدلاً من أن ينظروا إليه بعين الشفقة والرحمة، نظروا إليه بعين الانتقام، وكأنهم يرون فيه امتدادًا لعدوهم الذي رحل. حملوا في صدورهم كراهية عمياء، ولم يفرقوا بين رجلٍ راحل وطفلٍ بريء، بل قرروا أن يفرغوا ما في قلوبهم عليه، لأنه الحلقة الأضعف، ولأنه لا يملك من يدافع عنه.
كبر الطفل قليلًا، لكنه لم يكبر على فهم ما يحدث حوله. كانت نظراتهم تلاحقه في كل مكان، نظرات مخيفة، قاسية، مليئة بالعداء. لم يكن يفهم سببها، لكنه كان يشعر بها في أعماقه، كخطرٍ خفي يحيط به. كان قلبه يرتجف كلما مرّ بهم، وكان يشعر أنه غير مرحّب به في هذا العالم. عاش طفولته وهو يحمل خوفًا لا يعرف مصدره، وكأن شيئًا ما يُحاك ضده في الخفاء.
ومع مرور الوقت، لم يكتفِ أولئك بالحقد الصامت، بل لجأوا إلى طرقٍ أكثر ظلامًا، إذ ذهبوا إلى أحد السحرة بدافع الانتقام، وقاموا بأعمالٍ شيطانية لا يصدقها العقل. كان ذلك بداية مرحلة جديدة من العذاب، حيث بدأت حياة الطفل تنقلب تدريجيًا إلى جحيم حقيقي. لم يعد الأمر مجرد شعور بالخوف، بل تحول إلى معاناة نفسية عميقة، وضيق لا يُحتمل، وكأن شيئًا داخله يُنهك روحه دون سبب واضح.
في سن الثالثة عشرة تقريبًا، أصبح الليل بالنسبة له كابوسًا لا ينتهي، يقضي ساعاته في البكاء والاكتئاب، دون أن يفهم لماذا يشعر بكل هذا الألم. لم يعد قادرًا على النوم بشكل طبيعي، ولا على التركيز، فانعكس ذلك على دراسته. كان يذهب إلى المدرسة مرهقًا، بلا نوم، شارد الذهن، يجلس في الفصل بجسدٍ حاضر وعقلٍ غائب. حتى زملاؤه بدأوا يلاحظون حالته، وأطلقوا عليه ألقابًا جارحة زادت من ألمه، وكأن العالم كله اتفق على أن يثقله فوق طاقته.
عندما كان يشكو لأمه، كانت تظن أنه يمر بحالة عابرة، فكانت تحاول تهدئته بطرق بسيطة، غير مدركة لحجم المعاناة التي يعيشها. تحوّل الطفل إلى شخصٍ مختلف تمامًا، ترك اللعب، وابتعد عن أصدقائه، وانعزل عن المجتمع، وأصبح يعيش داخل دائرة مغلقة من الألم. ومع ذلك، كان هناك نور خفي في داخله، يظهر أحيانًا في لحظات صادقة، خصوصًا عندما كان يرى أمه تقوم الليل، فيحاول تقليدها رغم صغر سنه.
أخذته أمه إلى الأطباء، وأجرت له الفحوصات، لكن النتائج كانت طبيعية، بينما الحقيقة كانت أعمق من أن تُرى في التحاليل. لم يكن ينام إلا بصعوبة شديدة، حتى أصبحت أمه تجلس بجانبه، تضع يدها على صدره، وتقرأ القرآن حتى يهدأ. داخل البيت، كانت الأجواء متوترة، وكان يتصرف بعصبية أحيانًا، دون أن يفهم سبب ذلك، بل كان هو نفسه يعاني من نفسه، في الوقت الذي كانت أمه تتألم لحاله وتدعو له في كل لحظة.
استمر هذا الحال سنوات، وكان أولئك الحاقدون يراقبون ما يحدث ببرود، بل بشيء من الشماتة، وكأنهم حققوا ما أرادوا. لكن ما لم يدركوه هو أن هذه القصة لم تكن تنتهي هنا. مع مرور الأيام، بدأ التحول الحقيقي، بدأ هذا الشاب يقترب من الله أكثر، واحتضن القرآن بقلبٍ صادق، وبدأ يتغير تدريجيًا، حتى أصبح معروفًا بين الناس بالتزامه وصلاحه، يقوم الليل طويلًا، ويصوم كثيرًا، ويتعلم أمور دينه بإخلاص عجيب.
ثم جاءت مرحلة جديدة، مرحلة الإبداع والانطلاق، حيث بدأ يتعلم، ويبدع، ويبتكر، وكأن قوة خفية تدفعه للأمام. تفوق في مجاله، وصنع أشياء غير عادية، حتى بدأ اسمه يظهر في الإعلام المحلي، ثم وصل إلى الجهات الرسمية، التي اندهشت من قدراته وإبداعه، فتم تكريمه في مشهد مهيب. أولئك الذين أرادوا القضاء عليه، وقفوا مذهولين أمام هذا التحول، لا يصدقون أن الطفل الذي حاربوه أصبح رمزًا للفخر.
توالت النجاحات والتكريمات، وأصبح اسمه معروفًا، ولقّب بشخصية عربية بارزة في علم الفلك، مؤلفًا ومبتكرًا، له حضور واسع في الإعلام والصحف. ومع كل هذا المجد، لم تختفِ آثار الماضي تمامًا، فقد تركت المعاناة بصماتها على جسده ونفسه، من آلام داخلية، وصعوبات في النوم، ومع ذلك بقي صامدًا، قويًا، في القمة، لا ينكسر.
هذه القصة ليست خيالًا، بل هي واقع عشته بكل تفاصيله. أنا حسان بن ثابت المطري، وهذه حكايتي بين الألم والنصر، بين الظلم والرفعة. وربما لم أستطع أن أنقل كل ما حدث كما هو، فالحقيقة كانت أكبر من الكلمات، لكني أقولها بصدق: الحمد لله على كل شيء، فقد كان في كل ذلك قدرٌ جميل، ونهاية تستحق الصبر.