حين تطبق الحقيقة المرة على صدر المشهد الجغرافي المثخن بالجراح، شمالًا وجنوبًا، وتتكشف الأقنعة عن وجوه السياسات التي تتقاذفه كما تتقاذف الرياح العاتية سفينة مزقتها العواصف في لجة البحر المتلاطم، يظل السؤال المعلق في مصائر أبناء اليمن والجنوب وقضاياهما السياسية العادلة والمنتظرة، يبحث عن إجابة لا تلبس ثوب المواربة ولا تتزيا بزي التقية السياسية التي أضحت سمة لازمة لكل الخطابات الصادرة من خلف الحدود، تلك الخطابات التي ترعد وتبرق وتتوعد وتهدد، ولكنها حين تلامس أرض الواقع المترع بالدماء والدموع تتحول إلى سراب يلمع في عيون الظمأى ثم ما يلبث أن يتلاشى كأن لم يكن شيئًا مذكورًا.
وفي هذا السياق المشبع بالتناقضات والمثخن بالخذلان، أطل علينا من رحاب العاصمة السعودية الرياض بيان ما يسمى بمجلس الحرب الصادر عن شرعية اتخذت من المنفى مكانًا معصومًا لفسادها وانطباحها، ذلك الكيان الذي طالما اختبأ خلف ستور الصمت والترقب، ليعلن فجأة ساعة الخلاص من مليشيات الحوثي، في توقيت يبدو للعيان أنه جاء ردًا على التهديدات الحوثية المتصاعدة بضرب المصالح الإقليمية وتهديد طريق التجارة الدولية في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، تحت ذرائع وحجج تسوغ بها المليشيات إمعانها في إغلاق المنافذ والحصار المطبق على المحافظات الواقعة تحت سيطرتها، وكأنما أرادت بتلك التهديدات أن تختبر صبر المجتمع الدولي ووعود الإقليم وتقيس عمق الهوة بين الأقوال والأفعال في قاموس الالتزامات المثقلة بالمواقف المتناقضة والوعود المؤجلة.
وحين رفعت مليشيات الحوثي من سقف لهجتها التصعيدية مهددة من تسميهم في قاموسها السياسي المتشنح بفرض حصار على المنافذ وطرق التجارة العالمية بهدف رفع الحصار عن شعبها في المحافظات الواقعة تحت سيطرتها، خرج علينا بيان مجلس الحرب من الرياض الذي يدعي شرعية التمثيل الدستوري بصوت يحاكي أصوات الرعود في سماء يملؤها الصمت المريب، متشحًا بأوهام السيادة الوطنية التي طالما تاهت معالمها بين دهاليز الفنادق الفاخرة وقاعات المؤتمرات المكيفة، ومزمجرًا بلغة بداية ساعة الصفر في المواجهة العسكرية الشاملة ضد المليشيات الحوثية، بعد أن استنفدت الشرعية، كما زعم البيان، كل خيارات التنازل والتسوية، وكأنما أراد القائمون على صياغة هذا البيان أن يرسموا صورة البطل الذي يشهر سيفه في اللحظة الأخيرة بعد طول صبر وإمهال، بيان جاء في ظاهره القوة اللفظية وفي باطنه الاستسلام الفعلي.
ولكن المتمعن في ثنايا هذا البيان ومضامينه الخفية يقف حائرًا أمام اقتران إعلان الحرب بإعلان آخر بدا غريبًا في موضعه وسياقه، ألا وهو إعلان استئناف تصدير النفط، وكأنما أراد صانعو البيان أن يمزج طعم الحرب المر بنكهة النفط المسكرة في طبق واحد لا يعرف أين ينتهي فيه طعم الدم وأين تبدأ شهية المال، فما العلاقة بين إعلان المواجهة العسكرية وبين الإعلان عن تصدير النفط في بيان واحد يجمع بين نقيضين لا يكادان يلتقيان إلا في قاموس السياسة التي تجيد لعبة التقاطع بين المصالح المتنافرة والأهداف المتضاربة؟
إن هذا الاقتران العجيب بين الحرب والنفط في بيان واحد يفتح الباب على مصراعيه أمام تأويلين لا ثالث لهما في تقدير المراقب الحصيف، أما التأويل الأول فيذهب إلى أن إعلان تصدير النفط ما هو إلا رسالة مبطنة إلى المليشيات الحوثية مفادها أن اهدؤوا ولا داعي لمزيد من التصعيد، فالرواتب التي تتذرعون بها لتسويغ حصاركم على المحافظات الخاضعة لسيطرتكم سوف نوفرها لكم من خلال إعادة تصدير النفط وتحقيق بنود التسوية السياسية، والانتقال بالعملية التفاوضية من مرحلة تبادل الأسرى والمعتقلين إلى مرحلة بناء الثقة وتعزيزها، وكأنما أرادت الحكومة أن تقول للحوثي بصوت خافت يعلو فوق ضجيج التهديد والوعيد: خذ حصتك من كعكة النفط وكف عنا وعن المنطقة شر مغامراتك العسكرية التي لا تبقي ولا تذر، وهذا هو - فعلًا- بيت القصيد الذي يعد تحايلًا على قضية شعب الجنوب الذي دفع الثمن باهضًا وقدم التضحيات الجسام في تحرير أرضه ومحافظاته وأصبحت بوصاية سعودية ظالمة مأوى للهاربين وشرعية للمحتلين على حساب دمائه وتضحياته وقضية شعبه.
وأما التأويل الثاني فيذهب في اتجاه مغاير تمامًا، إذ يرى في هذا الإعلان المزدوج محاولة يائسة لتحويل مسار المعركة التي يسعى الحوثي من خلالها إلى جر الإقليم إلى مستنقع الحرب الإقليمية الشاملة، في إطار الصراع المحتدم بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية على إغلاق مضيق باب المندب التي تسعى إيران جاهدة إلى نقلها للتخفيف عن مضيق هرمز بهدف التحكم في طرق التجارة العالمية في البحر الأحمر، فيكون إعلان تصدير النفط أشبه بطعم يلقى به في الماء العكر لاستدراج الحوثي إلى توجيه ضرباته نحو منشآت النفط الجنوبي في حضرموت وشبوة وميناء عدن، وبذلك تتحول المعركة من إطارها الإقليمي الذي يهدد بجر المنطقة بأسرها إلى حرب طاحنة، إلى إطار محلي أهلي تغرق فيه المليشيات في مستنقع الصراع الداخلي مع الجنوب بعيدًا عن المسرح الإقليمي المشتعل والمهيأ للانفجار في أية لحظة. وتلك حيلة ادمنت عليها قوى الشمال أن تجعل الجنوب أسيرًا لهيمنتهم ومسرح صراع لأطماعهم حتى لا يخرج الجنوب وقضيته ومشروعه التحرري منتصرًا.
وبين هذين التأويلين اللذين يتراوحان بين الرغبة في استرضاء المليشيات وشراء السلم الاجتماعي بثمن النفط المتدفق، وبين محاولة تغيير بوصلة الصراع وتحويل وجهته من الإطار الإقليمي المحفوف بالمخاطر إلى الإطار المحلي المثقل بالتعقيدات، تظل الحقيقة الوحيدة الثابتة أن حاجة الحكومة المنفى الماسة إلى عائدات النفط لتمويل خزينتها المثقلة بالعجز والديون كانت لتتحقق في كلتا الحالتين دون حاجة إلى هذا الإعلان المدوي، فالنفط كان وسيظل يباع ويصدر بصمت ودون ضجيج إعلامي يلفت الأنظار ويثير التساؤلات، ولذلك فإن ربط تصديره بإعلان الحرب في بيان واحد لا يمكن أن يكون مجرد صدفة عابرة في مسار الأحداث، بل هو رسالة مشفرة تحمل في طياتها ما هو أخطر وأبعد من مجرد إعلان النوايا والمواقف، وتبقى عيون الشعب في اليمن والجنوب المتعبة معلقة بفارغ الصبر على ما ستسفر عنه الأيام المقبلة من حقائق قد تكشف المستور من النوايا وتميط اللثام عن الوجه الحقيقي لهذه الحرب المعلنة من خارج حدود الأرض والتي لم تزد الشعب في اليمن والجنوب إلا بؤسا فوق بؤسه وهوانًا على هوانه، حرب صارت في صيغ وبيانات مفضوحة وأساليب ومراوغات سمجة على حساب قضايا الشعبين الشقيقين العادلة وتطلعات مشروعة تليق بتضحياتهما لصالح واعتبارات إقليمية عابرة للحدود.