قد نكون خسرنا جولة مطلع هذا العام، لكننا لم ولن نخسر المعركة التي مسرحها ارضنا .
فالتاريخ يعلمنا أن الحروب لا تُحسم بجولة واحدة، ولا تُقاس بمكاسب فرضتها لحظة سياسية أو عسكرية عابرة. وما جرى في الجنوب العربي خلال الأشهر الماضية لم يكن خلافًا داخليًا عابرًا، بل حلقة في حرب هجينة تستهدف إعادة تشكيل المشهد الجنوبي عبر تفكيك قواه السياسية والعسكرية، واستنزاف موارده، وجرّه إلى صراعات داخلية تخدم مشاريع إقليمية لا تراه إلا ورقة تفاوض.
تعتمد هذه الحرب على أدوات تتجاوز المواجهة العسكرية التقليدية والضغوط الاقتصادية والحصار المالي، الترغيب بالمناصب والامتيازات، الترهيب السياسي والعسكري، واستثمار الانقسامات الداخلية. الغاية ليست الشراكة، بل إضعاف الجنوب قبل أي تسوية قادمة، ليصبح طرفًا يسهل توظيفه في ترتيبات إقليمية أوسع.
من هذا المنظور يمكن فهم جانب من المقاربة السعودية للملف الجنوبي. فمن وجهة نظر السواد الأعظم من الجنوبيين، لم يُعامل الجنوب شريكًا سياسيًا له قضية، بل ورقة تُوظَّف في إدارة العلاقة مع الحوثيين وايران أو إعادة ترتيب أولويات الصراع. وهذا ما يفسر التناقض بين خطاب الحوار والاستقرار، وبين سياسات يرى منتقدوها أنها أضعفت القوى الجنوبية وفتحت الباب أمام إعادة هندسة المشهد الداخلي.
ولم يكن الاقتصاد بعيدًا عن هذه المعركة. فتدهور الأوضاع المعيشية وتعطيل الموارد حوّلا الأزمة الاقتصادية إلى أداة ضغط سياسي، ودفعت آلاف الشباب إلى البحث عن أي مصدر دخل، بما في ذلك الالتحاق بمعسكرات أنشئت في إطار الترتيبات الإقليمية، فأعيد تشكيل جزء من التوازنات على الأرض بكلفة بشرية باهظة.
ومع ذلك، فإن الرهان الحقيقي ليس على لحظة الانقسام، بل على وعي المجتمع. فما يُبنى على الضغوط والإغراءات لا يدوم، والقضايا الوطنية قادرة على استعادة أصحابها كلما انكشفت الحقائق. وكثير ممن انخرطوا في مسارات فرضتها ظروف المرحلة قد يعيدون النظر حين تتضح نتائجها.
لهذا، فإن ما خسره الجنوب اليوم يمكن أن يستعيده غدًا بمكاسب مضاعفة ، إذا أدرك أبناؤه أن أخطر ما يواجههم ليس قوة خصومهم، بل نجاح تلك المشاريع في دفعهم إلى الاحتراب فيما بينهم. الجنوب لا يخسر حين تتغير موازين القوى، بل حين يفقد وحدته السياسية والاجتماعية. أما إذا حافظ على تماسكه، فإنه يبقى رقمًا صعبًا في أي معادلة مقبلة.
قد تنتهي الجولات، لكن المعارك الكبرى تُحسم بوعي الشعوب لا بتقلبات اللحظة. والجنوب لن يكون ورقة مقايضة ما دام أبناؤه يدركون أن وحدتهم هي الضمانة الوحيدة لبقاء قضيتهم حية.
*سياسي وإعلامي جنوبي