آخر تحديث :الأحد - 20 سبتمبر 2026 - 09:40 م

كتابات واقلام


غياب المشروع السياسي وحضور المقاتل

الأحد - 20 سبتمبر 2026 - الساعة 09:22 م

د.عبدالله عبدالصمد
بقلم: د.عبدالله عبدالصمد - ارشيف الكاتب


المشكلة الجنوبية اليوم ليست في غياب الرجال في ميادين القتال، ولا في نقص الشجاعة أو التضحية. على العكس تماماً؛ هناك مقاتلون جنوبيون يقاتلون الحوثيين بكل قوة وشجاعة، ويتقدمون إلى خطوط النار، ويسقط منهم الشهداء والجرحى، ويدفعون ثمناً باهظاً دفاعاً عن أرض الجنوب وأمنه ومستقبله.

لكن السؤال الذي يجب أن يواجهه الجميع بوضوح: أين المشروع السياسي الجنوبي الذي يوازي هذه التضحيات؟

لا يجوز أن يكون لدينا حضور عسكري جنوبي قوي في الميدان، بينما يغيب الصوت السياسي الجنوبي عن صناعة القرار، أو يكتفي بمراقبة الأحداث وانتظار ما ستسفر عنه تحركات الآخرين.

المقاتل الذي يذهب إلى الجبهة وهو مستعد للموت من أجل أرضه، يستحق قيادة سياسية تعرف ماذا تريد، وإلى أين تتجه، وما الذي ستفعله في اليوم التالي للحرب.

الدماء التي تسيل في الميدان ليست تفويضاً مفتوحاً للآخرين كي يقرروا مستقبل الجنوب. والتضحيات الجنوبية لا ينبغي أن تتحول إلى أوراق مجانية في مشاريع الآخرين، ثم يأتي السياسيون بعد انتهاء المعركة ليبحثوا عن مقعد في طاولة صنعت نتائجها من دونهم.

الميدان وحده لا يصنع مشروعاً سياسياً، والسلاح وحده لا يحدد شكل الدولة القادمة.

إذا كان الجنوب يمتلك قوة عسكرية تقاتل على الأرض، فعليه أن يمتلك في المقابل رؤية سياسية واضحة، وقراراً مستقلاً، وخطاباً موحداً، وأهدافاً محددة يعرفها الداخل والخارج. وإلا فإن الآخرين سيملأون الفراغ، وعندما تمتلئ الساحة السياسية بقرارات الآخرين، لن تنفع كثرة التضحيات في استعادة ما ضاع سياسياً.

المرحلة الحالية لا تحتمل سياسة الانتظار، ولا عقلية «دع الآخرين يقاتلون ثم نعود إلى المشهد». من يعتقد أن بوسعه البقاء بعيداً عن الأحداث حتى تتضح الصورة ثم يعود ليحجز مكانه، قد يكتشف أن الصورة قد اكتملت من دونه.

المطلوب ليس مزيداً من البيانات التي تشرح ما حدث بعد حدوثه، ولا بيانات تأييد للمقاتلين من بعيد. المطلوب مشروع سياسي جنوبي حاضر مع المقاتل في الميدان، يحدد الهدف، ويحمي التضحيات، ويتحدث باسم المستقبل لا باسم الماضي.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن ينتصر المقاتل في الجبهة، ثم يخسر السياسي على طاولة المفاوضات.

ولهذا يجب أن تكون الرسالة واضحة: لا قيمة لتضحيات عسكرية هائلة إذا لم تتحول إلى موقف سياسي واضح، ولا مستقبل لأي مشروع سياسي إذا ظل غائباً بينما أبناؤه يدفعون ثمن المعركة في الميدان.

الجنوب يحتاج اليوم إلى أن تتقدم السياسة بمستوى شجاعة المقاتلين، وأن يكون هناك مشروع واضح يجمع أبناءه، ويحفظ دماء شهدائه، ويمنع تحويل تضحياتهم إلى مكاسب للآخرين.

فالمقاتل الجنوبي لا يحتاج إلى من يصفق لشجاعته فقط؛ يحتاج إلى مشروع سياسي يحمي ثمرة شجاعته.