لم أستغرب ما ورد على لسان وزير دفاع الجمهورية اليمنية طاهر العقيلي في تغريدته على منصة (X) والتي قال فيها إن قادة الوحدات العسكرية التابعة لوزارته، رفضوا أوامره القاضية بتقديم كشوفات باسماء منتسبي وحداتهم ليتم تحويل مرتباتهم الشهرية لكل مستحق باسمه حسب البطاقة الذكية (كما يسمونها)، بدلًا من النظام السبق القائم على تسليم المخصصات الماليه لقادة تلك الوحدات ليصرفوها بطريقتهم الخاصة.
أقول لم أستغرب ما ورد في هذه التغريدة، فالنظام المالي المتبع في الجمهورية العربية اليمنية (السابقة) ثم في الجمهورية اليمنية يسير على هذا النحو، حيث كل قائد عسكري يقوم بما يشبه عمل المقاول، فيستلم المخصصات الماليه لوحدته، ثم يقوم بتوزيع ما يشاء منها على منتسبي وحداته وقد خلق هذا بيئةً صالحةً لانتشار الفساد واستفحاله كمتلازمة أبدية في المؤسسة العسكرية اليمنية، كما في بقية الأجهزة المدنية والأمنية والخدمية ومصادر هذا الفساد عديدة لكن أهمها:
1. وجود آلاف الأسماء الوهمية، تصرف مستحقاتها كاملة للقائد العسكري الذي يعتبرها جزءًا من مستحقاته التي لا يمكن التنازل عنها، وكلنا يتذكر ما قاله وزير الدفاع السابق، المقدشي بوجود 30% فقط من قوام الجيش في معسكراتهم؛
2. هناك الآلاف من الأسماء الموجودة في القوائم كقوة فعلية، لكن أصحابها لا يداومون ولا يحضرون معسكراتهم، بل إنهم يتوزعون بين مغتربين أو ملاك لمزارع العنب والقات، أو عاملين في التجارة، وهؤلاء يتقاسم أصحابها المستحقات الشهرية (التي تصل إلى مئات الملايين في الشهر الواحد) مع قادة الوحدات؛
3. المصدر الثالث، يتمثل بأصحاب الوظائف المتكررة أو المتعددة أو المزدوجة، وهي ما سميت ذات زمن بـ"الازدواج الوظيفي" وهؤلاء يتقاضون أكثر من مرتب من أكثر من وحدة عسكرية، أو مؤسسة مدينة وأمثال هؤلاء يتجاوز عددهم مئات آلاف الحالات يستحوذون على عشرات الملايين وربما أكثر في الشهر الواحد؛
4. ولن نتحدث عن المليارات التي يتم الاستحواذ عليها سنويًا من خلال مخصصات الإعاشة والتموين، والذخيرة والآليات والمركبات المشطوبة (التي تتخذ لجان الجرد قرارا بإتلافها)، وكل هذا يباع بالمليارات من قبل قادة الوحدات يتم الاستحواذ عليها، وتوزيع (عائداتها) بينهم وبين بقية القيادات الأعلى.
ولهذا لا تستغرب أن القائد الصغير أو المتوسط، ما إن يتسلم منصبه حتى يستحوذ على شارع كامل في العاصمة أو في مدينته يبني علي "سرايته"، التي قد يمتلك مثلها في أكثر من محافظة، وقد (تحسنت) الأوضاع بعد الانقلاب الحوثي، فانتقلت استثمارات المسؤولين والقادرة العسكريين العقارية إلى تركيا والقاهرة ودبي وغيرها من الدول المستقرة، ناهيك عن القادة العسكريين الذين يعملون في مجالات استثمارية عديدة بمختلف القطاعات.
إن الفساد المالي في القوات المسلحة لا يقتصر ضرره على نهب الأموال العامة وتكوين طبقة من الطفيليين الذين يحصدون المليارات دونما بذل أي مجهود يُذكَر، بل إنه يمتد إلى تدمير الروح المعنوية وإفساد أخلاق المقاتلين (المفترضين) وينمي روح الأنانية والطمع وروح الاحتيال والغش، وبالتالي ضعف العقيدة القتالية (إذا ما كانت هناك أصلا عقيدة قتالية)، وبعد كل هذا علينا أن لا نتساءل لماذا تلاشى الجيش (الوطني) أثناء إسقاط صنعاء على أيدي عشرات المقاتلين الحوثيين القادمين من كهوف مديريات صعدة، ثم ما ألحقَ ببقايا الجيش من هزائم منكرة وتسليم محافظات بكاملها للجماعه الحوثية مثل ما جرى في العام 2019م في الجوف ومأرب والبيضاء ومديريات محافظة صنعاء الشرقية.
* * *
يقول وزير الدفاع أن قادة الوحدات الذين تخاطب معهم هددوا بأنهم إما أن تُسَلَّم لهم الرواتب على الطريقة القديمة بعيدًا عن قصة "البطاقة الذكية" هذه، أو إنهم سيسلمون الجبهات للحوثيين، وهذا الأمر ليس بمستبعد، هل تتذكرون ذلك القائد العسكري (الشرعي) الذي كان يقود القوات الشرعية في مناطق العود ودمت ونواحيهما شرقي محافظة إب، وحينما أصدر الرئيس المرحوم (عبد ربه منصور هادي) قرارًا باستبداله بقائد آخر قام بتسليم كامل منطقته للحوثيين ولم يتمم إلَّا بصنعاء؟
ثم لماذا نذهب بعيداً؟
لقد سلموا الجمهورية اليمنية كاملةً للحوثيين، فلماذا نستنكر أن يسلموا مديرية أو مديريتين في مأرب أو تعز، وهي كلما تبقى من أراضي الجمهورية العربية اليمنية خارج نطاق سيطرة الجماعة الحوثية.
* * *
الهجوم الذي نفذه الحوثيون على أحد معسكرات قوات الطوارئ "الشرعية" في منطقة العبر بحضرموت، أسفر عن سقوط عشرات القتلى المرشح عددهم للتزائد، وكم كان مؤلماً ومروعًا منظر الدماء التي انسكبت على أرض المعسكر والجثث التي تناثرت هنا وهناك، ولا يسع المرء إلا أن يشعر بالحسرة والشفقة على هؤلاء ويتعاطف مع أهاليهم،. . . لكن المفارقة المضحكة-المبكية أن مخازن ومستودعات هذا المعسكر ما إن استقر الوضع داخله حتى تعرضت لحملة نهب تناقلت مواقع التواصل الاجتماعي صورًا ولقطات فيديو عنها، كشفت أن ما يسمى بـ"الجيش الوطني" اليمني هو لا جيشاً ولا وطنياً وإنما مجاميع من البشر يجري حشرهم بلا أدنى قدر من التأهيل ولا خطة دفاعية ولا حتى مهارة قتالية يمكن الرهان أنها قد تحدث تغييرًا في توازن القوى الذي تحتفظ فيه الجماعة الحوثية بكل نقاط التفوق في وجه "شرعية" قيادتها مهاجرة إلى أجل غير مسمى وتعتقد أنها تتمتع بحكمة لقمان في إدارة السياسة وصرامة نابليون في قيادة المواجهة العسكرية.
ولله في خلقه شؤون