آخر تحديث :الثلاثاء - 25 أغسطس 2026 - 08:00 م

اخبار وتقارير


كيف حذر الرئيس هادي من إغلاق باب المندب قبل 15 عاما؟

الثلاثاء - 25 أغسطس 2026 - 07:23 م بتوقيت عدن

كيف حذر الرئيس هادي من إغلاق باب المندب قبل 15 عاما؟

أندبندنت عربية / توفيق الشنواح 

كيف حذر الرئيس هادي من إغلاق باب المندب قبل 15 عاما؟



ماذا حوى الملف الذي حمله الرئيس الراحل عبدربه منصور هادي إلى الملك عبدالله قبل نحو 15عاماً؟


-لماذا ظل باب المندب هاجساً ثابتاً في لقاءاته الدولية؟



شهادات مقربين تكشف كيف نقل هادي مخاوفه من النفوذ الإيراني إلى قادة المنطقة والعالم



تفاصيل عن ملفات وخلايا وشحنات أسلحة استند إليها في تحذيراته.


-وعبارة للرئيس السابق: "سيطرة إيران على هرمز وباب المندب "أخطر من حصولها على السلاح النووي".







ملخص


حذر الرئيس اليمني الراحل عبدربه منصور هادي منذ عام 2012 من تنامي النفوذ الإيراني في اليمن، معتبراً أن وصول الحوثيين إلى الساحل الغربي والسيطرة على باب المندب، بالتوازي مع النفوذ الإيراني في مضيق هرمز، سيمنح طهران ورقة ضغط على التجارة والطاقة العالميتين.


في خضم التطورات اللاهبة التي تموج بها المياه الدولية ومنها مضيق باب المندب من تصعيد حوثي يتهدد بإغلاقه، تستذكر دفاتر التاريخ القريب جملة من الأحداث المرتبطة بما يجري اليوم من توترات تخنق المضائق أمام تدفق الحركة التجارية كما هي الحال بمضيق هرمز في تحد يتهدد مصالح العالم وإمدادات الطاقة.


كان لهذه الأحداث امتدادات سبقتها، وأحداث تنبأت بها وكشفت جزءاً عن خفايا أهداف الوصول إلى نقطة الصراع القائم اليوم وفق استراتيجية السيطرة على المضائق واتخاذها رهينة ضمن ملف سياسي تفاوضي معلوم.

ربما لا يعلم كثر أن الرئيس اليمني الراحل، عبدربه منصور هادي طاف فور توليه السلطة في فبراير (شباط) 2012 الإقليم والعالم متأبطاً "ملفاً خطراً" يتضمن أوراقاً ضبطتها أجهزته القومية لسيناريو السيطرة على مضيق باب المندب بيد الحوثيين "خدمة لإيران".

كانت الواقعة مفاجئة للبعض، وغير مستغربة لآخرين من القادة الذين كان لهم موقف منها كما هي الحال بالعاهل السعودي الراحل، عبدالله بن عبدالعزيز الذي تفهم تلك المؤامرة وأمر بأخذها في الاعتبار خصوصاً وقد تزامنت مع فترة اضطرابات سياسية يعيشها اليمن في أعقاب الاحتجاجات الشعبية ضد نظام الرئيس الراحل علي عبدالله صالح 2011.

في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة 2012، أي قبل اشتعال الحرب في بلاده بثلاثة أعوام، حذر هادي (1945 – 2026) بوضوح من حرب أهلية تسعى إيران لإشعالها في اليمن.

وقال يومها إن مساعي طهران تهدف إلى إفشال المبادرة الخليجية التي رعتها السعودية بين فرقاء العمل السياسي لحل الأزمة وتحقيق انتقال سلمي للسلطة عبر تنحي الرئيس السابق علي عبدالله صالح، وتشكيل حكومة وفاق وطني، وإجراء انتخابات انتقالية فاز فيها الرئيس هادي القادم من ريف محافظة أبين لأسرة بسيطة.


خسارة الشام واليمن البديل


ومع أن توقيت التحذير بدا مبكراً، فإن تسارع الأحداث لم يتح للجنرال الحاصل على شهادة الماجستير من أكاديمية ساندهيرست الملكية البريطانية 1966، فرصة لملمة شظايا الدولة الآخذة بمزيد من التفكك والانهيار بعدما ظل يراهن على "مخرجات الحوار الوطني" كوثيقة تعيد بناء "دولة اتحادية من ستة أقاليم" على أسس عادلة ومنصفة. 


 

وكبرت كرة الثلج الحوثية، ولم يمض سوى عامين منذ العهد الجديد حتى سيطرت الميليشيات القادمة من الهضبة الشمالية بمحافظة صعدة بدعم إيراني، على مفاصل الدولة بانقلاب تحت دعاوى "الحق الإلهي في حكم الأمة" وفق مبدأ "الولاية والاصطفاء" لتؤكد ما ذهب إليه الرئيس المنتخب في تحذيراته من "تنامي الخطر الإيراني على العالم ومضيقي هرمز وباب المندب".


ماذا قال الشهود؟


في تفاصيل هذه الواقعة، يروي رجلان لصيقان بالرئيس الجنوبي، خفايا التحذير المتكرر والمبكر من تحويل اليمن إلى بؤرة صراع بالوكالة، منهما، عبدالقادر المحوري، الذي عمل سكرتيراً صحافياً لهادي، أكد أن الأخير بدأ إطلاق تحذيراته العلنية والمباشرة من المشروع الإيراني في اليمن خلال زيارته المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة عقب توليه السلطة. 

وفقاً للمحوري، كشف الرئيس في محاضرة له بمركز وودرو ويلسون الدولي في واشنطن في الـ28 من سبتمبر (أيلول) 2012، عن سعي إيران إلى "تعويض خسارتها الاستراتيجية المتوقعة في سوريا عبر التمدد في اليمن مستفيدة من موقعه بين دول الخليج والقرن الأفريقي وإشرافه على أحد أهم خطوط الملاحة الدولية".


 


المضيق أخطر من النووي


استمرت التحذيرات الرئاسية للرجل الذي تولى منصبه وفق المبادرة الخليجية لنقل السلطة نتيجة احتجاجات عام 2011 خلال ما سمي "الربيع العربي" خلفاً للرئيس علي عبدالله صالح.

وخلال لقاءاته الرسمية في واشنطن تحدث، كما يذكر سكرتيره "بوضوح عن تلك المساعي وفق إثباتات لديه"، ودائماً ما يؤكد "أن سيطرة إيران على باب المندب إلى جانب نفوذها في مضيق هرمز سيكون أخطر من امتلاكها قنبلة نووية".

ثم عبر عن هذه الرؤية لاحقاً بعبارته الشهيرة في أحد اللقاءات المتلفزة من أنه "إذا سيطرت إيران على مضيق هرمز ومضيق باب المندب فلن تحتاج إلى سلاح نووي فهذه السيطرة بحد ذاتها أخطر من السلاح النووي وأكثر فاعلية منه".



وخلال لقاءاته الرسمية في واشنطن تحدث، كما يذكر سكرتيره "بوضوح عن تلك المساعي وفق إثباتات لديه" (معهد واشنطن)


 

وللدقة التاريخية فإن التحذير الموثق والمنشور، وفق المحوري، يعود إلى خريف عام 2012 أي قبل قرابة 15 عاماً من الوصول إلى النقطة ذاتها التي يشهدها مضيق باب المندب اليوم على يد الحوثيين وجرى التحذير منها، وهو ما كرره في لقاء جماهيري مطلع عام 2013 ثم أعاد طرحه بوضوح أكثر في مقابلات وخطابات لاحقة ولا سيما بعد حدوث الانقلاب الحوثي في سبتمبر 2014.

سياق التصريحات اليمنية تواتر تباعاً وفق تقارير رسمية رفيعة المستوى، وكثف هادي من اتهاماته العلنية لنظام طهران في منابر الجمعية العامة للأمم المتحدة كما هي الحال بدورات عام 2015 و2016 وما بعدها، محملاً أجندة إيران وأذرعها الانقلابية "المسؤولية الأساسية عن جر البلاد إلى الحرب والدمار وإحداث توترات في المياه الدولية".ؤ


إلى هنا… وكفى


يجدر السؤال عن المعطيات التي دفعت الرئيس المتوفى في مايو (أيار) الماضي، للتنبؤ بهذه الحال التي بلغتها بلاده وامتدت آثارها إلى المياه الدولية بإفراد كثير من أحاديثه وتحركاته الدبلوماسية لهذا الشأن.

بالعودة إلى الـ19 من يوليو (تموز) 2012، أعلنت أجهزة الأمن اليمنية عن ضبط خلية تجسس تعمل لمصلحة إيران تدار من قبل "قائد سابق في الحرس الثوري".

يومها، أوضحت السلطات أن الخلية نشطت في اليمن والقرن الأفريقي وكان مركز عملياتها في صنعاء.

عقب هذه الحادثة وجه هادي خطاباً إلى الإيرانيين "اتركوا اليمن وشأنه... إلى هنا وكفى".

وتزامناً، يتذكر اليمنيون تصريحاً صادراً عن السفير الأميركي لدى صنعاء جيرالد فايرستاين اتهم خلاله "إيران بالعمل مع متمردين شيعة في شمال اليمن وانفصاليين في الجنوب لكسب نفوذ على حساب جيران اليمن".

على صعيد المواد المضبوطة، لم تكن هذه الخلية الوحيدة، فهناك عشرات الشحنات التي تعلن عنها قوات خفر السواحل اليمنية، منذ اعتراض أول شحنة عام 2009، تضم صواريخ وطائرات مسيرة ومواد لصناعة المتفجرات والصواريخ بعيدة المدى وقذائف حرارية ضد الدبابات وغيرها، ناهيك بما تعلنه مراراً القيادة المركزية الأميركية "سنتكوم" والأسطول الخامس عن اعتراض سفن وقوارب صيد تقليدية، تحمل شحنات أسلحة ومواد متفجرة مهربة من إيران في مياه بحر العرب وخليج عمان كانت متجهة لدعم الحوثيين، ضمن جهود تأمين الملاحة الدولية.


 

يوضح المحوري خلال حديثه إلى "اندبندنت عربية" أن هادي استدل بالوقائع اللاحقة "مثل ضبط السفينة ’جيهان 1‘ التي أكدت أن التدخل تجاوز النشاط السياسي إلى بناء ذراع عسكرية استراتيجية على الساحل اليمني".


ما علاقة النووي باليمن؟


من منظور استراتيجي حمل هادي فحوى أدلته إلى المجتمع الدولي شارحاً ما ضبطته سلطاته، محذراً الإقليم والعالم قبل أن يتحول هذا الدور إلى معضلة خطرة تنمو وتكبر.

في هذه النقطة، يؤكد صحافي الرئيس أنه ينظر إلى الحوثيين "أداة ضمن مشروع إقليمي يتجاوز الاستيلاء على السلطة في صنعاء إلى الوصول إلى الساحل الغربي والتحكم بباب المندب ومحذراً من تبعات التراخي عن مواجهتهم".

ولهذا ربط منذ وقت مبكر "بين الملف اليمني والملف النووي الإيراني وأمن الطاقة والتجارة الدولية وكانت خلاصته أن من يتحكم في هرمز وباب المندب يستطيع الضغط على العالم من دون الحاجة إلى استخدام سلاح نووي".

في مايو (أيار) 2015 ذكر تقرير سري لمتخصصين في الأمم المتحدة رفع إلى مجلس الأمن الدولي أن تقديم إيران شحنات ألغام بحرية وأسلحة بحراً إلى اليمن يعود إلى 2009 في الأقل، وأن إيران كانت منشأها، وأن المستفيدين المقصودين كانوا الحوثيين أو ربما جهات أخرى في بعض الحالات.


استيعاب سعودي للأخطار


عقب توليه السلطة كانت الجارة السعودية وجهته الدولية الأولى، وفي مارس (آذار) أي عقب تنصيبه بنحو أسبوعين فحسب، التقى الملك عبدالله في لقاء خاص لم يعلن عنه رسمياً، وكرس لطرح مخاوفه عليه.


 

بالعودة إلى شريط الأحداث تأتي هذه المخاوف في وقت تشهد فيه قدرات الميليشيات الحوثية تنامياً مطرداً عناصراً وتسليحاً مع مساعٍ حثيثة للاستقطاب والتوسع الميداني، فضلاً عن الضخ الفكري الآخذ بالتوسع بإشراف عناصر إيرانية.

يكشف المحوري أن هادي عرض على الملك عبدالله ملف التدخلات الإيرانية ومساعيها للسيطرة على مضيق باب المندب قابلها الملك باهتمام بالغ ووجه يومها وزير الخارجية الذي حضر اللقاء، الأمير سعود الفيصل "باستيعاب كل ملاحظات الرئيس هادي، وقال هذا رئيس صادق سندعمه بكل الإمكانات وحينها وجه بتزويد اليمن بمنحة مشتقات نفطية".

الملاحظات ذاتها طرحها في "لقاءاته مع الرئيس الأميركي باراك أوباما والرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند والمستشارة الألمانية أنغيلا ميركل والممثلة العليا للسياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كاثرين أشتون والقادة والسفراء والمبعوثين الدوليين". وناقشها مع "القيادة البريطانية قبيل مؤتمر الحوار الوطني وحذر من سعي إيران إلى إفشال المبادرة الخليجية والحوار والسيطرة على باب المندب إلى جانب هرمز".


هاجس استراتيجي


في تعليق على دوافع رئيسه، يقول المحوري "من واقع عملي إلى جانبه أستطيع القول إن قضية باب المندب لم تكن بالنسبة إليه عبارة إعلامية عابرة بل كانت هاجساً استراتيجياً ثابتاً"، يضيف "كان يرى أن سقوط الدولة اليمنية ووصول جماعة مرتبطة بإيران إلى الساحل الغربي سيحولان اليمن إلى منصة لابتزاز المنطقة والعالم وتهديد الملاحة الدولية، وما شهدناه لاحقاً من استهداف السفن وزراعة الألغام واستخدام الزوارق المفخخة والصواريخ والطائرات المسيرة في البحر الأحمر أثبت أن تحذيره كان قراءة مبكرة لطبيعة المشروع وأهدافه".

عملياً سارع الحوثيون خلال انعقاد أعمال مؤتمر الحوار الوطني (صنعاء 2013 - 2014) إلى السيطرة الميدانية على عدد من المحافظات خارج نطاق معقلهم التاريخي بمحافظة صعدة، منها أجزاء من محافظة الجوف، المحاذية للسعودية.