رغم الإعلانات الرسمية عن استئناف إنتاج الغاز في أحد معامل شركة صافر بمحافظة مأرب، وقرب عودة المعمل الثاني إلى العمل، لا تزال أزمة الغاز المنزلي تضرب عددًا من المحافظات اليمنية، فيما تستمر الطوابير الطويلة أمام المحطات، وتتزايد شكاوى المواطنين من صعوبة الحصول على احتياجاتهم اليومية.
وفي تعز، تبدو الأزمة أكثر وضوحًا، إذ أفاد سكان محليون بأن محطة الجبل في منطقة وادي القاضي أصبحت من أبرز المحطات العاملة حاليًا، الأمر الذي دفع بأعداد كبيرة من المواطنين وملاك السيارات إلى التوافد إليها، وسط ازدحام وطوابير انتظار طويلة.
ولا تبدو الصورة أفضل في عدن ولحج وعدد من المحافظات الواقعة ضمن نطاق الحكومة، حيث لا يزال الحصول على الغاز مهمة شاقة بالنسبة للأسر، رغم التصريحات التي تحدثت عن قرب عودة الإمدادات إلى مستوياتها الطبيعية.
عودة الإنتاج لم تُنهِ الأزمة
وكانت قيادة شركة الغاز وغرفة العمليات المشتركة في مأرب قد أعلنت، الأحد الماضي، الانتهاء من أعمال صيانة معمل الإنتاج الأول CPU-1 في شركة صافر، بعد توقف استمر قرابة 20 يومًا.
كما أعلنت قرب الانتهاء من إصلاح خلل فني طارئ في المعمل الثاني CPU-2، مؤكدة أن إعادة تشغيله ستسمح باستئناف ضخ وتوزيع الغاز بكامل الطاقة إلى المحافظات الواقعة ضمن نفوذ الحكومة.
وبحسب التقديرات الرسمية، كان من المفترض أن يؤدي تحسن الإنتاج واستقرار الشحنات إلى تراجع الأزمة تدريجيًا خلال فترة تتراوح بين خمسة أيام وأسبوع.
لكن مرور الأيام دون عودة واضحة إلى الوضع الطبيعي يطرح سؤالًا ملحًا: هل كانت مشكلة الغاز مرتبطة بالإنتاج فقط؟
المعطيات المتوفرة تشير إلى أن الإجابة تبدو أكثر تعقيدًا، وأن الأزمة الحالية نتاج سلسلة طويلة من الاختناقات تبدأ من الإنتاج ولا تنتهي عند المحطات.
القطاعات القبلية.. حلقة جديدة في أزمة الإمدادات
في تطور يزيد المشهد تعقيدًا، برزت خلال الأيام الماضية قضية القطاعات القبلية التي تعرقل حركة مقطورات الغاز المتجهة إلى المحافظات.
وأعلن قبليون من آل مهتم منع تحريك مقطورات الغاز باتجاه المحافظات المحررة اعتبارًا من الأحد 23 أغسطس، مع تحذير سائقي ومالكي المقطورات من نقل الشحنات إلى محطات المحافظات الجنوبية.
ويأتي ذلك في وقت سبق أن حذرت فيه وزارة النفط والمعادن من تأثير القطاعات القبلية على إمدادات الغاز، مشيرة إلى تسجيل 25 قطاعًا خلال الفترة من يناير وحتى أغسطس 2026، تسببت في تعطيل حركة الإمدادات لمدة إجمالية بلغت 126 يومًا.
وهذا يعني أن عودة الإنتاج من صافر لا تكفي وحدها إذا ظلت الشحنات تواجه عراقيل أثناء انتقالها من مناطق الإنتاج إلى الأسواق ومحطات التوزيع.
الغاز المنزلي لم يعد منزليًا فقط
عامل آخر يضغط على الكميات المتاحة يتمثل في ارتفاع الطلب على الغاز، خصوصًا مع توسع استخدامه في السيارات والمركبات وبعض المنشآت التجارية.
وزارة النفط أشارت إلى التوسع العشوائي في تحويل المركبات للعمل بالغاز بدلًا من البنزين، معتبرة أن ذلك أدى إلى زيادة الاستهلاك وسحب كميات يفترض أن تذهب إلى الاستخدام المنزلي.
وبذلك أصبحت الأسرة اليمنية تنافس قطاعات أخرى على مادة محدودة، في ظل إنتاج وإمدادات لا تزال عرضة للتذبذب.
والتهريب.. ثقب آخر في جدار الإمدادات
إلى جانب الإنتاج والنقل والطلب المرتفع، تبرز اتهامات مستمرة بوجود عمليات تهريب للغاز باتجاه دول القرن الأفريقي، وهو ما يزيد الضغط على السوق المحلية.
وفي محاولة للحد من ذلك، ألزمت الشركة اليمنية للغاز مالكي مقطورات نقل الغاز البترولي المسال بتركيب أجهزة تتبع عبر الأقمار الصناعية GPS للمقطورات العاملة والمرخصة، بهدف تعزيز الرقابة على حركة الشحنات منذ خروجها وحتى وصولها إلى وجهتها.
غير أن فعالية هذه الإجراءات تظل مرتبطة بقدرة الجهات المعنية على مراقبة حركة الشحنات، وضبط المخالفات، ومنع تسرب الكميات خارج مسار التوزيع الرسمي.
من يملك الغاز.. ومن يحصل عليه؟
الأزمة لا تتعلق فقط بكمية الغاز المنتجة، بل أيضًا بكيفية توزيعها.
ولهذا أعلنت وزارة النفط والمعادن إعادة هيكلة آلية التوزيع، ورفع حصة الغاز المنزلي بما يتناسب مع الكثافة السكانية، مع توجيه الشركة اليمنية للغاز بإعطاء الأولوية لاحتياجات الأسر.
كما جرى تشكيل لجان فنية لحصر الاحتياجات الفعلية للمحافظات، ولجنة مشتركة في العاصمة المؤقتة عدن لتقييم أداء محطات وطرمبات الغاز، ومدى التزامها بضوابط الأمن والسلامة.
وتقول الوزارة إنها ستتخذ إجراءات بحق المحطات المخالفة، بالتوازي مع تحذيرات من الاحتكار والتلاعب بالكميات والأسعار.
تعز تنتظر.. والطوابير تكشف حجم الأزمة
في تعز، لا تحتاج الأزمة إلى بيانات رسمية لإثبات وجودها؛ فالطوابير أمام المحطات تكفي لإظهار حجم المعاناة.
ومع محدودية المحطات العاملة، يجد المواطن نفسه أمام خيارين كلاهما صعب: الانتظار لساعات طويلة للحصول على الغاز، أو البحث عن محطة أخرى قد لا تكون أفضل حالًا.
وتزداد المشكلة تعقيدًا بالنسبة للأسر التي تعتمد على الغاز بصورة أساسية في الطهي، خصوصًا في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة وارتفاع تكاليف المعيشة.
لماذا لم تنتهِ الأزمة بعد؟
المؤشرات الحالية تكشف أن أزمة الغاز لم تعد أزمة إنتاج فقط، بل أصبحت أزمة سلسلة إمداد متكاملة.
فحتى مع عودة معامل صافر للعمل، فإن استمرار القطاعات القبلية، وارتفاع الطلب، والتوسع في استخدام الغاز خارج القطاع المنزلي، واحتمالات التهريب، فضلًا عن مشكلات التوزيع والرقابة، يمكن أن تؤخر وصول الكميات إلى المستهلك النهائي.
وبعبارة أخرى، إنتاج الغاز شيء، ووصوله إلى أسطوانة المواطن شيء آخر.
اختبار حقيقي للوعود الرسمية
وبينما تؤكد الجهات الرسمية أن الإنتاج عاد إلى مستويات أفضل، وأن الأزمة يفترض أن تبدأ بالانحسار خلال أيام، فإن استمرار الطوابير في تعز وعدد من المحافظات يضع هذه التصريحات أمام اختبار حقيقي.
فالمواطن لا يقيس نجاح خطة الطوارئ بعدد المعامل التي عادت للعمل، وإنما بالسؤال الأبسط: هل يستطيع الحصول على أسطوانة الغاز بسهولة وبسعر عادل؟
وإذا استمرت الطوابير خلال الأيام المقبلة، فإن ذلك سيعني أن المشكلة أعمق من مجرد توقف معامل صافر، وأن معالجة الأزمة تتطلب ضبط كامل سلسلة الإمداد، من الإنتاج والنقل إلى التوزيع والرقابة ووصول الغاز إلى الأسر.
وفي انتظار ذلك، يبقى المواطن اليمني عالقًا أمام المحطات، يحمل أسطوانته وينتظر، فيما تظل أزمة الغاز واحدة من أكثر الأزمات اليومية إزعاجًا وتأثيرًا على حياة الأسر في البلاد.
السؤال الذي ينتظر المواطن الإجابة عنه الآن: متى تنتهي الأزمة فعليًا، وليس على الورق؟