ليس كل من يكتب عن قضية ما يصبح بالضرورة جزءًا من معركتها، فهناك من يكتب من بعيد، وهناك من يراقب الأحداث بعين الباحث، وهناك من يمر على القضية مرورًا عابرًا ثم ينتقل إلى موضوع آخر.
لكن البروفيسور المغربي توفيق جازوليت اختار طريقًا مختلفًا.
لقد تابعنا خلال الفترة الماضية ما كتبه الرجل عن القضية الجنوبية، فوجدنا أنفسنا أمام سلسلة من الرؤى والمقالات التي لم تكتفِ بوصف الواقع، بل حاولت الاقتراب من جوهر القضية وتعقيداتها السياسية والإعلامية والقانونية والدولية.
وما يلفت الانتباه في كتابات جازوليت أنه لا يتعامل مع الجنوب باعتباره مجرد خبر سياسي عابر، بل باعتباره قضية تستحق الدراسة والتفكير والبحث عن الطرق التي تمكنها من الوصول إلى العالم.
في شهادته عن حرب عام 1994، أعاد الرجل تسليط الضوء على واحدة من أخطر صفحات تلك الحرب، عندما تحول الصراع السياسي والعسكري إلى خطاب ديني، واستخدم التكفير والتحريض، وأصبح الإعلامي والصحفي الذي ينقل الحقيقة جزءًا من دائرة الاستهداف.
كانت شهادته تذكيرًا مهمًا بأن الحروب لا تُخاض بالسلاح وحده، وأن الكلمة والصورة والحقيقة قد تصبح في بعض الظروف أخطر من الرصاصة في نظر من يريد احتكار الرواية.
وفي كتاباته الأخرى، توقف جازوليت أمام الإعلام الجنوبي، وقدم رؤية تستحق الاهتمام، حين أشار إلى أن كثرة المنصات الإعلامية لا تعني بالضرورة الوصول إلى العالم.
فالمشكلة ليست دائمًا في عدد المواقع والقنوات والصفحات، وإنما في السؤال الأهم: من نخاطب؟
هل نخاطب أنفسنا؟
هل نعيد إنتاج الخطاب نفسه داخل الدائرة نفسها؟
أم أننا نخاطب الصحفي والباحث والدبلوماسي والمنظمات الحقوقية وصناع القرار بلغاتهم وبالأدوات التي يفهمونها؟
أتذكر جيدًا حديث البروفيسور توفيق جازوليت خلال زيارته إلى نقابة الصحفيين والإعلاميين الجنوبيين، حين تحدث بصراحة عن إعلام يحاكي نفسه، وعن أخبار ومقالات تبقى حبيسة الداخل، بينما العالم الخارجي لا يعرف عنا إلا القليل.
ومع متابعة ما كتبه لاحقًا، أدركت أن تلك الكلمات لم تكن مجرد ملاحظة عابرة، بل كانت جزءًا من رؤية متكاملة.
رؤية تدعو إلى إعلام يقوم على الوقائع والوثائق والمعرفة بالقانون الدولي، وإلى خطاب قادر على عبور الحدود والوصول إلى دوائر التأثير الحقيقية.
كما أن جازوليت لم يتوقف عند الإعلام، بل تناول التجربة السياسية الجنوبية من زاوية الباحث الذي يرى أن القضايا الوطنية الكبرى لا يمكن أن تعتمد على القوة وحدها، مهما كانت أهميتها، وإنما تحتاج أيضًا إلى مؤسسات ومشروع سياسي ودبلوماسية وقانون وإعلام.
ومن بين الأفكار المهمة التي طرحها دعوته إلى إعداد ملف قانوني وتاريخي متكامل للقضية الجنوبية، بمشاركة فقهاء القانون الدولي والمؤرخين والقضاة والباحثين.
واقترح أن يحمل هذا المشروع عنوانًا بالغ الأهمية:
«الكتاب الأبيض للقضية الجنوبية: دراسة قانونية وتاريخية وفق قواعد القانون الدولي والشرعية الدولية».
وأنا أرى أن قيمة هذه الفكرة لا تكمن في عنوانها فقط، بل في مضمونها؛ لأن القضايا الوطنية التي تريد الوصول إلى المجتمع الدولي تحتاج إلى أرشيف وحقائق ووثائق ودراسات قانونية، تحتاج إلى رواية مكتوبة بلغة يفهمها العالم، لا أن تبقى أسيرة الخطاب السياسي اليومي.
إن ما يقدمه البروفيسور توفيق جازوليت يستحق التقدير، ليس لأنه يكرر ما نريد سماعه، بل لأنه يكتب من موقع الأكاديمي الذي يحاول أن يطرح الأسئلة الصعبة ويقدم رؤى مختلفة.
وهذا، في رأيي، هو الدور الحقيقي للمثقف والباحث.
أن يقول ما يراه.
أن يفتح زوايا جديدة للتفكير.
أن يلفت الانتباه إلى ما قد نغفله ونحن منشغلون بتفاصيل اليوم.
لقد كسب الجنوب في توفيق جازوليت صوتًا أكاديميًا عربيًا اختار أن يقرأ القضية الجنوبية بجدية، وأن يكتب عنها باستمرار، وأن يقدم أفكارًا ورؤى تتجاوز المجاملة السياسية إلى البحث الحقيقي.
ومن باب الإنصاف والشكر، أجد من واجبي كصحفي جنوبي أن أقول لهذا الرجل:
شكرًا لأنك لم تكن مجرد زائر عابر.
شكرًا لأنك قرأت قضيتنا وكتبت عنها.
شكرًا لأنك قدمت أفكارًا يمكن أن تشكل مادة للنقاش والبحث.
وشكرًا لأنك أثبت أن القضية الجنوبية ليست قضية أبناء الجنوب وحدهم، بل قضية يمكن أن تجد من يؤمن بعدالتها ويدافع عنها بالفكر والقلم والمعرفة.
إن القضايا العادلة تحتاج إلى من يحمل السلاح دفاعًا عنها، لكنها تحتاج بالقدر نفسه إلى من يحمل الوثيقة، ومن يكتب الدراسة، ومن يخاطب العالم، ومن يفتح أمامها أبواب الجامعات ومراكز الدراسات ووسائل الإعلام والمنظمات الدولية.
ولهذا، فإن ما يقدمه البروفيسور توفيق جازوليت للقضية الجنوبية يستحق أن يُقرأ، وأن يُناقش، وأن يُحفظ ضمن كل الجهود الفكرية والأكاديمية التي خدمت الجنوب وقضيته الوطنية.
فشكرًا للبروفيسور توفيق جازوليت... الأكاديمي العربي الذي لم يكتفِ بمراقبة القضية الجنوبية من بعيد، بل اختار أن يكتب لها وعنها.