الدولة في مفهومها الحقيقي ليست مجرد سلطة تمتلك أدوات الحكم، وإنما هي المظلة التي يحتمي الناس تحتها، والمرجعية التي يلجأون إليها عندما يتعرضون للظلم أو تنتهك حقوقهم أو تهدد حياتهم ومصالحهم.
ومن الطبيعي أن يلجأ المواطن إلى دولته عندما تضيق به سبل الحياة، منتظرًا منها أن تنصفه، وتحميه، وترفع عنه الظلم، وتوفر له الحد الأدنى من مقومات العيش الكريم. فهذه ليست منّة من الدولة على مواطنيها، وإنما واجبات أصيلة ومسؤوليات أساسية تقع على عاتقها.
ومن بين أبسط هذه المسؤوليات، توفير الخدمات الأساسية المرتبطة بحياة الناس اليومية، وفي مقدمتها الكهرباء والمياه والنظافة والتعليم والصحة، وحماية المجتمع من كل ما يهدد أمنه واستقراره وسكينته العامة. كما أن انتظام صرف رواتب الموظفين والمتقاعدين يمثل مسؤولية أساسية لا يجوز التعامل معها باعتبارها قضية هامشية أو منّة تُقدم للمواطن متى شاءت السلطة ومتى سمحت ظروفها.
فالراتب بالنسبة للموظف البسيط ليس مجرد رقم في نهاية الشهر، بل هو مصدر رزقه الوحيد، ومنه يوفر الغذاء والدواء والسكن واحتياجات أسرته الأساسية. ولذلك فإن تأخير الرواتب أو قطعها لأشهر طويلة لا يمثل مجرد خلل إداري، وإنما يتحول إلى أزمة إنسانية واجتماعية تمس حياة آلاف الأسر بصورة مباشرة.
لكن ماذا يحدث عندما تتحول الدولة نفسها إلى مصدر للمعاناة ؟
من يعتقد بأن وظيفة السلطة تنحصر فقط على دفع الرواتب والإعاشة ( بالعملة الصعبة ) بصورة منتظمة لكل المقيمين من أتباع السلطة في عدت عواصم الدول العربية و فنادقها الوثيرة وترك باقي الشعب يغرق في معاناته العميقة التي حولت حياته إلى جحيم حقيقي فهو مخطئ لأن مثل هذا الفعل الغير أخلاقي يعد خروج صريح وفاضح عن القيم والمبادئ المترسخة التي قامة عليها الدولة التي من المفترض أن تكون مظلة للجميع.
هنا تكمن المأساة الحقيقية التي يعيشها المواطنون في الجنوب منذ سنوات طويلة.
فبدلًا من أن تكون السلطة مظلة تحمي المواطن من الظلم، أصبح المواطن الجنوبي يجد نفسه في مواجهة أزمات متراكمة، تبدأ من انقطاع الكهرباء والمياه وتردي خدمات الصحة والتعليم والنظافة، ولا تنتهي عند انهيار العملة وارتفاع الأسعار وتآكل القدرة الشرائية وتأخر الرواتب وانتشار البطالة، خصوصًا بين الشباب.
أن حالة الفشل والعجز الذي ظهرت به السلطة في شتى مناحي الحياة لم تعد تحتمل المزيد من الصمت أو التبرير الذي لا مكان له من إعراب الواقع الراهن الذي يتصف بالكارثي.
فكيف يمكن لمواطن أن يعيش في ظل منظومة سياسية عاجزة عن توفير أبسط احتياجات الحياة، ثم يُطلب منه في الوقت نفسه أن يتحمل نتائج الفشل المتواصل وكأنه هو المسؤول عنها ؟.
وكيف يمكن أن تستقيم حياة الناس بينما يصبح الحصول على الراتب في موعده إنجازًا يحتاج إلى مطالبات ومناشدات واحتجاجات، بعد أن كان صرفه في نهاية كل شهر أمرًا طبيعيًا اعتاد عليه الموظفون طوال سنوات طويلة ؟.
لقد أصبح تأخر الراتب بالنسبة للكثير من المواطنين أمرًا متكررًا، يتأخر شهرًا أو أكثر، ولا يجد المواطن أمامه سوى الانتظار والمطالبة والمناشدة التي لم تعد تجدي نفعا، بينما تتراكم عليه الديون وتتضاعف احتياجات أسرته، ويصبح عاجزًا حتى عن توفير أبسط متطلبات الحياة.
والأخطر من ذلك أن هذه المعاناة تتزامن مع ارتفاع متواصل في أسعار المواد الغذائية والأدوية والخدمات، في الوقت الذي فقدت فيه العملة الوطنية جزءًا كبيرًا من قيمتها، وأصبح الراتب الذي كان بالكاد يكفي الأسرة في السابق عاجزًا اليوم عن توفير الحد الأدنى من احتياجاتها الضرورية.
وفي ظل هذه الأوضاع، تتسع دائرة الفقر والبطالة، وتتراجع القدرة على الحصول على العلاج، وتظهر آثار سوء التغذية، بينما يجد المواطن نفسه محاصرًا بين الغلاء وانقطاع الخدمات وتوقف مصادر الدخل.
فأين الدولة من كل ذلك ؟ ومن يحمي المواطن عندما تكون السلطة نفسها طرفًا في صناعة معاناته التي تزداد حدتها وترتفع وتيرتها يوما عن يوما ؟.
إن المشكلة لا تتعلق فقط بسوء إدارة هنا أو تقصير هناك، وإنما ترتبط بصورة أعمق بأزمة دولة ومؤسسات وقرار سياسي، وبمنظومة حكم فاسدة لم تستطع خلال سنوات طويلة أن تضع احتياجات المواطن في مقدمة أولوياتها.
وفي الوقت الذي يعيش فيه المواطن هذه الظروف القاسية، يظل السؤال الأكثر إلحاحًا هو: أين تذهب ثروات الجنوب ؟
فالجنوب يمتلك موارد وثروات وموقعًا جغرافيًا وموانئ ومنافذ ومقومات اقتصادية كان يمكن أن تشكل أساسًا لحياة أفضل لأبنائه، إذا ما أحسن استثمارها وأديرت بصورة شفافة ومسؤولة.
لكن المواطن الجنوبي لا يرى أثرًا حقيقيًا لهذه الموارد في حياته اليومية، ولا يشعر بأن ما تنتجه أرضه ينعكس على مستوى الخدمات أو الرواتب أو فرص العمل أو تحسين ظروف المعيشة.
وهنا تصبح المسألة أكبر من مجرد أزمة خدمات.
إنها أزمة ثقة بين المواطن والسلطة، وأزمة علاقة بين الدولة والمجتمع، وأزمة إدارة للموارد العامة التي تهدر بصورة عبثية.
فليس من المقبول أن يعيش المواطن في الظلام، ويبحث عن الماء، ويقف عاجزًا أمام أسعار الدواء والغذاء، بينما تظل الثروات التي يفترض أن تكون ملكًا للشعب بعيدة عن متناول أصحابها الحقيقيين الذين ينظرون بألم إلى النهب الذي تتعرض له ثرواتهم الوطنية التي يذهب عائدها إلى غير أهلها دون أي رادع.
والأكثر إيلامًا أن المواطن أصبح يشعر بأن هناك تفاوتًا صارخًا بين ظروف حياته وظروف المسؤولين الذين يفترض أنهم يديرون شؤونه ويمثلون مصالحه.
فالمواطن يريد راتبه في موعده، ويريد كهرباء وماءً وتعليمًا وصحةً وطرقًا وخدمات أساسية، ولا يطلب المستحيل.
إنه يريد فقط أن يشعر بأن هناك دولة تحميه، وسلطة تشعر بمعاناته، ومؤسسات تعمل من أجله، وثروة وطنية تعود بالنفع عليه وعلى أسرته ومجتمعه.
الدولة لا تُقاس بعدد المسؤولين ولا بعدد البيانات والخطابات، وإنما بما تقدمه للمواطن من لقمة عيش كريمة وأمن وكرامة وخدمات وعدالة.
وحين تفشل الدولة في توفير هذه المقومات، ثم تترك المواطن يواجه مصيره وحيدًا، فإنها تفقد تدريجيًا وظيفتها الأساسية، وتتحول من مظلة للحماية إلى عبء على المجتمع.
ولذلك فإن أبناء الجنوب اليوم لا يحتاجون إلى مزيد من الوعود بقدر ما يحتاجون إلى إجابات واضحة عن أسئلة أصبحت تفرض نفسها بقوة وتحتاج إلى إجابات مقنعة وشفافة دون إسفاف أو تسويف كما عودتنا السلطة على ذلك :
أين تذهب ثرواتهم ؟
لماذا تتعطل الخدمات الأساسية ؟
لماذا تتأخر الرواتب ؟
من المسؤول عن انهيار العملة وارتفاع الأسعار ؟
ولماذا يدفع المواطن وحده فاتورة الأزمات والفشل السياسي والاقتصادي ؟
إنها أسئلة مشروعة لا يجوز إسكاتها، لأن المواطن الذي يطالب بحقه في الكهرباء والماء والراتب والعلاج والتعليم لا يمارس ترفًا سياسيًا، وإنما يطالب بأبسط حقوقه الإنسانية والوطنية التي تكفلها كافة الشرائع والأديان السماوية وكافة القوانين والمعاهدات والمواثيق الدولية التي تحظ على ضرورة توفير الحياة الكريمة لعامة الناس دون أنتقائية أو تميز مناطقي أو جهوي.
وفي النهاية، فإن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مجتمع ليس أن يختلف الناس مع السلطة، وإنما أن يفقدوا الثقة في قدرتها على حمايتهم وإنصافهم.
وعندما يصل المواطن إلى قناعة بأن الدولة لم تعد تسمعه، ولا تحميه ولا تبالي بما يقول، ولا توفر له أبسط مقومات الحياة، يصبح السؤال أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى:
إذا كانت الدولة لا تحمي المواطن من الظلم، ولا توفر له أبسط حقوقه، فمن يحمي أبناء الجنوب من عبث وتنمر السلطة التي لا تكترث للحالة المٱساوية التي أصابات الناس جراء السياسية التي تتبعها منذو عقود؟
إنها ليست مجرد عبارة تصلح عنوانًا لمقال، بل سؤال مفتوح في وجه كل من يملك سلطة القرار، وكل من يتولى مسؤولية إدارة شؤون الناس وثرواتهم المستباحة التي تذهب عائداتها لصالح الأخرين الذين أثروا على حساب نهب ثروات الجنوب المستباحة منذو عقود طويلة.
والإجابة عنه لا تكون بالبيانات ولا بالمناشدات، وإنما بإعادة الاعتبار للمواطن، ووضع مصالحه وحقوقه في مقدمة أولويات السلطة، وإدارة الموارد والثروات بشفافية ومسؤولية، وضمان انتظام الرواتب والخدمات، وبناء مؤسسات دولة حقيقية يكون ولاؤها للمواطن والوطن، لا لمراكز النفوذ ومصالح المتنفذين.
فالشعوب لا تطلب من الدولة المستحيل؛ إنها تريد فقط دولة تحميها، وعدالة تنصفها، وخدمات تحفظ كرامتها، وثروة تعود إليها، وسلطة تعرف أن المواطن هو أساس شرعيتها وغاية وجودها.