آخر تحديث :الإثنين - 31 أغسطس 2026 - 06:00 م

قضايا


وجع أستاذ جامعي في عدن.. حين لا يكفي الراتب لإيجار البيت

الإثنين - 31 أغسطس 2026 - 05:58 م بتوقيت عدن

وجع أستاذ جامعي في عدن.. حين لا يكفي الراتب لإيجار البيت

عدن تايم/خاص

في العاصمة عدن، حيث يفترض أن يكون الأستاذ الجامعي عنوانًا للعلم والمكانة والاستقرار، تكشف حكاية إنسانية موجعة عن واقعٍ وصل فيه راتب الأكاديمي إلى العجز عن تأمين أبسط مقومات الحياة. دكتور في جامعة عدن، قضى سنوات من عمره في التعليم وتخريج الأجيال، وجد نفسه عاجزًا عن سداد إيجار منزله، مهددًا بفقدان المأوى مع أسرته، لا لشيء سوى أن راتبه لم يعد يواكب كلفة المعيشة والارتفاع المتواصل في أسعار الإيجارات.

الحكاية التي رواها الأكاديمي عوض عبدالرب الشعبي، بعد لقاء عابر في أحد مساجد مديرية المنصورة، تختصر وجع شريحة واسعة من الأكاديميين والموظفين الذين أنهكتهم الأوضاع الاقتصادية وتآكلت قدرتهم الشرائية. وبين راتب لا يتجاوز 265 ألف ريال وإيجار يبلغ 400 ريال سعودي، تراكمت ثلاثة أشهر من المستحقات، ليجد أستاذ الجامعة نفسه مضطرًا لطلب مهلة إضافية حتى لا يتحول منزله إلى عنوانٍ مفقود، في مشهد يفتح سؤالًا أكبر عن كرامة الأكاديمي ومسؤولية المؤسسات تجاه من أفنوا أعمارهم في خدمة التعليم.


وفيما يلى نص المقال الذي يروي الحكاية


آه... يا لوجع القلب


كتب - عوض عبدالرب الشعبي.


شاءت الأقدار مساء أمس أن أصلي المغرب في أحد مساجد مديرية المنصورة، وبينما كنت أهم بالخروج، لفت نظري دكتور أعرفه معرفة سطحية، أحد الوجوه الأكاديمية الوازنة في جامعة عدن.

سلمت عليه وعرفته بنفسي، فابتسم ابتسامة شاحبة وقال: أعرفك جيداً، دكتور عوض، لكن صوته لم يكن صوت رجل يحيي زميلاً، كان صوتاً مثقلاً بما لا يقال، كان الألم ينساب من بين كلماته، والحزن قد اتخذ من وجهه مقاماً، وخلف عينيه سد من الدموع، أجزم أنه لو انفتح له مجراه لسال كنبع ماء.


وبينما نحن منهمكان في الحديث، اقترب مني صديق عزيز، صافحني بحرارة ومضى، وما إن ابتعد خطوات حتى التفت إلي الدكتور وسألني بصوت خافت: دكتور... ما علاقتك بهذا الرجل؟

قلت: صديق عزيز، أكن له كل احترام وتقدير، أمسك بيدي، وقال: تعال....جلسنا في زاوية هادئة من المسجد، وهناك انكشفت لي حكاية أثقل من أن تروى بسهولة، وأوجع من أن تمر على القلب دون أن تترك فيه ندبة.

قال بصوت منكسر، يخالطه شيء من الخجل: يا دكتور... هذا الذي صافحك بحرارة، وتقول إنه صديقك، أنا مستأجر منه شقة، وقبل ثلاثة أيام أمهلني أسبوعاً لإخلائها، لم أعد أجرؤ على الكلام... ماذا أقول؟ أنت تعرف حالنا، وتعرف وضع الرواتب...راتبي لا يتجاوز مئتين وخمسة وستين ألفاً، والإيجار أربعمئة سعودي، وقد مضت ثلاثة أشهر لم أعد قادراً على دفعها.

يا الله...أي زمن هذا الذي يصبح فيه الأستاذ الجامعي، حامل العلم، وصاحب المكانة، عاجزاً عن تأمين سقف يأوي إليه؟

حاولت أن اهدى من روعه، وأخرجت هاتفي واتصلت بصديقي، فإذا به لا يزال بجوار المسجد ينتظر خروجي، طلبت منه أن يدخل، فدخل وجلسنا ثلاثتنا، شرح لي أن العمارة ملك صهره، وأنه ليس سوى وكيل عليها، ولا يملك صلاحية تخفيض الإيجار أو منح مهلة مفتوحة، طلبت منه أن يمنح الدكتور فسحة من الوقت، فقال: لا مانع عندي، بشرط أن تكون أنت الضامن، حينها لم أتردد......قلت له: أضمنه ستة أشهر، كل شهر تعال واستلم إيجارك مني، وأنا وزميلي سنتدبر الأمر.

لم يكن يعنيني يومها الإيجار، ولا الحسابات، ولا كيف سيمضي الشهر القادم، ما يعنيني شيء واحد فقط:

ألا يخرج هذا الدكتور إلى الشارع، وأبناؤه على أبواب المدارس.

خرجت من المسجد، لكن شيئاً مني بقي جالساً هناك، ينزف ألم على حال زميلي العزيز وما أصابه، ومنذ تلك اللحظة، لم أستطع أن أمنع نفسي من السؤال:

أي مؤسسة أكاديمية هذه التي تعجز عن صون كرامة أساتذتها؟....

وأي راتب هذا الذي لا يكفي صاحبه ليحتفظ بمفتاح بيته؟.....

وأي وطن هذا الذي قد ينام فيه أستاذ الجامعة وهو يخشى أن يستيقظ غداً بلا مأوى؟.....

فتباً لهذا العجز الذي جعل حملة العلم والفكر يستجدون مهلة من أجل سقف يؤيهم!

وتباً وألف تب لجامعة عدن إن لم تستطع أن تصون كرامة من أفنوا أعمارهم في خدمة العلم وأجيال الوطن.