من أكثر المشاهد التي تكشف حالة الفوضى التي تعيشها حركة النقل داخل العاصمة عدن، تلك الباصات الصغيرة (الدباب) التي تدبدب وتجوب الشوارع بحثًا عن الركاب، من دون أن يكون من السهل على المواطن أن يعرف: من أين انطلق هذا الباص؟ وإلى أين يتجه؟ وما خط سيره أصلًا؟
في عدن، يمكن أن ترى باصًا لا يتسع إلا لستة ركاب تقريبًا، وآخر يتسع لنحو خمسة عشر راكبًا، وآخر بأشكال ومواصفات مختلفة، وكلها تعمل في نقل الركاب داخل المدينة. المشكلة ليست في اختلاف أحجام الباصات بحد ذاته، وإنما في غياب نظام واضح وموحد يجعل المواطن يعرف مسار الباص قبل أن يصعد إليه.
وهنا تظهر المفارقة عندما نقارن ذلك بما هو قائم في مدينة المكلا.
في المكلا، تنتشر باصات نقل الركاب ذات الحجم الكبير، والتي يتسع كثير منها لنحو 26 راكبًا، وتعمل وفق خطوط معروفة. والأهم أن الباص لا يحتاج إلى أن يسأل المواطن عنه عشر مرات حتى يعرف وجهته؛ فهناك لاصقة واضحة على مقدمته أو زجاجه تحدد جهة الانطلاق وجهة الوصول، وأحيانًا تمر على عدد من المناطق والمحطات في الطريق.
يكفي أن تنظر إلى اللاصقة لتعرف أن الباص يسير مثلًا من منطقة معينة إلى أخرى مرورًا بمناطق محددة.
هذه ليست مسألة شكلية أو تجميلية.
اللاصقة المرورية تختصر على المواطن جزءًا كبيرًا من الفوضى.
فالمواطن الذي يقف في الشارع لا ينبغي أن يدخل في حوار طويل مع السائق ليسأله: «إلى أين؟ هل تمر من هنا؟ هل تصل إلى كذا؟». يكفي أن تكون وجهة الباص مكتوبة بوضوح، فيقرر المواطن خلال ثوانٍ إن كان هذا الباص مناسبًا له أم لا.
والأمر لا يتعلق بالركاب وحدهم.
تحديد خطوط السير يساعد أيضًا في تنظيم حركة الباصات، وتقليل التوقف العشوائي، ومعرفة الخطوط التي يعمل عليها كل باص، ومحاسبة السائق عندما يخرج عن المسار المحدد.
ومن هنا أرحب بقرار مكتب النقل وشرطة السير في العاصمة عدن بشأن إلزام باصات نقل الركاب العاملة في خطوط كريتر والتواهي والمعلا بتركيب لواصق تحدد خطوط سيرها.
ففي الإعلان الصادر عن مكتب النقل وشرطة السير، جرى التأكيد على أن عملية تحديد وتركيب لواصق خطوط سير الباصات ستبدأ، وأن هذه الخطوة إلزامية لجميع العاملين في النطاق المستهدف، مع اتخاذ الإجراءات القانونية تجاه المخالفين وغير الملتزمين بخطوط السير المحددة.
وهذا قرار مهم، ليس لأنه سيضع قطعة ورق أو ملصقًا على زجاج الباص، وإنما لأنه يمكن أن يكون خطوة أولى نحو إعادة تنظيم النقل العام في عدن.
لكنني، في الوقت نفسه، لا أخفي تشككي في مدى التزام أصحاب الباصات وسائقيها بهذا التوجيه.
وليس التشكيك هنا رغبة في انتقاد القرار، بل هو نتيجة لتجارب كثيرة سابقة في عدن؛ إذ تصدر قرارات جيدة، ثم يبدأ الالتفاف عليها، أو يتراخى تنفيذها، أو يتحول الإلزام مع مرور الوقت إلى مجرد توصية.
ولهذا فإن نجاح القرار لا يتوقف على إصداره.
النجاح يبدأ يوم تصبح اللاصقة إلزامية فعلًا، ويعرف السائق أن عدم وضعها أو مخالفة خط السير المحدد سيترتب عليها إجراء واضح.
فإذا كان الهدف هو تنظيم حركة النقل، فلا ينبغي أن تكون اللاصقة مجرد قطعة بلاستيكية أو ورقية يضعها السائق أمام الكاميرا يوم التدشين ثم ينزعها بعد أيام.
نحن بحاجة إلى نظام مستمر.
باص يحمل رقمًا أو تعريفًا واضحًا، وخط سير محدد، ولاصقة مقروءة، وسائق يعرف أنه مسؤول عن الالتزام بالمسار، وشرطة سير تراقب التطبيق، وركاب يعرفون حقوقهم.
ولعل تجربة المكلا تقدم نموذجًا يستحق النظر إليه من دون أن يعني ذلك أن كل شيء فيها مثالي.
فالمهم في التجربة هو وضوح العلاقة بين الباص والراكب والطريق.
الباص ليس مجرد مركبة صغيرة تتوقف حيثما وجد السائق راكبًا، وإنما وسيلة نقل تعمل على خط معروف. والراكب ليس مضطرًا إلى تخمين وجهة الباص. والشارع لا يتحول إلى موقف عشوائي كلما لمح السائق شخصًا يلوح بيده.
أما في عدن، فإن المشكلة أكبر من مجرد غياب اللاصقات.
هناك قضية تنظيم حجم الباصات، وتحديد الخطوط، وتنظيم نقاط الوقوف، ومنع الوقوف العشوائي، وضبط تحميل الركاب، ومراقبة المخالفات. وهذه كلها حلقات في سلسلة واحدة اسمها: النقل العام المنظم.
فالمدينة التي تتوسع وتزداد كثافتها السكانية لا يمكن أن تترك حركة نقل الركاب لقانون «السائق يعرف طريقه والراكب يسأل».
نحن بحاجة إلى أن يعرف السائق والراكب وشرطة السير الطريق نفسه.
ومن هنا أتمنى ألا يتأخر تطبيق قرار شرطة السير ومكتب النقل في عدن، وأن ينتقل سريعًا من الإعلان إلى الشارع.
نعم عدن لا تحتاج إلى قرار جميل على الورق فقط.
عدن تحتاج إلى أن تعرف من أين يأتي الباص، وإلى أين يذهب، وأين يتوقف، ومن المسؤول عن مخالفته.
ولذلك أقول لشرطة السير ومكتب النقل في عدن: أحسنتم في اتخاذ الخطوة، والآن ننتظر الجزء الأهم: التنفيذ السريع والحازم.
أما أصحاب الباصات، فنتمنى أن يثبتوا أن التنظيم لا يضرهم، بل يحميهم ويحمي ركابهم، ويجعل النقل في عدن أكثر وضوحًا وأمانًا وانضباطًا.
فليس المطلوب من المواطن أن يصبح خبيرًا في قراءة حركة المرور حتى يعرف أي باص يركب يكفي أن ينظر إلى اللاصقة.. و
كثير منا يتذكرون النظام الصارم الذي عرفته عدن حتى ١٩٩٠، أيام باصات التاتا ومحطة عيشة في الشابات ومحطة الشجرة في شارع المعلا. وأتمنى أن يكون القادم افضل، وأن لا اضطر لقول: سلام الله على باصات زمان!!