زيارة الشيخ منصور بن زايد إلى الرياض تأتي في سياق محاولة تخفيف الخلاف السعودي–الإماراتي، خصوصاً بعد التطورات اليمنية الأخيرة وتقدم الحوثيين نحو مناطق استراتيجية في الجنوب الغربي وباب المندب. كما أن الرياض تحتاج إلى التعاون الإماراتي في التعامل مع القوى الجنوبية التي كانت أبوظبي تدعمها
أين تكمن مصلحة الجنوب؟ أرى أن هناك ثلاثة سيناريوهات ينبغي التمييز بينها
1. تفاهم سعودي–إماراتي على إدارة الجنوب دون حل القضية الجنوبية…هذا هو السيناريو الذي لا يحقق للمجلس الانتقالي هدفه السياسي. فقد تسعى الرياض وأبوظبي إلى توحيد القوى المناهضة للحوثيين، وإعادة ترتيب القوات الجنوبية، لكن مع إبقاء مستقبل الدولة اليمنية موحداً. وهذا يعني أن استعادة دولة الجنوب ستظل خارج التسوية
.
2. إعادة إدماج القوى الجنوبية في المعادلة السياسية والعسكرية
وهذا أكثر أهمية. فالواقع العسكري أظهر أن تجاهل القوى الجنوبية ليس سهلاً. علما أن السعودية تواجه مسألة كيفية التعامل مع القوات التي كانت مدعومة إماراتياً، بما فيها ألوية العمالقة وقوات جنوبية أخرى، وأن بعض هذه القوات تمثل قوة عسكرية مهمة في مواجهة الحوثيين. …وهنا يمكن أن يتحول التقارب السعودي–الإماراتي إلى فرصة للمجلس الانتقالي إذا أدى إلى إعادة فتح القناة السياسية بشأن مستقبل الجنوب، بدلاً من الاكتفاء بترتيبات عسكرية.
3. فتح تفاوض حقيقي حول مستقبل الجنوب …هذا هو السيناريو الأكثر أهمية للقضية الجنوبية، ولكنه لم يثبت بعد أنه جزء من تفاهمات الرياض وأبوظبي… وهنا توجد نقطة شديدة الأهمية: الرياض عملت خلال الأشهر الماضية إعادة تنظيم المشهد السياسي والأمني في الجنوب وتقليص نفوذ المجلس الانتقالي، بينما بقيت مسألة استيعاب القوات الجنوبية وإعادة تشكيلها غير محسومة. لذلك فإن السؤال الحقيقي هل ستؤدي المصالحة السعودية–الإماراتية إلى إعادة فتح الملف الجنوبي سياسياً؟
إذا كان الجواب نعم، فإن الجنوب قد يكون أحد المستفيدين من المصالحة. ..أما إذا اقتصرت المصالحة على مواجهة الحوثيين وحماية باب المندب وأمن السعودية والخليج، فقد تستفيد السعودية والإمارات أمنياً، لكن ذلك لا يعني بالضرورة تقدماً في مشروع استعادة دولة الجنوب.
وهناك نقطة استراتيجية مهمة جداً إذ أن انسحاب القوات الإماراتية لا يعني بالضرورة انتهاء النفوذ الإماراتي أو انتهاء العلاقة مع المجلس الانتقالي
.
ومن منظور القضية الجنوبية، قد يكون التطور الأكثر أهمية هو أن تنتقل الرياض من سياسة احتواء المجلس الانتقالي أو إعادة هندسة القوى الجنوبية بعيداً عنه إلى سياسة التعامل مع القضية الجنوبية باعتبارها قضية سياسية لا يمكن تجاوزها في أي تسوية يمنية. وهذا بالذات هو المجال الذي يستطيع فيه المجلس الانتقالي أن يحول التقارب السعودي–الإماراتي إلى فرصة سياسية: ليس بالمطالبة فقط بالدعم الإماراتي، وإنما بإقناع الرياض بأن استقرار الجنوب وباب المندب واليمن لا يمكن فصله عن تحديد مستقبل الجنوب سياسياً.
تقف الرياض اليوم أمام مسؤولية تاريخية وسياسية تجاه الجنوب؛ ليس فقط بحكم دورها المركزي في اليمن والمنطقة، وإنما أيضاً بحكم قدرتها على التأثير في .
فالجنوب لا يطالب بأن يكون مجرد طرف عسكري في مواجهة الحوثيين، ولا أن تتحول قواته إلى ورقة في ترتيبات إقليمية مؤقتة. إن جوهر القضية هو مستقبل شعب وهوية سياسية ودولة كانت قائمة قبل الوحدة، ثم دخلت في مسار سياسي انتهى إلى حرب 1994 وما ترتب عليها من
ولذلك فإن السؤال الذي يواجه الرياض اليوم ليس فقط: كيف نحمي أمن الحدود وباب المندب والخليج؟ وإنما أيضاً: كيف نضمن أن يكون السلام المقبل قائماً على معالجة القضية الجنوبية، لا على تأجيلها؟
وهنا تكمن المسؤولية التاريخية للمملكة العربية السعودية: أن تستخدم ثقلها الإقليمي وعلاقتها بمختلف الأطراف من أجل فتح الطريق أمام تسوية عادلة ومستدامة للقضية الجنوبية، تتيح لشعب الجنوب أن يحدد مستقبله السياسي، بما في ذلك خيار استعادة دولته، ضمن مسار تفاوضي واضح ومقبول دولياً.
فإذا أرادت الرياض أن تكون شريكاً في صناعة السلام، لا مجرد طرف في إدارة الصراع، فإن اللحظة الراهنة قد تكون فرصة لإعادة التفكير في العلاقة مع الجنوب، وفتح صفحة جديدة لا تقوم على احتواء تطلعاته، وإنما على الحوار حول مستقبله واحترام حقه في تقرير مصيره السياسي.
وقد يكون هذا هو الاختبار الحقيقي لأي صفحة جديدة بين الرياض وأبوظبي: هل ستقود إلى مجرد إعادة ترتيب التحالفات، أم ستفتح الطريق أمام تسوية تاريخية للقضية الجنوبية؟