آخر تحديث :الجمعة - 06 نوفمبر 2026 - 12:29 ص

عرب وعالم


لماذا يحق للعراق رفض الحرب على إيران ولا يحق لدول الخليج ذلك؟

الخميس - 05 نوفمبر 2026 - 11:11 م بتوقيت عدن

لماذا يحق للعراق رفض الحرب على إيران ولا يحق لدول الخليج ذلك؟

صالح الفضلي

يبدو أن الرئيس العراقي الزيدي قرر الليلة أن يذكّر دونالد ترامب بدرس بسيط في الجغرافيا والسيادة الوطنية: العراق دولة لها أرض وسماء وحدود، وليست محطة ترانزيت للطائرات والصواريخ الأمريكية، ولا موقفاً مجانياً في ساحة انتظار الحروب!


فقد أعلن العراق رفضه استخدام أراضيه ومجاله الجوي ومياهه الإقليمية منطلقاً لأي عمليات عسكرية تستهدف دول الجوار. والمقصود هنا، بطبيعة الحال، إيران أولاً، سواء تعلق الأمر بطائرات حربية أو مسيّرات أو صواريخ، أو حتى بقوات برية قد تجد نفسها فجأة في رحلة سياحية مسلحة عبر الحدود!


وهذا موقف يمكن فهمه من زاوية السيادة الوطنية، بصرف النظر عن الموقف من النظام الإيراني أو سياساته أو نفوذه في العراق والمنطقة.

لكن السؤال الذي يستحق أن نضعه أمام ترامب، وربما أمام بعض أصدقائه في المنطقة: لماذا يبدو إعلان بغداد هذا حقاً سيادياً طبيعياً، بينما يتحول الأمر عندما يتعلق بدول الخليج إلى معادلة شديدة التعقيد؟

فدول الخليج ليست بعيدة عن هذا الموقف كما قد يتصور البعض. فقد أعلنت السعودية، في يناير الماضي، رفضها استخدام أراضيها ومجالها الجوي لشن هجوم على إيران، وأعلنت الإمارات والكويت مواقف مشابهة. أي إن هذه الدول قالت بالفعل إنها لا تريد أن تكون أراضيها منصة للحرب. لكن إعلان الموقف شيء، والقدرة على ضمان تنفيذه شيء آخر.

وهنا تبدأ حقيقة المعضلة الأمريكية الخليجية!

في المنطقة قواعد عسكرية أمريكية، وأسطول خامس، وطائرات وقوات ومنظومات دفاع جوي، واتفاقيات تعاون أمني وعسكري. فهل تستطيع دولة تستضيف هذه المنظومة أن تقول لواشنطن: تستطيعون استخدام قواعدنا لحمايتنا، لكن ممنوع عليكم استخدامها في أي عملية هجومية ضد إيران؟

وهل يستطيع ترامب أن يتقبل هذه المعادلة دون أن يرسل إلى أصدقائه الخليجيين فاتورة سياسية جديدة، أو يذكّرهم بأن الحماية الأمريكية ليست وجبة مجانية في مطعم العلاقات الدولية؟


المفارقة أن واشنطن تريد من حلفائها أن يكونوا معها عندما تتطلب مصالحها ذلك، لكنها لا تستطيع أن تضمن لهم بالضرورة أن الحرب التي تختارها لن تتحول إلى كارثة على أمنهم واقتصادهم ومنشآتهم النفطية.

والأطرف أن إيران، التي لا تتردد في توجيه التهديدات إلى دول الخليج، قد تجد في القواعد الأمريكية الموجودة على أراضي هذه الدول أهدافاً عسكرية في أي مواجهة جديدة، بصرف النظر عن إعلان تلك الدول أنها لا تريد الحرب. وهكذا يصبح الخليج مطالباً بتحمل مخاطر حرب لم يختر توقيتها، وربما لم يشارك في اتخاذ قرارها أصلاً!

لكن لا ينبغي أن نغفل أن العراق نفسه ليس في وضع مثالي يسمح له بادعاء الحياد الكامل؛ فهناك فصائل مسلحة مرتبطة بإيران، وتوجد انتهاكات واتهامات متبادلة بشأن استخدام المجال الجوي العراقي، كما أن بغداد تواجه تحدياً حقيقياً في فرض سلطة الدولة على جميع القوى المسلحة الموجودة داخل أراضيها.

إذن، ليست المشكلة في أن يقول العراق لا، أو أن تقول دول الخليج لا. المشكلة الحقيقية هي: من يملك القرار العسكري والسيادي داخل حدود هذه الدول؟

إن السيادة لا تُقاس بعدد البيانات الرسمية التي تصدرها وزارات الخارجية، ولا بعدد المرات التي يعلن فيها المسؤولون رفضهم للحرب، وإنما بقدرة الدولة على منع استخدام أرضها وأجوائها ومياهها في عمليات عسكرية لا توافق عليها.

وفي النهاية، ربما نحتاج إلى تذكير ترامب بأن دول الخليج ليست حاملات طائرات عائمة، وأن العراق ليس ممراً إجبارياً للصواريخ الأمريكية، وأن وجود قاعدة عسكرية أجنبية لا يعني بالضرورة أن الدولة المضيفة قد سلّمت مفاتيح قرارها السيادي لصاحب القاعدة.

فالسيادة لا تتجزأ، وحق رفض الحرب ليس بنداً في اتفاقية حماية أمريكية، ولا هدية يمنحها ترامب لمن يشاء ويسحبها ممن يشاء!