في الوقت الذي تواجه فيه الأسر اليمنية ضغوطاً معيشية متزايدة، أصبحت تحويلات المغتربين أكثر من مجرد مبالغ مالية تصل من الخارج؛ فهي مصدر دخل أساسي لآلاف العائلات، ووسيلة لتأمين الغذاء والإيجار والعلاج والتعليم، فضلاً عن دورها في تحريك الأسواق المحلية وتوفير العملة الأجنبية.
وفي عدن، كما في بقية المحافظات، تمثل هذه التحويلات شرياناً مهماً للأسر التي تعتمد على أقاربها العاملين في الخارج لتغطية احتياجاتها، في ظل محدودية فرص العمل وضعف مستويات الدخل المحلي. لكن هذا الشريان، رغم أهميته، يواجه تحديات تتعلق بتكاليف التحويل، وتعدد القنوات المالية، والانقسام المصرفي، ومدى قدرة المستفيدين على تحويل الأموال المستلمة إلى احتياجات فعلية.
مليارات الدولارات.. وأثر مباشر على معيشة الأسر
تُظهر دراسة بحثية صادرة في فبراير 2026 عن مركز النمو الدولي (IGC) ومؤسسة AidData أن التحويلات الرسمية إلى اليمن قُدّرت بنحو 3.8 مليارات دولار خلال عام 2023، بما يعادل قرابة 20% من الناتج المحلي الإجمالي.
وتشير الدراسة إلى أن نحو 70 إلى 75% من أموال التحويلات تُستخدم لتغطية الاحتياجات المعيشية المباشرة للأسر، وهو ما يوضح أن الجزء الأكبر منها لا يذهب إلى الاستثمار أو الادخار، بل يُنفق على متطلبات الحياة اليومية.
وتعكس هذه الأرقام حجم اعتماد شريحة واسعة من المجتمع على دخل يأتي من خارج البلاد، كما تكشف أن أي تراجع في تحويلات المغتربين أو ارتفاع في تكلفة وصولها قد ينعكس سريعاً على قدرة الأسر على تلبية احتياجاتها الأساسية.
من المغترب إلى الأسرة.. رحلة مالية تواجه تحديات
لا تقتصر رحلة التحويلات على المبلغ الذي يرسله المغترب، بل تشمل أيضاً الوسائل المالية التي تتيح وصول الأموال، والرسوم المرتبطة بها، وسعر الصرف الذي تُحوّل على أساسه، ومدى سهولة حصول المستفيد عليها.
وتؤدي شركات الصرافة دوراً مهماً في تقديم خدمات التحويل واستلام الأموال، وتوفير قنوات تصل من خلالها الحوالات إلى المستفيدين في مختلف المناطق. كما تمثل البنوك جزءاً أساسياً من المنظومة المالية، خصوصاً في ما يتعلق بالعلاقات المصرفية الدولية وتوفير الخدمات المالية المنظمة.
استقرار سعر الصرف لا يعني بالضرورة تحسن معيشة الأسر
يرتبط أثر التحويلات بشكل مباشر بالقوة الشرائية للمبالغ التي تصل إلى المستفيدين. فقد يرسل المغترب المبلغ نفسه شهرياً، لكن ما تستطيع الأسرة شراءه به يتغير تبعاً لمستوى الأسعار وتكاليف الخدمات والاحتياجات الأساسية.
كما أن استقرار سعر الصرف، رغم أهميته، لا يضمن وحده تحسن الأوضاع المعيشية؛ إذ يتطلب ذلك استجابة حقيقية من الأسواق، وتحسناً في القدرة الشرائية، ورقابة على الأسعار، وتراجعاً في تكاليف السلع والخدمات.
وبالنسبة للأسر التي تعتمد على تحويلات شهرية ثابتة، فإن استمرار ارتفاع تكاليف الغذاء والإيجارات والعلاج والتعليم يعني أن المبلغ الذي كان يكفي لتغطية احتياجات شهر كامل قد لا يعود كافياً، حتى مع ثبات قيمة التحويل بالعملة الأجنبية.
وبذلك تصبح التحويلات وسيلة لتخفيف الضغوط الاقتصادية، لكنها لا تستطيع بمفردها معالجة الأسباب التي أدت إلى تراجع مستوى المعيشة.
هل تتحول التحويلات إلى فرصة لدعم الاقتصاد؟
رغم أن الإنفاق الاستهلاكي يمثل الاستخدام الأكبر للتحويلات، فإن هذه الأموال يمكن أن تؤدي دوراً اقتصادياً أوسع إذا توفرت بيئة مناسبة للادخار والاستثمار.
فجزء من التحويلات يمكن أن يسهم في تمويل المشروعات الصغيرة، وتوسيع الأنشطة التجارية، وتوفير فرص عمل، بدلاً من اقتصار دوره على تغطية النفقات اليومية. غير أن تحقيق ذلك يتطلب وجود مؤسسات مالية موثوقة، وخدمات مصرفية ميسرة، وأدوات ادخار وتمويل مناسبة، إلى جانب استقرار اقتصادي يشجع الأسر والمغتربين على توجيه جزء من أموالهم نحو الاستثمار.
مسؤولية مشتركة لتطوير منظومة التحويلات.
كما تبرز أهمية دور البنوك في استعادة وتوسيع علاقاتها المصرفية الدولية، وتطوير الخدمات التي تتيح استقبال التحويلات وإدارة الأموال بكفاءة، بما يعزز الثقة في النظام المصرفي ويدعم الشمول المالي.
وفي المقابل، تظل شركات الصرافة جزءاً مهماً من منظومة التحويلات، لما توفره من خدمات وقنوات وصول إلى المستفيدين، ويمكن أن يسهم تعزيز التنسيق بينها وبين البنوك في تحسين كفاءة الخدمات وتوسيع خيارات العملاء.
أما الجهات الحكومية المعنية، فتحتاج إلى العمل على تحسين بيئة الاستثمار وتوسيع فرص التمويل للمشروعات الصغيرة، بما يتيح تحويل جزء من هذه التدفقات المالية إلى نشاط اقتصادي منتج.
شريان لا ينبغي أن يبقى بديلاً عن الاقتصاد
تؤكد الأرقام أن تحويلات المغتربين أصبحت أحد أهم مصادر التمويل الخارجي للاقتصاد اليمني، ومصدراً أساسياً لاستمرار حياة كثير من الأسر. لكنها في الوقت نفسه تكشف عن مفارقة اقتصادية؛ فبلد يعتمد بدرجة كبيرة على أموال أبنائه في الخارج، بينما لا تزال قدرته على تنظيم هذه التدفقات والاستفادة منها اقتصادياً محدودة.
ويبقى السؤال الأهم: كيف يمكن الانتقال من التعامل مع تحويلات المغتربين باعتبارها أموالاً تصل لتغطية نفقات الأسر فقط، إلى بناء منظومة مالية أكثر تكاملاً تضمن وصولها بتكلفة مناسبة، وتوفر الثقة للمغتربين والمستفيدين، وتتيح توظيف جزء منها في دعم الاقتصاد المحلي؟
فاستمرار هذه التحويلات يمثل دعماً مهماً للأسر، لكن بناء اقتصاد قادر على توفير فرص العمل والدخل وتحسين الخدمات يظل الطريق الأهم لتقليل الاعتماد عليها كمصدر أساسي للمعيشة.
المصادر المرجعية:
دراسة «من النقد إلى رأس المال: توظيف التحويلات لمستقبل اليمن الاقتصادي»، مركز النمو الدولي وAidData، فبراير 2026.
تقرير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) حول تعزيز المرونة الاقتصادية في اليمن.
مراجعات مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية حول الاقتصاد اليمني والقطاع المصرفي.