آخر تحديث :الجمعة - 06 نوفمبر 2026 - 01:50 م

قضايا


سوق مركزي جديد للقات .. آخر إنجازات الوحدة في عاصمة الثقافة العربية!

الجمعة - 06 نوفمبر 2026 - 01:50 م بتوقيت عدن

سوق مركزي جديد للقات .. آخر إنجازات الوحدة في عاصمة الثقافة العربية!

صالح الفضلي

يبدو أن الوحدة اليمنية، بعد أكثر من ثلاثة عقود على تحقيق منجزاتها العظيمة، قد قررت أخيراً أن تقدم لوادي حضرموت مشروعاً ثقافياً استثنائياً، لا يقل أهمية عن المتاحف والمسارح والمكتبات العامة! إنه افتتاح سوق مركزي جديد للقات في مدينة تريم، المدينة التي ارتبط اسمها بالعلم والعلماء والمدارس الدينية، وحملت لقب عاصمة الثقافة الإسلامية!


يا لها من مفارقة تستحق أن تدخل موسوعة الإنجازات الوحدوية! مدينة أنجبت العلماء والفقهاء والأدباء، واحتضنت مكتبات ومخطوطات ومدارس علمية عريقة، تكافأ اليوم بسوق مركزي للقات، بينما لا تجد فيها مركزاً ثقافياً حديثاً، ولا مسرحاً، ولا مكتبة عامة تليق بتاريخها ومكانتها!

ولا شك ان علي عبد الله صالح قد سارع الى إقرار دخول وباء القات الى حضرموت لتمكين عساكره وجواسيسه من الاستمرار في تعاطيه وكذلك إلى افساد أكبر قدر من الحضارم وإلهائهم. بينما عجز عن افتتاح مركز ثقافي واحد يحتضن الشباب والمبدعين والباحثين، ويعيد الاعتبار للكتاب والقراءة والفنون.

واليوم يبدو أن الثقافة لم تعد مدرجة في جدول أعمال المسؤولين، لأنها لا تدر عليهم جلسات مقيل يومية، ولا توفر لهم فرصة استعراض النفوذ والوجاهة؟


المشكلة أن بعض المسؤولين المدنيين والعسكريين يبدو أنهم أكثر انسجاماً مع ثقافة القات من انسجامهم مع الثقافة بمعناها الحقيقي. فالمقيل حاضر في اهتماماتهم ومواعيدهم، أما الكتاب والمسرح والمكتبة والنشاط الثقافي، فتلك كماليات يمكن تأجيلها إلى إشعار آخر!

ولعل افتتاح سوق القات المركزي يمثل، من وجهة نظر هؤلاء، استجابة ذكية لاحتياجات المجتمع؛ فبدلاً من أن ينشغل الشباب بالقراءة والبحث والمسرح، يمكن توفير مكان منظم يساعدهم على ممارسة طقوس المقيل في أجواء حضارية!


والمفارقة الأكثر إيلاماً أن تريم ليست مدينة عادية في ذاكرة الحضارم؛ إنها مدينة العلم والمدارس الدينية والمكتبات، ومدينة ارتبط اسمها بأعلام تركوا بصماتهم في الحياة العلمية والثقافية داخل حضرموت وخارجها. وكان الأجدر بالسلطات أن تتسابق لافتتاح مركز ثقافي يحمل اسم أحد أعلامها، أو مكتبة عامة، أو مسرح، أو معهد للفنون، بدلاً من أن يكون أبرز ما تقدمه لها هو سوقاً مركزياً للقات.


فهل يعقل أن تحتاج مدينة بهذا التاريخ إلى من يذكر مسؤوليها بأن الثقافة ليست مجرد شعارات تزين خطابات المناسبات، وأن احترام المدن لا يكون فقط بتعبيد الشوارع وإنشاء الأسواق، بل أيضاً بصيانة ذاكرتها الثقافية وبناء مستقبل أجيالها؟

لقد وعدتنا الوحدة بمشروع وطني كبير، لكن يبدو أن بعض القائمين عليها اختصروا المشروع في توفير متطلبات المقيل، وتركوا الثقافة لأهلها كي يتدبروا أمرها!

مبروك لأهل تريم السوق المركزي الجديد للقات! أما المركز الثقافي، والمكتبة العامة، والمسرح، فربما يأتي دورها عندما ينتهي المسؤولون من جلسة المقيل... أو عندما يكتشفون أن للمدن عقولاً أيضاً، وليس لها بطون فقط!