من المُلاحَظ أن اللقاءات الأخيرة للصديق مصطفى نعمان بعد حديثه عن حتمية تحالف (الوحدويين) الشرعيين والحوثيين، ضد الانفصاليين الجنوبيين، وأخص هنا حديثه مع (اليمن بودكاست) قد أوقعته في الكثير من المطبات التي لم أكن أتمنى أن يقع فيها وهو الدبلوماسي المعروف بلباقته وحذاقته، لكن يبدو أن نشوة المنتصر قد أفقدته تلك المهارات التي يفترض أن يتمتع بها، حتى وهو يتشفى بهزيمة خصمه ويتباهى بانتصار هو من صنع دولة شقيقة، ولا علاقة للسلطة التي يمثلها بصنعه، وهنا نواصل ما كنا قد بدأناه في الوقفتين السابقتين من الملاحظات.
جـ. يقول مصطفى إن القضية الجنوبية قد حُسِم أمرها في مؤتمر الحوار الوطني في صنعاء (2012-1013م) أو ما يسميه اليمنيون بـ"مؤتمر موفمبيك" أو "حوار موفمبيك".
حديث مصطفى هذا يذكِّرني بحادثة طريفة جرت في إحدى القرى الريفية وصارت مثلاً حيث أراد الفلاح الأب الذي صار ينسى كثيراً، أن يقسم تركته بين ولديه، ولأنه ميال إلى ولده الأصغر فقد اتخذ قراراً مسبقاً بأن يمنح هذا الإبن البقرة الصغرى لوفرة حليبها وجودة العجول التي تضعها، لكن البقرة الصغرى ماتت قبل موعد التقسيم، وحين الوصول إلى تقاسم الأبقار قال الأب الذي لم ينس قراره بتفضيل ابنه الأصغر على أخيه الأكبر، لكنه نسي موت البقرة:
- البقرة الأكبر (العجوز) لفلان
مشيراً إلى لإبن الأكبر الذي لا يحبه كثيراً.
- أما أنت حبيب أبوك
مشيراً إلى الإبن الأصغر الذي يحبه .
- فلك البقرة الصغيرة.
وحينما حاول الإبن الأصغر أن يعترض على قرار الأب، موضحاً بأن تلك البقرة قد ماتت، قال له الأب:
- أسكت يا أهبل، أنا أعرف مصلحتك أكثر منك، البقرة الصغيرة أفضل لك عجولها سمينة ولبنها أكثر.
وهو ما ينطبق على كل الذين يتحدثون عن مخرجات الحوار الوطني أو "حوار موفمبيك" وكأنها القوة السحرية التي حلت كل مشاكل البلاد، فهم يَعِدُون الجنوبيين بالمخرجات الميتة، ويعتقدون بذلك أنهم قد أخرسوا كل من يتحدث عن قضية جنوبية وعن حقوق جنوبية وعن دولة جنوبية تم تدميرها من خلال حربين عسكريتين مصحوبتين بالغزو الثقافي والأخلاقي والتزييف التاريخي والمعنوي.
ومع ذلك يمكن للمتابع العادي أن يسأل: أين هي "مخرجات الحوار الوطني" أو "مؤتمر موفمبيك"؟ ألم تكن هي السبب في الحرب والانقلاب على الرئيس الشرعي وعلى النظام الجمهوري في العربية اليمنية برمته؟
يا صديقي مصطفى!
مخرجات مؤتمر موفمبيك ماتت وصارت من الماضي ولا يمكن استرجاعها، وموتها لم يأتِ صدفة ولكن لأن كل قوى النفوذ الشمالية كانت ترفضها، وقد ناقشت معظم الزملاء الذين تربطني بهم صلة ولقاءات متعددة من قيادات حزبي المؤتمر الشعبي العام والتجمع اليمني للإصلاح وكلهم يرفضون الأقاليم الستة، وأعلى ما يقترحونه هو حكم محلي واسع (وليس حتى كامل) الصلاحيات، بينما ما يزال أغلبهم يتمسك بالوحدة الاندماجية، بين بلدين قد انفصلا عن بعضهما موضوعياً وفعلياً على الأرض وما إعلان تمسكهم بـ"مخرجات الحوار" إلا كورقة دعائية، لإيمانهم المطلق بأنها قد احترقت ولم يعد إعلان التمسك بها يسبب لهم أي ضرر.
وللتذكير فقط فإن الحزب الاشتراكي اليمني كان قد قدم تصورًا بدولة فيدرالية بإقليمين (شمالي وجنوبي) وهي نفس التوصية التي خرج بها مؤتمر القاهرة الجنوبي الأول (نوفمبر 2011م)، لكن الأشقاء الشماليين رفضوا هذا المقترح، واعتبروه خطوة على طريق الانفصال، وبالمقابل فضلوا أن يسلموا "ثوابتهم الوطنية" (الثورة والجمهورية والوحدة والديمقراطية) لأحفاد حميد الدين وأمير الدين على القبول بدولة فيدرالية بإقليمين، فجاء هؤلاء الأحفاد وكرسوا الانفصال على الأرض؟
د. وفي إطار محاولته دحض القول بوجود إرهابيي داعش والقاعدة في حضرموت، وهم الذين سيطروا على مديريات ساحل حضرموت أكثر من سنتين حتى تم دحرهم بفضل أبطال النخبة الحضرمية التي تشكلت ونشطت وبقيت في عهد المحافظين المحترمين فرج البحسني وأحمد سعيد بن بريك ومبخوت بن ماضي (كع حفظ الألقاب والرتب)، يقول مصطفى إن هناك منطقتين عسكريتين مهمتهما التصدي للجماعات الإرهابية ، ولا أظن الأخ مصطفى يجهل أن المقاومة الجنوبية وكل الفعاليات السياسية الجنوبية ومنها الحضرمية على وجه الخصوص، تتهم المنطقة العسكرية الأولى التي يسيطر عليها قادة عسكريون شماليون متعاطفون مع الحوثيين، تتهمهم بحماية الجماعات الإرهابية وتمويلها وتموينها عند الضرورة، فكيف يا صديقي تعتمد على منطقة عسكرية قيادتها مُتَّهمة بحماية ودعم الجماعات الإرهابية واستخدامها والتستر عليها بأن تتولى محاربة تلك الجماعات؟
لقد ظلت هذه الجماعات الإرهابية ومنذ العام 1994م تحتمي بالمنطقة العسكرية الأولى التي كان يقودها يحيى أبو العوجاء منذ قرابة عقد من الزمان، كما إن هذه المنطقة ظلت مثلما يعلم الجميع، ذراعاً نشطأً في تمرير الأسلحة الإيرانية وكل المهربات والممنوعات إلى الجماعة الحوثية بصنعاء، فهل هذه القوات يمكن الرهان عليها في محاربة الإرهاب وهي من يحمي الإرهاب ويتستر عليه يا صديقي العزيز؟
هـ. وحينما يقول مصطفى ومعه الكثيرون من إعلاميي إسطنبول ومن في حكمهم إن وجود القوات الجنوبية في حضرموت يهدد الأمن القومي للسعودية فإن من حقنا نحن المواطنون البسطاء أن نسأل: أيهما أكثر تهديدا للأمن القومي السعودي؟ الخمسمائة جندي المنتمون أصلاً إلى فريقٍ من أصدق شركاء التحالف العربي الذي يقوده الأشقاء في السعودية أثناء ذروة عملية "عاصفة الحزم" ومن صانعي النصر الوحيد في هذه العاصفة، أم الأربعة عشر لواءً من قوات المنطقة العسكرية الأولى التي بفضلها وصلت الأسلحة الإيرانية التي بها قصف الحوثيون المدن والمنشآت الاقتصادية في المملكة الشقيقة؟
أما القول بأن التهريب لا يتم عبر هذه المنطقة فقط، وإنه تم كشف محاولة تهريب في عدن، فهذه شهادة للقوات الجنوبية في عدن وغير عدن وليست ضدها، لكن يظل السؤال، لماذا يا مصطفى هذا الجيش الجرار الممتد من حبروت والقيضة ونشطون بمحافظة المهرة حتى حدود محافظة الجوف لم يكشف ولا عن حالة واحدة من حالات تهريب الصواريخ الباليستية الإيرانية التي يبلغ طول بعضها (17 متراً وأكثر)، فضلاً عن بقية الأسلحة والمهربات إلى صنعاء؟ أم إنها لم تكن تمتلك المايكروسكوب القادر على كشف هذه (الأجسام المجهرية)؟
ويرتكب الصديق مصطفى خطأً معرفياً ومغالطةً معلوماتيةً وتاريخية، حينما يقول إن دخول القوات الجنوبية إلى حضرموت يشبه احتلال صدام حسين للكويت، فهو قول يتضمن ازدراءً واستخفافاً واضحين للملكات الذهنية لمتابعي حديثه، إذ لسنا بحاجة إلى القول بأن صدام حسين احتل دولة شقيقة مستقلة ذات سيادة وعضواً في كل المنظمات الإقليمية والدولية، بينما القوات الجنوبية انتقلت انتقالاً من منطقة جنوبية إلى منطقة جنوبية أخرى، ومن العجيب أن معظم (الشرعيين) الذي سرقوا نصر القوات الجنوبية في محافظات أبين وعدن ولحج والضالع وشبوة، يتباهون بهذه الانتصارات التي حققتها القوات الجنوبية، لكنهم يدينون وصول هذه القوات نفسها إلى حضرموت وكأنها اعتدت على دولة أجنبية واحتلت أراضيها وانتهكت سيادتها.
وللحديث بقية