الصورة : توزيع خارطة النفوذ في اليمن وتماسها مع الممرات المائية الدولية؛ يبرز الرسم البياني قرب مناطق سيطرة حركة "أنصار الله" من مضيق باب المندب، في ظل تصاعد التنافس الإقليمي على أمن الملاحة. (المصدر: صحيفة التلغراف – معالجة: مركز أوسان)
دخلت الأزمة اليمنية في منتصف أبريل 2026 مرحلة “الاشتباك الجيوسياسي الكامل”، حيث لم تعد الجغرافيا الوطنية مجرد ساحة نزاع محلي، بل تحولت إلى “رافعة استراتيجية” في صراع الممرات المائية الدولية. ويرصد مركز أوسان للإعلام وتحليل السلام تحولاً خطيراً في طبيعة الضغوط الإقليمية، تترابط فيه توازنات مضيق هرمز بأمن باب المندب ككتلة واحدة غير قابلة للتجزئة.
فبينما أشارت تقارير صحيفة (وول ستريت جورنال) الأمريكية، في 14 أبريل الجاري، إلى ضغوط إيرانية مكثفة على حركة أنصار الله في اليمن لإغلاق مضيق باب المندب أو فرض “رسوم عبور”، تبرز التحذيرات الأممية الصارمة من مغبة هذا الانزلاق.
ويرى مركز أوسان أن مراهنة الأطراف اليمنية على المتغيرات الإقليمية، كما وصفها المبعوث الأممي هانس غروندبرغ أمام مجلس الأمن، تمثل “رهاناً على عاصفة لا سيطرة لأحد عليها”.
إن خطورة هذه المرحلة تكمن في تحول “التهدئة” من استحقاق وطني يخدم اليمنيين إلى “ورقة مقايضة” دولية، مما يهدد بتآكل الملكية الوطنية للقرار السياسي ويضع اليمن أمام “صدمات بنيوية” لا تحتملها هشاشة الوضع الراهن.
المقايضة البحرية: باب المندب في ميزان هرمز
تشير القراءة الاستراتيجية لمركز أوسان إلى نشوء معادلة “ردع تبادلي” غير مسبوقة بين القوى الإقليمية والدولية؛ حيث كشفت تسريبات مسؤولي “وول ستريت جورنال” عن مساعٍ سعودية حثيثة للضغط على واشنطن لرفع حصار مضيق هرمز لتجنب رد فعل إيراني في البحر الأحمر.
ويرى مركز أوسان أن حصول الرياض على التزامات من حركة أنصار الله بعدم استهداف السفن السعودية يمثل “دبلوماسية حافة الهاوية”، لكنه لا يحمي الملاحة الدولية من سيناريو “عسكرة الممرات” الذي تخشاه إسرائيل والقوى الغربية.
وبحسب ما أوردته صحيفة وول ستريت جورنال بشأن التلويح بفرض رسوم سيادية في باب المندب بضغط من طهران، فإن الملاحة تحولت من خدمة تجارية إلى “أداة ضغط” سياسية مفرطة. إن استمرار هذا التوجه، بالتزامن مع خطاب زعيم الحركة عبد الملك الحوثي في 16 أبريل، الذي ربط مصير الهدنة بـ “جبهات المحور” والوضع في لبنان، يعني عملياً أن مسار السلام اليمني بات “رهينة زمنية” لتفاهمات واشنطن وطهران، وهو ما يفرغ “خارطة الطريق” الوطنية من محتواها المستقل ويحولها إلى صدى للنزاعات العابرة للحدود.
الهشاشة الداخلية وضغوط الاستقطاب في مجلس الأمن
على الصعيد الميداني والسياسي، يلحظ مركز أوسان تزايداً في “الانكشاف الأمني” المتوازي مع انقسام المواقف الدولية داخل مجلس الأمن. فبينما حذر المندوب الصيني من “توقف مسارات الحوار”، ذهبت روسيا إلى التحذير من مغبة عزل أي طرف يمني، في حين شددت باريس والمنظمة الأممية على ضرورة الحوار بين القوى الميدانية، وتحديداً في جنوب اليمن، لتجنب تقويض الإطار الوطني.
ويرى مركز أوسان أن الاضطرابات الأخيرة في المكلا بحضرموت، وسقوط ضحايا خلال الاحتجاجات، تعكس “تآكل الثقة” في قدرة المؤسسات المحلية على احتواء الأزمات المعيشية وسط الانشغال بالصراعات الكبرى.
وبحسب تصريحات عمرو البيض لصحيفة (التيلغراف) البريطانية، في 15 أبريل، فإن إضعاف القوى البرية التي تقيد العمليات الساحلية للحركة يعزز من تهديدات الملاحة. إن هذا التداخل بين “الاحتجاجات المحلية” و”الاستقطاب الدولي” يجعل من استئناف العملية السياسية الشاملة أمراً بالغ الصعوبة؛ إذ إن تباعد الأجندات السياسية وتعثر بناء الثقة يحول دون الوصول إلى “توافقات صلبة”، مما يبقي اليمن ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية على حساب تطلعات الاستقرار الوطني.
وتخلص القراءة التحليلية لمركز أوسان إلى أن استمرار “ارتهان التهدئة” بديناميكيات صراع المضائق يهدد بتبخير المكتسبات الإنسانية للعامين الماضيين؛ فالمخرج الوحيد لمنع تحول اليمن إلى “منطقة عازلة للصراعات” يكمن في خلق مسار تفاوضي “محصن سيادياً”، يفصل بين الاحتياجات المعيشية لليمنيين وبين المعادلات العسكرية للمحاور، لضمان ألا يكون السلام اليمني مجرد ضحية ثانوية في مواجهة لا يملك اليمنيون قرار بدئها أو إنهائها.