حين تتعرض الأوطان للأزمات، لا يكون الدمار مادياً فحسب، بل يمتد ليطال الوعي والثقافة والذاكرة الجمعية، وهي أخطر ما يمكن أن يُستهدف في أي مجتمع؛ ومن هنا أدركنا منذ اللحظة الأولى أثناء تولينا مسؤولية قيادة السلطة المحلية في #حضرموت، أن معركة التحرير لم تكن عسكرية فقط، بل هي معركة وعي وهوية، تتطلب إعادة بناء المؤسسات الإعلامية والثقافية، وإحياء الإرث الحضاري الذي حاولت قوى الإرهاب طمسه وتشويهه.
لقد خلّفت سيطرة عناصر تنظيم القاعدة الإرهابي على ساحل حضرموت آثاراً كارثية على قطاع الإعلام والثقافة، حيث تعرضت المؤسسات الإعلامية للتدمير والتعطيل، وتوقفت الرسالة الإعلامية الرسمية، كما طالت يد العبث المواقع الأثرية والمتاحف التي تم نهب محتوياتها وتخريبها، في محاولة لقطع الصلة بين الإنسان الحضرمي وتاريخه العريق.
وكان من أبرز صور هذا الدمار ما تعرضت له إذاعة المكلا التي قامت عناصر تنظيم القاعدة الإرهابي بتدميرها بالكامل وإحراق أرشيفها الإذاعي أثناء دخولها وسيطرتها على مدينة المكلا في العام 2015، وهو ما مثّل خسارة كبيرة لذاكرة إعلامية وثقافية امتدت لعقود طويلة.
وانطلاقاً من مسؤوليتنا الوطنية، عملنا على إعادة بناء هذا القطاع الحيوي من الصفر، واضعين نصب أعيننا أهمية الإعلام في ترسيخ الأمن والاستقرار ودوره في تعزيز الوعي المجتمعي ومواجهة الفكر المتطرف.
وقد جاءت هذه الجهود متزامنة مع مرحلة ما بعد تحرير مدينة المكلا ومدن ساحل حضرموت من عناصر تنظيم القاعدة الإرهابي في 24 أبريل 2016، حيث شكّل هذا الحدث نقطة تحول مفصلية أعادت الحياة إلى مختلف القطاعات، وفي مقدمتها القطاعان الإعلامي والثقافي اللذان شهدا عودة الأنشطة والفعاليات بعد فترة من التوقف القسري.
كما تم في القطاع الإعلامي تأسيس قطاع تلفزيون حضرموت وفق أسس حديثة، من حيث البنية التحتية والتجهيزات الفنية، ليواكب التطورات الإعلامية المتسارعة كمنبر وطني يبرز صوت حضرموت وقضاياها؛ كما تم تأهيل مبنى إذاعة المكلا الجديد، بعد أن دُمّر المبنى القديم بالكامل، حيث زُوّد المبنى الجديد بأحدث الأجهزة والمعدات، بما مكّن الإذاعة من العودة إلى أداء رسالتها الإعلامية بكفاءة عالية واستئناف بثها والوصول إلى مختلف شرائح المجتمع.
وفي الجانب الثقافي، ومع استعادة الأمن والاستقرار عقب التحرير، عادت الأنشطة الثقافية والفنية إلى الواجهة، وتم العمل على توفير بنية تحتية حديثة تحتضن هذا الحراك؛ فتم إنشاء مسرح حضرموت الوطني في مدينة المكلا، بمواصفات حديثة وأجهزة متطورة، وبتكلفة إجمالية بلغت 195 مليون ريال يمني، ليكون صرحاً ثقافياً يحتضن الفعاليات والمهرجانات والأنشطة الإبداعية ويسهم في تنشيط الحركة الثقافية وإبراز المواهب المحلية.
كما تم إنشاء قاعة حضرموت لمعارض الصور والفنون التشكيلية، لتكون منصة لعرض الإبداعات الفنية وتشجيع الفنانين والمبدعين، وإتاحة الفرصة أمامهم للتعبير عن قضايا مجتمعهم من خلال الفن، في خطوة تعزز من الحراك الثقافي وتدعم الهوية الحضرمية.
أما في قطاع الآثار والمتاحف، فقد أولينا اهتماماً خاصاً بإعادة الاعتبار للمعالم التاريخية التي تمثل ذاكرة حضرموت وهويتها الحضارية؛ حيث تم ترميم جزء كبير من القصر السلطاني، وإعادة فتح متحف المكلا بعد أن تعرض للتدمير والنهب، وذلك بكلفة إجمالية بلغت 60 مليون ريال يمني، في خطوة هدفت إلى استعادة الموروث الثقافي والحفاظ عليه للأجيال القادمة.
وامتدت أعمال الترميم والتأهيل لتشمل عدداً من المعالم الأثرية، من بينها إعادة تأهيل المدرسة الوسطى بمدينة غيل باوزير وتحويلها إلى مركز ثقافي، بكلفة إجمالية بلغت 100 مليون ريال يمني، لتكون منارة للعلم والثقافة ومركزاً للأنشطة الفكرية والإبداعية.
كما شملت الجهود ترميم وإعادة تأهيل حصن الغويزي، أحد أبرز المعالم التاريخية في المكلا، إضافة إلى تأهيل متحف الفقيد حسين أبوبكر المحضار بمدينة الشحر، الذي يمثل قيمة ثقافية وفنية كبيرة، كونه يوثق لمسيرة أحد أبرز رموز الشعر والغناء في حضرموت.
ولم تقتصر أعمال الترميم على هذه المواقع فحسب، بل شملت عدداً من المواقع الأثرية الأخرى، حيث بلغت تكلفة الترميمات نحو 50 مليون ريال يمني، في إطار خطة متكاملة للحفاظ على الإرث الحضاري وصيانته من الاندثار.
إن ما تحقق في قطاع الإعلام والثقافة والآثار خلال تلك المرحلة، لم يكن مجرد مشاريع خدمية، بل جاء كجزء من مرحلة التعافي وإعادة البناء التي أعقبت التحرير، وأسهم بشكل مباشر في إعادة إحياء الحياة الثقافية والفنية وتعزيز حضور الإعلام كأداة وعي وتنوير في المجتمع.
واليوم، ونحن نستحضر هذه الجهود تزامناً مع الذكرى العاشرة لتحرير ساحل حضرموت من عناصر تنظيم القاعدة الإرهابي. يتبع