شكّل تحرير حضرموت منذ عقد من الزمن محطةً مفصلية في تاريخ المحافظة، بوصفه لحظة استعادةٍ للأمن بعد سنوات من الاضطراب. فقد نجحت قوات النخبة الحضرمية، بقيادة اللواء الركن فرج سالمين البحسني، في فرض معادلة أمنية متماسكة أدت إلى القضاء على وجود القاعدة
غير أنّ دور البحسني امتدّ إلى معركة أعمق في إعادة تشكيل الوعي العام عبر الإعلام والثقافة. فقد أدرك أنّ حماية حضرموت لا تقتصر على البعد العسكري، بل تتطلب ترسيخ هوية جامعة تعكس خصوصيتها وتحصّن المجتمع من الاختراقات الفكرية والسياسية. ومن هذا المنطلق، دعم خطابًا إعلاميًا محليًا يعزّز الرمزية الحضرمية، وشجّع مبادرات ثقافية تربط بين الموروث الحضاري والواقع المعاصر، سعيًا إلى بناء سردية متوازنة تجمع بين الأصالة والانفتاح.
ورغم ما تحقق من نتائج، واجه هذا المسار و غيره تحديات بنيوية، في مقدمتها الأزمة الاقتصادية التي حدّت من فاعلية تلك الجهود، وأعاقت تحوّلها إلى مشروع متكامل
لاحقًا، تعرّض هذا النموذج لاختبار صعب مع دخول قوى مدعومة إقليميًا وفرض ترتيبات جديدة مست بقدرات قوات النخبة الحضرمية، ما مثّل انتقالًا من إدارة محلية للأمن إلى مقاربة أكثر ارتباطًا بالحسابات الإقليمية. وقد انعكس هذا التحول على مستوى الاستقرار، وأعاد طرح تساؤلات جوهرية حول السيادة المحلية ودور الفاعلين الداخليين.
في ضوء هذه المعطيات، يبرز البحسني كحالة سياسية وعسكرية تستحق التوقف عندها. فقد سعى، بحكم تجربته، إلى الحفاظ على توازن في علاقاته مع الأطراف الإقليمية، دون الانخراط الكامل في محاورها. هذا الهامش من الاستقلالية، على محدوديته، قد يمنحه موقعًا مهمًا في مرحلة ما بعد الحرب، خصوصًا إذا اتجهت المنطقة نحو إعادة صياغة التوازنات على أساس التفاهمات لا الصراعات.
يمكن قراءة موقعه من خلال ثلاثة محددات رئيسية:
أولًا، الاستقلالية النسبية التي حاول الحفاظ عليها في بيئة شديدة الاستقطاب.
ثانيًا، الخبرة الميدانية والإدارية التي اكتسبها خلال مرحلتي التحرير وما بعدها.
ثالثًا، القدرة على التكيّف مع التحولات الإقليمية دون فقدان كامل لهامش القرار.
يبرز البحسني بوصفه فاعلًا يجمع بين الخبرة العسكرية والمرونة السياسية. فقد حافظ، إلى حدّ ما، على مسافة من الاستقطابات الحادة، ما أتاح له هامش حركة قد يتحول إلى رصيد في مرحلة ما بعد الحرب، خاصة إذا اتجهت التوازنات نحو التسويات بدل المواجهات.
تتحدد فرصه في المعادلة القادمة بثلاثة عناصر: رصيده في إدارة مرحلة ما بعد التحرير، قدرته على التكيّف مع التحولات دون الارتهان لها، وإمكانية تقديمه كخيار توافقي داخل بيئة منهكة تبحث عن الاستقرار أكثر من الصراع.
حضرموت اليوم لا تحتاج فقط إلى أمن مستدام، بل إلى سلطة قادرة على معالجة الاختلالات الاقتصادية واستعادة ثقة المجتمع. ومن هذه الزاوية، قد يتحول البحسني إلى نقطة تقاطع بين قوى متباعدة، لا باعتباره الطرف الأقوى، بل بوصفه الأكثر قدرة على إدارة التوازن في لحظة تتطلب براغماتية عالية أكثر مما تتطلب خطابًا صداميًا.