تمر ذكرى السابع من يوليو من كل عام، فتعود بي الذاكرة إلى صيف عام 1994، ليس كقارئ للتاريخ، ولا كمحلل سياسي، وإنما كشاهد عيان وكبير مراسلي محطة MBC آنذاك، كنت في قلب الأحداث، أتنقل بين الجبهات، وأرصد تطورات الحرب بين صنعاء وعدن لحظة بلحظة، وأنقل للعالم ما كانت تلتقطه عدسة الكاميرا وما كانت تعجز عن نقله الكلمات.
هناك، في ميادين الحرب، أدركت أن الحقيقة تختلف كثيرًا عما يُقال في البيانات السياسية، وأن أصوات المدافع لا تستطيع أن تُسكت صوت قضية يؤمن بها أصحابها. ومن رحم تلك التجربة المهنية والإنسانية، تشكلت قناعتي بعدالة القضية الجنوبية، لا بدافع الانتماء، ولا استجابةً لاعتبارات سياسية، وإنما نتيجة لما رأيته ووثقته بنفسي.
لقد كانت حرب 1994، في نظري، نقطة تحول مفصلية في تاريخ الجنوب واليمن معًا. فقد أنهت المواجهة العسكرية، لكنها لم تُنهِ الخلاف السياسي، ولم تُغلق ملف القضية الجنوبية، بل فتحت مرحلة جديدة ظل فيها هذا الملف حاضرًا في المشهد السياسي، وتطور عبر السنوات حتى أصبح أحد أبرز القضايا المطروحة على المستويين الإقليمي والدولي.
لقد علمتني الصحافة أن أفرق بين الخبر والرأي، وبين الوقائع والانطباعات. ولذلك، فإن قناعتي التي أكتب عنها اليوم ليست ادعاءً للحقيقة المطلقة، بل هي خلاصة تجربة مهنية امتدت لعقود، وتجربة ميدانية عشت تفاصيلها، وأدركت من خلالها أن القضايا السياسية الكبرى لا تُحسم بالقوة العسكرية، وإنما تُدار بالحوار، ويُبحث لها عن حلول تستند إلى العدالة والقانون والقبول السياسي.
وبعد أكثر من ثلاثين عامًا، أزداد يقينًا بأن القضية الجنوبية تحتاج اليوم إلى أدوات جديدة تتناسب مع طبيعة المرحلة؛ أدوات تقوم على البحث العلمي، والتوثيق التاريخي، وفقه القانون الدولي، والدبلوماسية المؤسسية، والإعلام الاحترافي. فالعالم لم يعد يتعامل مع القضايا العادلة بمنطق الشعارات، وإنما بمنطق الوثائق، والدراسات، والحجج القانونية، والقدرة على مخاطبة الرأي العام الدولي بلغته.
ولهذا، فإن إحياء ذكرى السابع من يوليو ينبغي ألا يكون مجرد استذكار للماضي، بل مناسبة لتجديد التفكير في المستقبل، والانتقال من ردود الأفعال إلى بناء مؤسسات فكرية واستراتيجية قادرة على إنتاج رؤية سياسية وقانونية متماسكة تخدم القضية الجنوبية وتمنحها حضورًا أكثر تأثيرًا في المحافل الدولية.
هذه ليست رواية سمعتها من الآخرين، بل شهادة مراسل حرب عاش الحدث، ونقل وقائعه، ثم خرج منه بقناعة ما زالت راسخة حتى اليوم: أن القضايا العادلة لا يمحوها الزمن، وأن التاريخ لا يكتبه المنتصر في المعركة وحده، بل تكتبه أيضًا إرادة الشعوب، ووثائق الباحثين، وشهادات من كانوا هناك وشهدوا بأعينهم ما جرى.