لم أكن أستطيع النوم في تلك الليلة...
كان المساء هادئًا، والمدينة غارقة في سكونها، لكن رأسي كان مزدحمًا بالأفكار. أغلقت هاتفي، وأطفأت الضوء، واستلقيت على السرير كي أنام، لكن النوم غادرني. كنت أتقلب على جمر الأفكار المتلاطمة والهواجس التي لا تهدأ... بدأت أتخيل: ماذا لو حدث شيء لا يمكن أن يحدث؟
وفجأة خطرت لي الفكرة:
ماذا لو اختفى برج إيفل من باريس وظهر في اليمن؟
لم أبحث عن تفسير، بل تركت الخيال يأخذني... ماذا لو استيقظ العالم غدًا على خبر هزّ القارات:
«اختفاء برج إيفل من باريس وظهوره في اليمن!»
كان البرج قد ظهر فجأة في منطقة صحراوية شرق مدينة عدن، في مكان اسمه "دوفس".
لم تصدق فرنسا الخبر في البداية؛ ظن الفرنسيون أنها خدعة، ثم بدأت الصور تصل من اليمن واضحة لا لبس فيها. هناك، وسط الصحراء، كان برج إيفل واقفًا بكامل هيبته، لكن لونه بدأ يتغير بفعل غبار الصحراء والريح، وانتشرت حوله العلب الفارغة، والأكياس البلاستيكية، وبقايا حركة البيع والشراء!
أُصيب الفرنسيون بالذهول والصدمة؛ فبرج إيفل بالنسبة لهم هو هويتهم وفخرهم الوطني، وهو روح فرنسا النابضة، ورمز حريتها وجمالها.
لم تمر ساعات حتى أصبحت "دوفس" حديث العالم؛ انتشرت الشرطة في المنطقة، وأقيمت الحواجز لتنظيم حركة الناس. آلاف اليمنيين بدأوا يتوافدون من عدن، ولحج، وأبين، وتعز، وصنعاء، وحضرموت، والحديدة، وإب وغيرها... رجالًا ونساءً وأطفالًا.
كان الناس يريدون أن يروا بأعينهم ما لم تصدقه عقولهم:
— «هذا هو؟»
— «والله إنه هو!»
— «معقول برج إيفل جاء اليمن؟»
كان بعضهم يلتقط الصور، وبعضهم يحدق في صمت، وآخرون يرفعون هواتفهم إلى السماء وكأنهم يخشون أن يختفي البرج مرة أخرى.
وفي غضون يومين، تغيرت دوفس؛ نُصبت الخيام، وألواح الطاقة الشمسية، ومولدات الكهرباء وخزانات المياة ، وانتشرت سيارات النقل، وظهرت أكشاك العصائر والمياه والوجبات السريعة. باعة الذرة والشاي والقهوة والقات يفترشون الأرض، وأصحاب السيارات يعرضون خدمات النقل إلى «موقع البرج». حتى أن بعض أصحاب المحال بدأوا يكتبون على لافتاتهم:
«عصائر برج إيفل»
و:«شاورما باريسية»
وكان بعض الشباب يتحدثون وهم يضحكون أمام الكاميرات بكلمات فرنسية مكسرة: «مرسي بوكو»، «تري بيان إيفيل»!
أما الصحفيون، فقد ملأوا المكان؛ وصلت عربات البث المباشر، وأقيمت الاستوديوهات المؤقتة، وانتشر مراسلو القنوات الفضائية بين الجموع، وكانت الكاميرات الدرون تنقل المشهد من الجو باحترافية مذهلة إلى كل أنحاء العالم.
وفي مطار عدن، شهدت حركة الطيران نشاطًا غير مسبوق: طائرات خاصة، وطائرات تحمل مراسلي وكالات الأنباء العالمية، وخبراء وعلماء ومصورين. كانت عدن تستقبل العالم، وفي دوفس كان العالم كله يقف أمام برج إيفل!
لم تعد المسألة مجرد برج؛ أصبحت قضية علمية وسياسية وقانونية.
باريس تطالب باستعادة برجها، واليمن يقول:
نحن لم نسرقه، لقد أتى إلينا بنفسه!
بدأت الأسئلة تنهال:
كيف انتقل؟ من نقله؟ هل هي تجربة علمية؟ هل هو خلل في قوانين الطبيعة؟ هل يمكن أن يكون ما حدث مرتبطًا بالزمن أو الجاذبية أو شيء لم يكتشفه العلم بعد؟
رجال الدين اعتبروها معجزة إلهية وبدأوا يبحثون في نصوص التراث المروي عما يمكن توظيفه لتأكيد المعجزة، وأصحاب الفكر القومي قالوا: «هذا غزوٌ ثقافي استعماري!». أما المسؤولون اليمنيون، فقد تسابقوا أمام الكاميرات للإدلاء بالتصريحات الحماسية حول المشاريع العملاقة التي ستقام في هذه المنطقة!
لكن لم يجد أحد جوابًا حقيقيًا.
أما الناس، فلم يكونوا يهتمون كثيرًا بكل تلك الأسئلة؛ كانوا يريدون فقط أن يروا البرج.
طفل صغير وقف أمامه ممسكًا بيد أبيه وقال:
— «بابا... هو نفسه اللي في التلفزيون؟»
ابتسم الأب وقال:
— «نعم يا ولدي .. بس يبدو أنه تعب من باريس وجاء عندنا.»
ضحك من حوله.
وفي تلك اللحظة، أدركت أن الخيال لم يعد مجرد خيال؛ كنت أرى المشهد كاملًا في رأسي: الصحراء، البرج، الناس، الشرطة، الصحفيون، الطائرات، الخيام، الباعة، الأطفال، والكاميرات التي تنقل الحدث إلى العالم.
ثم بدأت أسمع ضجيج الحشود في مخيلتي يتراجع ،
شيئًا فشيئًا خفتت الأصوات، هدأ المشهد، اختفت الكاميرات... وغاب البرج.
ثم غلبني النوم.
لم أستيقظ إلا في الصباح الباكرمن اليوم التالي ؛ فتحت عيني، ونظرت حولي...
لا كاميرات، لا صحفيين، لا طائرات في مطار عدن، ولا برج إيفل في دوفس.
كان كل شيء كما كان.
ابتسمت لنفسي وقُلت:
الحمد لله... كان مجرد أرق، لكني انتصرت عليه بخيالي.