من الواضح أن التجربة السياسية العربية، خلال العقود الماضية، لم تستطع أن تنتج نموذجاً مستقراً للديمقراطية على النمط الغربي. فقد ظلت معظم التجارب العربية تراوح بين الملكيات التقليدية، والأنظمة الجمهورية ذات الحزب أو التنظيم السياسي المهيمن، والتجارب التعددية التي كثيراً ما انتهت إلى أزمات وانقسامات وصراعات على السلطة.
لكن المشكلة لا تكمن بالضرورة في «الديمقراطية» بوصفها فكرة، وإنما في البيئة السياسية والمؤسسية التي حاولت الديمقراطية أن تنمو فيها. فالتعددية الحزبية تحتاج إلى دولة قوية، ومؤسسات مستقلة، وقانون يحتكم إليه الجميع، وجيش لا يتحول إلى طرف في الصراع السياسي، واقتصاد قادر على استيعاب التنافس، وثقافة سياسية تقبل تداول السلطة. وحين تغيب هذه الشروط، يمكن أن تتحول التعددية من وسيلة لتنظيم الاختلاف إلى أداة لإنتاج المزيد من الانقسام.
ومن هنا تبدو الرسالة التي حملتها تصريحات الرئيس رشاد العليمي بشأن الجنوب جديرة بالتوقف عندها، ليس من زاوية رفض مبدأ التعددية، وإنما من زاوية السؤال الأهم: أي تعددية؟ ولأي غرض؟ ومن يملك القدرة الفعلية على تحويلها إلى واقع سياسي؟
فقد نقلت تقارير سابقة عن العليمي دعوته إلى حوار جنوبي شامل يضم مختلف المكونات، على أساس أن القضية الجنوبية لا ينبغي أن تكون حكراً على مكون واحد.
من حيث المبدأ، لا يستطيع عاقل أن يعترض على أن يكون للجنوب أكثر من تيار سياسي،
لكن في ظل الازمة التي يمر بها الجنوب واليمن .. ما يرمي اليه العليمي ليس لريئا ولا يبدو ان المراد به مصلحة الجنوب.
السؤال الذي يطرح نفسه ما المقصود بالتعددية السياسية الاعتراف الحقيقي بهذا التنوع، أم إعادة توزيع النفوذ بحيث يصبح التعدد مجرد وسيلة لإضعاف القوة السياسية الأكثر حضوراً على الأرض؟
وهذه نقطة جوهرية في قراءة المشهد الجنوبي.
فالتعددية الحقيقية لا تعني إنشاء عشرات الكيانات السياسية ثم وضعها جميعاً على قدم المساواة في الخطاب الإعلامي، بينما تختلف بينها بصورة هائلة القدرة الشعبية والتنظيمية والعسكرية والسياسية. فهناك فرق كبير بين التعددية باعتبارها حقاً للمجتمع في التعبير عن اختلافاته، وبين «تفتيت» القوة السياسية إلى كيانات صغيرة بحيث يصبح من السهل التحكم بها أو استخدامها في مواجهة بعضها بعضاً.
ولهذا فإن الجنوبيين، وهم يناقشون مستقبل قضيتهم، بحاجة إلى التمييز بين التعددية التي تحمي المجتمع من احتكار القرار، والتعددية التي تستخدم لإلغاء الوزن السياسي والاجتماعي لأي طرف.
وقد ظهر هذا الجدل بوضوح منذ طرح فكرة الحوار الجنوبي. فقد رأى مؤيدوها أنها يمكن أن تفتح المجال أمام مشاركة أوسع للمكونات الجنوبية، بينما رأى آخرون أنها قد تتحول إلى وسيلة لإعادة ترتيب المشهد السياسي الجنوبي وتقليص موقع المجلس الانتقالي.
وهنا ينبغي ألا ننظر إلى المسألة باعتبارها صراعاً بين «الديمقراطية» و«الاستبداد»، فذلك تبسيط مخلّ للمشكلة. القضية الحقيقية هي: هل يستطيع الجنوبيون إنتاج صيغة سياسية تعكس أوزانهم الحقيقية، وتحفظ حق الاختلاف، وفي الوقت نفسه تمنع استخدام الاختلاف لتصفية القضية الجنوبية أو الالتفاف على مطالبها؟
إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تتحول التعددية إلى غطاء لإعادة إنتاج الصراع القديم بطريقة جديدة. فبدلاً من أن يكون الصراع بين مشروعين واضحين، يصبح بين عشرات المكونات التي تتنافس على المواقع والامتيازات، بينما تظل القضايا الكبرى ــ الأرض والثروة والسلطة والهوية ومستقبل الجنوب ــ مؤجلة.
والتاريخ السياسي للجنوب يقدم أمثلة كثيرة على خطورة تحويل الأحزاب والمكونات إلى أدوات للمحاصصة بدلاً من كونها تعبيراً حقيقياً عن المجتمع.
لذلك فإن الحديث عن مستقبل الجنوب لا ينبغي أن يبدأ من السؤال: كم حزباً سيكون في الجنوب؟ بل من سؤال أكثر أهمية: ما شكل الدولة التي يريدها الجنوبيون، وكيف ستُدار السلطة والثروة، ومن يملك حق اتخاذ القرار؟
فإذا كان الهدف هو بناء نظام سياسي تعددي فعلاً، فإن التعددية يجب أن تكون شاملة، وأن تتيح للجنوبيين أنفسهم اختيار ممثليهم بحرية، بعيداً عن هندسة المكونات من خارج الجنوب
أو صناعة كيانات سياسية لأغراض ظرفية.
وفي المقابل، فإن القوى الجنوبية التي تمتلك حضوراً شعبياً وتنظيمياً وعسكرياً لا تستطيع أن تطلب احتكار تمثيل الجنوب إلى الأبد. فالشرعية السياسية لا تُكتسب الا من هلال الجماهير
ومنطق التمثيل الأقوى القابل للاختبار الشعبي.
وهنا تكمن مسؤولية المجلس الانتقالي وسائر القوى الجنوبية معاً. فإذا كان الانتقالي يريد الحفاظ على موقعه عليه الاستمرار في المضي في طريق الخوار الوطني الصادق الذي بدأه سنة ٢٠٢٣.
والانفتاح على القوى الجنوبية المختلفة، بحيث يصبح وزنه نتيجة طبيعية لثقة الناس به، لا نتيجة غياب المنافسين.
وفي المقابل، فإن القوى التي تدعو إلى تعددية جنوبية مطالبة هي الأخرى بأن تثبت أن هدفها ليس تفتيت الجنوب إلى كيانات متنافسة، وإنما بناء شراكة حقيقية تحترم إرادة الجنوبيين.
أما استخدام شعار «التعددية» لتبرير إعادة إنتاج الهيمنة المركزية، فهو لن يؤدي في النهاية إلا إلى تعميق فقدان الثقة.
إن الجنوب لا يحتاج اليوم إلى مزيد من الانقسامات المصطنعة، بقدر ما يحتاج إلى تعددية حقيقية داخل إطار سياسي جنوبي واضح. تعددية تسمح بالاختلاف، لكنها لا تلغي الهوية السياسية للمجتمع؛ وتسمح بالمنافسة، لكنها لا تحول المنافسة إلى اقتتال؛ وتتيح للأحزاب والمكونات أن تتنافس، لكنها تجعل صندوق الاقتراع والإرادة الشعبية هما الحكم النهائي بينها.
وهذا هو الاختبار الحقيقي لأي مشروع سياسي يُطرح اليوم باسم الديمقراطية أو التعددية.
فالخطر ليس في أن يكون الجنوب متعدد الأحزاب والمكونات، وإنما في أن تتحول هذه التعددية إلى وسيلة لتفكيك المجتمع وإضعاف قدرته على التفاوض حول مستقبله. وفي المقابل، فإن الخطر الآخر هو أن تتحول قوة أي مكون جنوبي إلى ذريعة لإقصاء بقية الجنوبيين.
وبين هذين الخطرين تقع المسؤولية التاريخية للقوى الجنوبية كلها: أن تحول التعدد من مصدر للصراع إلى مصدر للقوة، وأن تجعل الاختلاف السياسي وسيلة لبناء مشروع جنوبي أكثر نضجاً، لا مدخلاً لإعادة إنتاج الصراع القديم.
إن مستقبل الجنوب لن تحسمه كثرة الشعارات ولا كثرة المكونات، وإنما قدرة أبنائه على بناء صيغة سياسية تمتلك ثلاثة عناصر متلازمة: التمثيل الحقيقي، والشراكة السياسية، والإرادة الشعبية.
ومن دون هذه العناصر، ستظل التعددية مجرد عنوان جميل يمكن أن يستخدمه كل طرف لمصلحته.
أما إذا تحولت إلى ممارسة سياسية