آخر تحديث :الإثنين - 24 أغسطس 2026 - 02:57 م

ثقافة - أدب - فن


حافة الشريف

الإثنين - 24 أغسطس 2026 - 02:27 م بتوقيت عدن

حافة الشريف

حافة الشريف

في صيف أغسطس من عام 1978، كانت عدن تبدو كمدينةٍ غارقة في غبارها. تهب الرياح من البحر محمّلة برطوبة مالحة، ثم لا تلبث أن تختلط بأنفاس الصحراء، فتدور في الأزقة والشوارع كأنها تبحث عن شيء ضائع. كانت الشمس تلمع فوق أسطح كريتر، وتنعكس على زجاج واجهات المحال، فيما تتدلى البضائع أمام الدكاكين في حافة الشريف ومعظمها كانت لبيع الذب ومختلف المصوغات، وتختلط روائح الفواكه واللحوم والتوابل برائحة البحر القديمة.


كنت أسكن في نهاية شارع المعري، لكنني في ذلك الصيف وجدت لنفسي مكانًا آخر أسكنه كل صباح: حافة أو القاضي، وتحديدا الجزء الذي يسمونه حافة الشريف.


لم أكن أذهب إليها لشراء شيء. كنت أذهب لأنتظر رجلا أعجبت به.

في العاشرة تقريبًا من كل صباح، كنت أقف بجوار مقهى الأصدقاء، أمام ماركت عدن، وأراقب الشارع من بعيد. أحيانًا أختار ركن زقاق الشريف، بجوار محل (دنيا الأناقة) الذي أصبح اليوم (مكتب بن معدان للسفريات)، وأحيانًا أقف أمام محلات (العروسة) للمجوهرات، متظاهرة بأنني أتأمل واجهاتها. كنت أعرف أنني أخدع الآخرين، لكنني لم أكن أخدع نفسي.

كنت أنتظر حمزة جبران.


كان حمزة يعمل مذيعًا، وكان لصوته حضورٌ يتجاوز حدود المذياع. حين كان يقرأ الأخبار، كان لصوته ذلك الإيقاع الذي يجعل الجملة العادية تبدو كأنها تحمل خبرًا من عالم آخر. أما حين يمشي في الشارع، فكان يتبختر بطريقة يعرفها الذين يراقبونه، وكأنه خرج لتوه من شاشة الراديو إلى شوارع كريتر.

ولذلك كنت أنتظر ظهوره.

أحيانًا كنت أراه من بعيد، فأشعر أن قلبي سبق خطواته.

كان يمر من هناك، وأنا أتابعه بعيني حتى يختفي عند المنعطف.

ولم يكن الأمر سرًا كما كنت أتصور.

فقد بدأ أصحاب المحلات والعاملون فيها يلاحظون وقوفي المتكرر. وكان بعض المارة يبتسمون، وبعضهم يرمقني بنظراتٍ تعرف أكثر مما أقول. بل إن أحدهم صار، كلما رآني، يقلد طريقة حمزة في تقديم نشرة الأخبار، فيرفع صوته ويقول بنبرة رسمية:

(والآن... إلى تفاصيل الأخبار...)، فتتعالى الضحكات من حولي. كنت أغضب، ثم أضحك رغماً عني.

كانت تلك هي عدن التي أحببتها: مدينة لا تترك سرًا صغيرًا يختبئ طويلًا.

ومع ذلك، كنت أعود في اليوم التالي. ثم في اليوم الذي يليه. وكأنني كنت أمارس طقسًا سريًا لا أستطيع التوقف عنه.

**


في صباحٍ من تلك الصباحات، حدث ما لم أكن أتوقعه. رأيته يقترب. كان الغبار يركض أمامه، وحرارة أغسطس تلمع فوق الإسفلت، فيما كان هو يمشي كعادته، مطمئنًا إلى خطواته.

قلت لنفسي: لا تنظري إليه. فرفعت عيني إليه. قلت لنفسي: لا تبتسمي. ومع ذلك ابتسمت. وحين اقترب، خُيّل إليّ أنه أبطأ خطواته. ثم توقف. لم يكن توقفًا عابرًا هذه المرة.

نظر إليّ، وقال: أراكِ هنا كثيرًا. شعرت حينها بأن حافة الشريف كلها صمتت فجأة.

لم أجد جوابًا. قلت بعد تردد: وأنا أراك تمر من هنا كثيرًا.

ابتسم. كانت تلك الابتسامة كافية لأن أفهم أن السر الذي ظننته سرًا لم يعد سرًا.

تحدثنا قليلًا، ثم اقترح أن نلتقي في مكان أهدأ. واتفقنا على موعد في قاعة الاستقبال الخاصة بفندق السيفيو في خورمكسر.

في ذلك اليوم، دخلت قاعة الاستقبال وأنا أشعر أنني أدخل إلى امتحان لا أعرف أسئلته. كان حمزة هناك. وحين رآني، ابتسم ابتسامته نفسها. جلسنا متقابلين، وبيننا طاولة صغيرة، وعلى الجدران سكون الفنادق الذي لا يشبه سكون البيوت. كان المسؤول عن القاعة يعرف حمزة، ولذلك لم يحتج إلى كثير من الكلام.

قال حمزة: اثنان نسكافيه باللبن.

وصل الطلب سريعًا. رفعت الفنجان، لكن يدي كانت ترتجف قليلًا. قال وهو يراقبني: يبدو أنك كنتِ تنتظرينني منذ زمن.

ضحكت. قلت: ربما.

- ولماذا؟

هذه المرة لم أجد مكانًا أختبئ فيه. قلت له الحقيقة.

اعترفت له بإعجابي، ثم بحبي، وسألته السؤال الذي كنت أخشاه:

- وهل تشعر بالشيء نفسه؟

سكت لحظة. ثم قال: نعم.

كانت كلمة قصيرة، لكنها وقعت في داخلي كحجر في ماء ساكن.

سألني: وماذا تنتظرين بعد الحب؟

لم أتردد. قلت: بيتًا.

رفع عينيه نحوي.

أضفت: بيتًا صغيرًا، نعيش فيه معًا.

ابتسم، لكن ابتسامته هذه المرة لم تكن مثل ابتسامته في حافة الشريف.

كان فيها شيء من التعب.

قال: أتمنى ذلك، لكن ظروفي لا تسمح.

ثم تحدث عن عمله، وعن مسؤولياته، وعن ظروفه المالية والأسرية، وعن أمه وأختيه. لم يكن يرفضني، لكنه كان يضع بيني وبين الحلم جدارًا من الأشياء التي لا يستطيع تجاوزها.

لم أجادله. كنت في ذلك اليوم سعيدة بما يكفي لأنني سمعت منه كلمة (نعم).

وحين افترقنا، اتفقنا على لقاء آخر. ثم لقاء ثالث. ثم أصبحت اللقاءات شيئًا يشبه العادة. وكانت حافة الشريف، التي بدأت منها الحكاية، تظل شاهدة عليها.


لكن الحكايات العاطفية لا تمشي دائمًا في الطريق الذي نرسمه لها. ذات يوم، قال لي والدي: هناك أمر أريد أن أخبرك به.

جلست أمامه. لم أعرف لماذا شعرت فجأة بأن شيئًا ما سيتغير.

قال: جارنا عبادي بن سرور طلب يدك.

توقفت أنفاسي للحظة.

عبادي. ذلك الاسم لم يكن غريبًا عني. كان جارنا، وكنت في طفولتي ألعب في بيتهم مع أختيه لطيف وهدى. كان البيت قريبًا، وكانت طفولتي تعرف طريقه قبل أن أعرف معنى الحب. والآن، بعد سنوات، عاد عبادي من باب آخر. لم يعد ذلك الشاب الذي أعرفه من أيام اللعب. لقد أصبح رجلًا يطلب يدي من أبي.

قال والدي: وهو ينتظر الرد، وأنا مبدئيًا موافق.

لم أجب. خرجت من عنده وكأنني أحمل خبرين متناقضين في صدر واحد.

حمزة كان يقول إن ظروفه لا تسمح بالزواج. وعبادي يطرق باب أبي طالبًا الزواج. جلست وحدي تلك الليلة، وفكرت طويلًا. أيّهما كان الحب؟ وأيّهما كان الأمان؟

وأين تقف المرأة حين يقف القلب في جهة، وتقف الحياة في الجهة الأخرى؟

وفي اليوم التالي، عدت إلى حافة الشريف. وقفت في المكان نفسه تقريبًا.

بجوار مقهى الأصدقاء. أمام ماركت عدن. كانت حركة الناس كما هي، والدكاكين كما هي، والغبار يركض بين الأرصفة كما لو أنه لم يتغير شيء.

لكنني كنت قد تغيرت.

رأيت حمزة من بعيد. كان يقترب. وللحظة شعرت أنني عدت إلى ذلك الصباح الأول. لكنه حين اقترب، لم أعد تلك الفتاة التي كانت تنتظر أن يمر فقط. صار في داخلي سؤال آخر.

توقف حمزة. قال: لماذا أنتِ شاردة؟

نظرت إليه طويلًا. كنت أريد أن أخبره عن عبادي. كنت أريد أن أسأله: ماذا تريد مني حقًا؟

هل تستطيع أن تتزوجني؟ هل تستطيع أن تجعل من كلمة (نعم) التي قلتها في فندق السيفيو بيتًا له جدران وأبواب؟

لكن الكلمات بقيت عالقة.

قلت فقط: لا شيء.

ابتسم. ثم مضى. وبقيت واقفة. راقبت ظهره يبتعد في حافة الشريف حتى ابتلعه الزحام.


بعد أيام، جاء عبادي. لم تكن بيننا قصة حب تشبه تلك التي نسجتها مع حمزة في خيالي. كانت بيننا معرفة قديمة، وألفة الجيرة، وذاكرة طفولة. لكن عبادي كان حاضرًا. وحين يكون المستقبل غامضًا، يبدو الحاضر أحيانًا أكثر إغراءً من الحلم. تذكرت طفولتي في بيتهم، وضحكات لطيف وهدى، والباب الذي كنت أدخله بلا استئذان. وتذكرت حمزة، وصوته، ومشيته، وفناجين النسكافيه في قاعة الاستقبال. ثم تذكرت جملة واحدة قالها لي:

(ظروفي لا تسمح لي بالتفكير في الزواج.)

كانت الجملة قد بقيت في داخلي منذ ذلك اليوم. ربما كان يحبني. ربما كنت أحبه. لكن الحب وحده لا يبني بيتًا دائمًا. وفي صباحٍ آخر، مررت من حافة الشريف. كان محل (دنيا الأناقة) مفتوحًا، وواجهات (العروسة) تلمع تحت شمس عدن، ومقهى الأصدقاء يعج بالزبائن.

توقفت قليلًا. نظرت إلى المكان الذي كنت أقف فيه كل يوم. ضحكت في سري. كم كنت صغيرة وأنا أظن أن الوقوف في ذلك الركن يمكن أن يغيّر مصيري! ثم مشيت.

خلفي بقيت حافة الشريف، وبقي صوت حمزة في مكان ما من الذاكرة، وبقي عبادي يفتح بابًا آخر للحياة. ولم أعرف، حتى بعد سنوات، إن كنت يومها قد اخترت رجلًا... أم اخترت طريقًا. لكنني أعرف شيئًا واحدًا: أن بعض قصص الحب لا تنتهي حين يفترق العاشقان. بل تبدأ حياتها الحقيقية بعد الفراق. تظل تمشي معنا، مثل ظلٍّ لا نراه إلا حين نلتفت إلى الوراء.

وكانت حافة الشريف هي المكان الذي تركت فيه أول ظلٍّ من ظلال قلبي. وفي كل مرة أمر بها، كنت أشعر أن الغبار الذي كانت تهبه رياح أغسطس عام 1978 لم يختفِ تمامًا. ربما ظل عالقًا في الذاكرة. وربما ظل معه، إلى الأبد، صوت مذيع كان يمر من هناك... وفتاة كانت تنتظره.