هناك ملاحظة تستحق أن يتوقف عندها المؤرخ طويلًا، لا لأنها حقيقة مطلقة، وإنما لأنها تكشف شيئًا عميقًا في بنية المجتمع والسياسة في اليمن: لماذا تبدو الخصومات السياسية في اليمن (الشمالي)، في كثير من مراحل التاريخ الحديث، قابلة للتسوية والتعايش، بينما تحولت الخصومات السياسية في الجنوب مرارًا إلى صراعات وجودية دامية بين أبناء المعسكر الواحد؟
قد يبدو السؤال مستفزًا في صيغته، بل وقد يعترض عليه كثيرون بالقول إن الشماليين قاتلوا بعضهم في الحرب الجمهورية–الملكية، وفي حروب أخرى لاحقة. وهذا غير دقيق وتبسيط لا يصمد أمام الوقائع. فالمقارنة تتعلق بطبيعة الصراع السياسي، وبالحدود التي كان يمكن أن يصل إليها، وبقدرة المجتمع على إبقاء علاقات القرابة والمصلحة والتجارة والقبيلة قائمة فوق الخلاف السياسي.
ومن هذه الزاوية تبدو التجربة الشمالية مختلفة بالفعل عن ما حدث ويحدث في الجنوب.
ومن أبرز ما يميز التاريخ السياسي الحديث لشمال اليمن أن التحولات الكبرى في السلطة جاءت، في الغالب، عبر انقلابات عسكرية أو تحركات سريعة داخل مؤسسة الحكم والجيش، وليس عبر ثورات شعبية طويلة المدى تعيد تشكيل المجتمع من جذوره. ففي 26 سبتمبر 1962 أطاح ضباط بقيادة عبدالله السلال بالإمام محمد البدر، وأُعلنت الجمهورية في صنعاء خلال فترة زمنية قصيرة. ولم يكن ذلك، في بدايته، ثورة شعبية طويلة على نمط الثورات الاجتماعية الكبرى، وإنما كان انقلابًا عسكريًا أطاح بنظام الإمامة، ثم تحوّل بعد ذلك إلى حرب أهلية طويلة بسبب مقاومة أنصار الإمامة للنظام الجديد. وتشير الدراسات التاريخية إلى أن الجيش اليمني كان ضعيفًا، وأن النظام الجمهوري احتاج منذ الأيام الأولى إلى الدعم المصري للبقاء.
ثم تتكرر السمة نفسها بصورة لافتة. ففي 5 نوفمبر 1967 أُطيح بالسلال في انقلاب سريع، تولى بعده عبدالرحمن الإرياني السلطة. وفي يونيو 1974 أطاح إبراهيم الحمدي بالإرياني في انقلاب عسكري وُصف بأنه كان بلا دماء، ثم جاء اغتيال الحمدي في 1977، واغتيال أحمد الغشمي في 1978، لينتهي الأمر بوصول علي عبدالله صالح إلى رئاسة الجمهورية في يوليو 1978.
وهكذا يبدو تاريخ الجمهورية في الشمال، حتى قيام الوحدة، أقرب إلى سلسلة من عمليات إعادة توزيع السلطة داخل النخبة العسكرية والقبلية، منها إلى ثورات اجتماعية متتابعة. وهذه نقطة مهمة في فهم طبيعة العلاقات بين المتخاصمين الوهميين.
حرب السنوات الثماني... حرب يمنية بأيدٍ غير يمنية
أما حرب 1962–1970، وهي أطول حرب عرفها شمال اليمن الجمهوري، فلا يصح استخدامها ببساطة لنفي فكرة (اليمنيون الشماليون لا يقاتلون بعضهم). فقد كانت حربًا حقيقية، وسقط فيها عدد كبير من الضحايا، واستمرت ثماني سنوات.
لكن طبيعتها تكشف، في الوقت نفسه، شيئًا مهمًا.
فالجمهوريون لم يخوضوا الحرب وحدهم؛ إذ تدخلت مصر بقوات عسكرية كبيرة إلى جانب النظام الجمهوري، بينما حصل الملكيون على دعم سعودي وأردني، وعلى مساعدات وأسلحة ومقاتلين أجانب. وتصف الدراسات الحديثة الحرب بأنها أصبحت جزءًا من صراع إقليمي أوسع في إطار الحرب الباردة العربية.
لقد أرسل جمال عبدالناصر قوات مصرية كبيرة إلى اليمن، وأصبح الوجود المصري عنصرًا أساسيًا في بقاء النظام الجمهوري. وفي المقابل، حصل الملكيون على دعم سعودي وأردني، وعلى إسناد خارجي متنوع. وبذلك لم تكن الحرب مجرد مواجهة عسكرية صافية بين «جمهوريين يمنيين» و(ملكيين يمنيين)، بل كانت أيضًا ساحة لصراع إقليمي ودولي.
والأهم من ذلك أن القبيلة الشمالية لم تكن كتلة عسكرية صلبة خلف أحد الطرفين. فقد قاتلت قبائل إلى جانب الجمهوريين، وقاتلت قبائل أخرى إلى جانب الملكيين، ولعب شيوخ القبائل دورًا في القتال كما لعبوا دورًا في الوساطة وإنهاء الحرب
وهنا تظهر المفارقة. لقد كان الرجل يستطيع أن يكون جمهوريًا في السياسة وملكياً في تفاوضه القبلي، أو ينتقل من موقع إلى آخر تبعًا لموازين القوة والمصلحة. ولم تكن الخصومة السياسية تعني بالضرورة قطع شبكة العلاقات الاجتماعية التي تربط المتخاصمين.
ولعل هذا يفسر جانبًا من قدرة الشماليين في نهاية المطاف على الوصول إلى التسوية بعيد\ عن إراقة الدماء.
حصار السبعين: حين تعجز الحرب عن إنتاج قطيعة نهائية
كان حصار صنعاء، أو (حصار السبعين)، ذروة الحرب الجمهورية–الملكية. فقد حاصرت القوات الملكية صنعاء من 28 نوفمبر 1967 حتى 7 فبراير 1968، وكانت القوات المحاصرة تضم آلاف المقاتلين النظاميين وعشرات الآلاف من رجال القبائل. وفي المقابل دافع الجمهوريون عن العاصمة بقوات جمهورية وقبلية، مستفيدين من السلاح الجوي والدعم الخارجي.
وكان الدعم القادم من الجنوب أحد عناصر إسناد الجمهوريين، إلى جانب القوى الجمهورية والمصرية والمساعدات السوفييتية.
المهم أن الحرب، بعد كل ذلك الدم، لم تنته بإبادة أحد الطرفين للآخر.
فحين أدرك الملكيون والجمهوريون أن الحسم العسكري الكامل غير ممكن، بدأت التسويات والمفاوضات، وانتهى الأمر عام 1970 بقبول الملكيين بالنظام الجمهوري، وبعودة عدد من الشخصيات الملكية إلى الحياة السياسية، فيما اعترفت السعودية بالجمهورية.
لقد كان ذلك، بمعنى ما، انتصارًا للجمهورية مع إبقاء الباب مفتوحًا أمام خصومها السابقين.
ولعل هذه إحدى الخصائص التي ينبغي أن يتوقف عندها المؤرخ: الحرب كانت طويلة، لكنها لم تنتج قطيعة اجتماعية نهائية بين معظم مكونات المجتمع الشمالي. فالخصم الذي حمل السلاح بالأمس يمكن أن يصبح شريكًا في السلطة أو وسيطًا أو شيخًا قبليًا أو حليفًا في اليوم التالي.
وفي الجنوب كانت القصة مختلفة للأسف
إذا انتقلنا إلى الجنوب، سنجد أن الصراع أخذ في أحيان كثيرة شكلًا أكثر حدة داخل الحركة الوطنية نفسها. فأثناء مرحلة النضال ضد الاستعمار البريطاني لم تكن الجبهة الوطنية الجنوبية موحدة. فقد تنافست الجبهة القومية للتحرير وجبهة تحرير جنوب اليمن المحتل على تمثيل الحركة الوطنية وقيادة المستقبل السياسي. وتشير المصادر البريطانية والأمريكية إلى أن التنافس بين الجبهتين تحول إلى صدامات واغتيالات وحرب شوارع، وأن عددًا كبيرًا من الضحايا كانوا من العرب أنفسهم. وفي النصف الأول من عام 1967 وحده سُجل في عدن 116 قتيلًا و527 جريحًا نتيجة أعمال العنف المختلفة، وكانت الحرب بين الجبهة القومية وجبهة التحرير جزءًا أساسيًا من المشهد.
بل إن القوات العربية والأمنية المحلية اضطرت في أكثر من مناسبة إلى التدخل لوقف القتال بين الفصائل الجنوبية المتنافسة. وفي نوفمبر 1967، قبيل الاستقلال، اندلعت جولة شديدة العنف بين الجبهتين، انتهت بتدخل الجيش الاتحادي وانحيازه إلى جانب الجبهة القومية، وهو ما ساعدها على حسم الصراع والاستيلاء على السلطة.
ثم جاءت الكارثة الأكبر في 13 يناير 1986.
فالصراع هذه المرة لم يكن بين الجنوبيين والاستعمار، ولا بين حزب جنوبي وقوة أجنبية، وإنما بين رفاق الحزب والدولة والجيش الواحد. تحولت الخلافات داخل الحزب الاشتراكي إلى حرب مفتوحة في عدن، سقط فيها آلاف القتلى، ودمرت الحرب جزءًا كبيرًا من النخبة السياسية والعسكرية التي كانت تدير دولة الجنوب.
ومن هنا يمكن القول إن مأساة الجنوب لم تكن في أنه عرف الصراع فحسب؛ فكل المجتمعات تعرف الصراع، وإنما في أن الخلاف السياسي كان يميل إلى التحول إلى معركة كسر عظم، وإلى إقصاء الخصم من المجال السياسي، بل ومن الحياة أحيانًا.
والواقع الراهن نفسه يكفي لإسقاط أي عبارة حرفية من نوع (الشماليون لا يقاتلون بعضهم). فالحوثيون يخوضون منذ سنوات صراعًا عسكريًا مع قوى وقبائل وقوات يمنية أخرى، وتشهد محافظات مثل الجوف ومأرب وتعز وغيرها مواجهات متقطعة أو مستمرة. وفي 2026 ما تزال جبهات في الجوف ومأرب وتعز وغيرها تشهد توترات ومواجهات.
إذن نعم (الشمالي لا يقتل الشمالي). ففي أجزاء واسعة من الشمال، ظلت القبيلة والسوق والقرابة والمصاهرة والمصلحة الاقتصادية قنوات قادرة على استيعاب الخصومة السياسية. وقد لعبت القبيلة تاريخيًا دورًا في الحرب كما لعبت دورًا في الوساطة والسلام.
وهذا هو المعنى الذي يمكن أن نفهم به العبارة الشعبية الساخرة: (يختلفون في السياسة، ثم يجلسون إلى المائدة نفسها).
ودرس اليمن (الشمال) الذي ينبغي أن يقرأه الجنوبيون ، ولا أعتقد أن المطلوب من الجنوبيين أن يتبنوا أسطورة تقول إن «الشماليين لا يقتلون بعضهم». المطلوب هو أن يتعلموا من آلية إدارة الخلاف التي عرفها المجتمع الشمالي في مراحل كثيرة من تاريخه.
فالجنوب الذي دفع ثمنًا باهظًا من دم أبنائه في صراعاته الداخلية، من الصراع بين الجبهة القومية وجبهة التحرير إلى أحداث يناير 1986، يحتاج اليوم إلى ثقافة سياسية مختلفة: أن يختلف الجنوبي مع الجنوبي دون أن يتحول الخلاف إلى عداء وجودي.
وهذه ليست دعوة إلى نسيان التاريخ، ولا إلى إسقاط المسؤوليات، ولا إلى مساواة الضحية بالجلاد. إنها دعوة إلى عدم إعادة إنتاج التاريخ.
لقد كان من أخطر ما حدث للجنوبيين خلال عقود أن يصبح الخصم الجنوبي أخطر من الخصم الخارجي. وحين يتحول أبناء القضية الواحدة إلى أعداء، يصبح من السهل على القوى الخارجية أن تستخدمهم في صراعاتها.
وهنا نصل إلى الدرس الأهم في التاريخ الحديث.
نعم لا تجعلوا الجنوب وقودًا لحروب الشمال، فمنذ ستينيات القرن الماضي، تكرر نمط واحد بصورة أو بأخرى: يختلف الشماليون، ثم يبحث بعضهم عن قوة جنوبية تساعده على حسم الخلاف.
حدث ذلك في الحرب الجمهورية–الملكية، حين دخلت مصر الحرب إلى جانب الجمهوريين، فيما أصبح الجنوب لاحقًا جزءًا من المعادلة الإقليمية والدعم الجمهوري. ثم تكرر الأمر في صور مختلفة في العقود اللاحقة، وصولًا إلى استخدام قوى جنوبية في صراعات الشمال خلال عهد علي عبدالله صالح، ثم في الحرب الراهنة.
وهنا ينبغي أن يكون الدرس التاريخي واضحًا:
إذا كان الشماليون يريدون إسقاط الحوثيين، فعليهم أن يخوضوا معركتهم السياسية والعسكرية بأنفسهم، وأن يقدموا لليمنيين مشروعًا يقنعهم، بدل البحث في كل مرة عن أبناء الجنوب ليقاتلوا نيابة عنهم.
وليس في هذا الموقف رفض لمساندة أي يمني لأي قضية عادلة، وإنما رفض لأن يتحول الجنوب إلى خزان بشري مفتوح لحروب الآخرين.
لقد دفعت مصر ثمنًا هائلًا عندما غاص جيشها في حرب اليمن في الستينيات. فقد أصبحت الحرب مستنقعًا عسكريًا وسياسيًا استنزف مصر، حتى إن الدراسات التاريخية جعلت من التجربة اليمنية أحد أهم الأمثلة على مخاطر التدخل العسكري الخارجي في حرب أهلية معقدة.
ومن ثم، فإذا كان هناك من يريد اليوم أن يستبدل المصريين بالسودانيين أو الباكستانيين أو غيرهم، فليتذكر أن استيراد المقاتلين لا يحل المشكلة السياسية، وإنما يؤجلها ويضاعف ثمنها.
الخلاصة: على الجنوبيين أن يتعلموا من هم خصومهم؟ ويستفيدوا منمقولة «اليمنيون الشماليون لا يقاتلون بعضهم»
وعليهم أن يعرفوا كيف يختلفون دون أن يقطعوا كل الخيوط التي تجمعهم،
وعيلهم تجنل تحويل الخلاف الداخلي إلى حرب أهلية صغيرة، ثم ترك الآخرين يحددون نتائجها.
لقد تغير العالم، ولم يعد مقبولًا أن يعيد الجنوبيون إنتاج يناير 1986 بأسماء جديدة، ولا أن يسمحوا بتحويل اختلافاتهم السياسية إلى معارك بالوكالة. إذا أراد الجنوبيون بناء مستقبل مختلف، فعليهم أن يتعلموا أولًا كيف يختلفون. أن يتنافسوا دون أن يلغي أحدهم الآخر.
أن يختلفوا حول شكل الدولة وحدودها ومواردها وعلاقتها باليمن دون أن تتحول هذه الاختلافات إلى خصومة شخصية أو مناطقية أو قبلية.
والأهم من ذلك كله: ألا يسمحوا مرة أخرى بأن يصبح الجنوب ساحةً لحسم صراعات الشماليين.
فإذا كان الشماليون يريدون أن يخوضوا حربهم، فليخوضوها بأنفسهم. وإذا أرادوا إسقاط الحوثيين، فطريقهم إلى ذلك يبدأ من صنعاء ومأرب وتعز والجوف، لا من استدعاء أبناء الجنوب ليكونوا وقودًا لمعركة لم يتفق الجنوبيون أصلًا على أهدافها النهائية.
ومن لا يقرأ التاريخ جيدًا، لا يكرر أخطاءه فقط؛ بل يسمح للآخرين بأن يكرروا الأخطاء نفسها على حسابه.