آخر تحديث :السبت - 26 سبتمبر 2026 - 11:29 م

كتابات


من هرمز إلى ينبع.. كيف حوّل الحوثيون طريق النفط البديل إلى ورقة تفاوضية ضد السعودية؟

السبت - 26 سبتمبر 2026 - 10:56 م بتوقيت عدن

من هرمز إلى ينبع.. كيف حوّل الحوثيون طريق النفط البديل إلى ورقة تفاوضية ضد السعودية؟

صالح الفضلي

يبدو أن السعودية اكتشفت هذه الأيام أن الهروب من مضيق هرمز لا يعني بالضرورة الهروب من المشكلة، وأن الطريق الذي بنته منذ سنوات ليكون «خطة ب» قد يحتاج هو الآخر إلى خطة «ب».

فحين اضطربت حركة الملاحة في هرمز، قالت الرياض لنفسها: لا مشكلة، لدينا خط الشرق–الغرب، ولدينا ينبع، ولدينا البحر الأحمر. وبالفعل تحولت كميات كبيرة من النفط السعودي إلى ينبع عبر هذا الخط، الذي تبلغ طاقته التصميمية نحو 7 ملايين برميل يومياً، وكان ينقل في هذه الأزمة قرابة 4 ملايين برميل يومياً.

هكذا بدا المشهد في البداية مريحاً: هرمز يغلق، وينبع يفتح.

لكن الحوثيين، الذين لا يبدو أنهم قرأوا كتيب «قواعد المرور الآمن للنفط السعودي»، قرروا أن يسألوا سؤالاً بسيطاً: وماذا لو أصبح طريق ينبع نفسه جزءاً من الحرب؟

وفجأة، لم تعد المشكلة في المضيق وحده.

السعودية تهرب من هرمز... فينتظرها الحوثي عند ينبع

في 11 سبتمبر تعرض خط الشرق–الغرب لهجوم بطائرات مسيرة، واضطرت السعودية إلى إيقافه، وتوقفت تحميلات النفط من ميناء ينبع. وبعد ذلك استؤنف الضخ، ولكن بمعدلات منخفضة، مع تقديرات بأن العودة إلى الطاقة الكاملة قد تستغرق أسابيع بسبب الأضرار التي لحقت بثلاث محطات ضخ.

وهنا تصبح المفارقة أكثر من مجرد مفارقة.

السعودية أنفقت مليارات الدولارات لتبني طريقاً يحررها من ابتزاز هرمز، فإذا بالطريق نفسه يدخل قائمة الأهداف في زمن الحرب.

وكأن الرسالة تقول:

«هربتم من هرمز؟ أهلاً بكم في ينبع!»

ولم يتوقف الأمر عند خط الأنابيب. ففي 19 سبتمبر أعلن الحوثيون استهداف مواقع في الرياض ومنشأة لأرامكو في ينبع، بينما أعلنت السعودية اعتراض صاروخ والتصدي لهجمات أخرى طالت ينبع ومناطق سعودية مختلفة.

وهكذا بدأت تتشكل معادلة جديدة أكثر إزعاجاً للرياض:

هرمز تحت الضغط → النفط يتجه إلى ينبع → ينبع تصبح هدفاً → السعودية تعود إلى موانئ الخليج → وهكذا يعود النفط إلى الطريق الذي حاولت السعودية أصلاً تجاوزه.

يا لها من دائرة استراتيجية جميلة!

كلما أغلقت الرياض باباً، وجدت الحرب واقفة عند الباب الآخر.

الحوثي لم يغلق الطريق... لكنه جعل الطريق مكلفاً

طبعاً، من المبالغة القول إن الحوثيين يستطيعون ببساطة «إغلاق ينبع» متى شاءوا. السعودية تملك قدرات عسكرية ودفاعية كبيرة، كما أن خط الشرق–الغرب استؤنف بالفعل.

لكن المشكلة ليست في إغلاق الطريق بالكامل.

يكفي أن يصبح الطريق غير مضمون.

وهنا تكمن القيمة الحقيقية للورقة الحوثية.

فالسوق النفطي لا يحب كلمة «ربما». والناقلات وشركات التأمين والمشترون لا يحبون أن يسألوا كل صباح: هل سيعمل خط الأنابيب اليوم؟ هل ستصل الناقلة؟ هل الميناء آمن؟ هل البحر الأحمر مفتوح؟ وهل ستظهر مسيرة أخرى في الأفق؟

وقد ارتفعت بالفعل تكاليف النقل بصورة حادة مع اضطراب طرق التصدير، بينما اضطرت شركات النفط إلى استخدام ترتيبات بحرية أكثر تعقيداً وكلفة للحفاظ على تدفق الصادرات.

وهكذا لا يحتاج الحوثيون إلى امتلاك مفتاح ينبع.

يكفي أن يجعلوا الرياض تدفع ثمن استخدامه.

من الحرب على الأرض إلى الحرب على الممرات

وهنا حدث التحول الأخطر.

فالحوثيون لم يعودوا يتحركون فقط في إطار الجبهة اليمنية التقليدية. لقد تقدموا على ساحل البحر الأحمر، وسيطروا على مواقع وجزر قريبة من باب المندب، الأمر الذي جعلهم أقرب إلى التأثير في واحد من أهم الممرات البحرية في العالم. وتقول رويترز إن هذا التقدم أصبح يهدد طرق تصدير النفط السعودي والملاحة في البحر الأحمر..

وماذا يريد الحوثيون من كل ذلك؟

هنا ندخل إلى الجزء السياسي من القصة.

التقارير التي تناولت التطورات الأخيرة تشير إلى أن الحوثيين يستخدمون مكاسبهم العسكرية للضغط من أجل تنازلات سياسية أوسع، من بينها رفع القيود عن ميناء الحديدة ومطار صنعاء، وتعويضات مرتبطة بالحرب، وتقليص الدعم السعودي للحكومة اليمنية المعترف بها دولياً.

وبالتوازي، استمرت الاتصالات في مسقط؛ فقد كشفت رويترز عن لقاءات بين مسؤولين أمريكيين وممثلين حوثيين في مسقط في سبتمبر، في وقت كانت فيه الجماعة قد حققت تقدماً كبيراً على ساحل البحر الأحمر.

وهنا تصبح مسقط أكثر من مجرد مكان للتفاوض.

إنها المكان الذي يمكن أن تتحول فيه الصواريخ والطائرات المسيرة والموانئ وخطوط الأنابيب إلى أوراق على الطاولة.

فالرسالة الحوثية المحتملة للرياض ليست بالضرورة:

«سنغلق ينبع».

بل:

«إذا لم تسلموا لنا مارب والجنو، فإن حماية ينبع والبحر الأحمر والحدود والمنشآت النفطية ستصبح أكثر كلفة».

وهذه رسالة تفاوضية أكثر ذكاءً من مجرد التهديد بالإغلاق.

الرياض أمام خيارين... وكلاهما ليس مجانياً

وهنا تجد السعودية نفسها أمام خيارين كلاهما مكلف.

الخيار الأول: التصعيد العسكري.

أي محاولة استعادة المبادرة على الساحل الغربي، وتأمين باب المندب، وإبعاد الحوثيين عن الممرات التي يمكن أن تهدد صادرات النفط، مع احتمال اتساع الحرب وتزايد تكلفتها.

والمشكلة أن واشنطن، وفق ما نقلته رويترز، لم توافق على العودة إلى ضرب الحوثيين مباشرة، رغم طلب سعودي للمساعدة، واكتفت بعرض دعم استخباراتي واستهدافي.

الخيار الثاني: التفاوض.

وهنا تصبح الرياض مضطرة إلى البحث عن صيغة تخفف الخطر، وتحمي الحدود والمنشآت والممرات البحرية، حتى لو تطلب ذلك مرونة أكبر في بعض الملفات اليمنية.

وبعبارة أكثر سخرية:

قد تكتشف الرياض أن أرخص صاروخ حوثي هو الصاروخ الذي يجبرها على الجلوس إلى طاولة المفاوضات!

وهذا هو الإنجاز الاستراتيجي الأكبر الذي حققه التصعيد الحوثي حتى الآن: تحويل جغرافيا النفط السعودي إلى جغرافيا تفاوضية.

فبدلاً من أن يكون الحوثي مجرد طرف يطالب بحصة في السلطة أو بترتيبات داخل اليمن، أصبح قادراً على محاولة التأثير في الحسابات السعودية المتعلقة بالحدود والطاقة والملاحة.

ولذلك فإن معادلة مسقط لم تعد:

ماذا تريدون من اليمن؟

بل أصبحت أقرب إلى:

كيف يمكن إنهاء الحرب بحيث تتوقفون عن تهديد مصالحنا، ونتوقف نحن عن دفع كلفة حماية مصالحنا؟.

ويريد الحوثيون الآن أن يقولوا للرياض:

«نعرف طريقكم الآخر أيضاً»..

لكن السؤال الحقيقي يبقى:

هل تستطيع الرياض شراء الهدوء بتنازلات محدودة، أم أن الحوثيين سيرفعون سقف مطالبهم كلما شعروا أن سيف ينبع أصبح فوق الطاولة؟

.