آخر تحديث :الثلاثاء - 29 سبتمبر 2026 - 09:29 م

ثقافة - أدب - فن


سيؤون ما شيء كماها يعجبك حتى هواها.. حين تتعانق روحانية الحولية وأصالة التراث وبهجة اللقاء

الثلاثاء - 29 سبتمبر 2026 - 08:57 م بتوقيت عدن

سيؤون ما شيء كماها يعجبك حتى هواها.. حين تتعانق روحانية الحولية وأصالة التراث وبهجة اللقاء

كتب / صالح فرج

سيؤون ما شيء كماها يعجبك حتى هواها.. حين تتعانق روحانية الحولية وأصالة التراث وبهجة اللقاء


"حيا ليالي جميلة مرت بسفح الجبل مثناة سفح الطويلة مابين أرباب الجميل أهل الشروع الأصيلة.. وأهل الوفاء والجود من سابق دويل

عدد طشوش المخيلة سلام لأرض الدول وعلى الحصون الدويلة والقرن وحيوط السحيل والحوطة المستطيلة.. فيها علي حبشي وكم فرع أصيل"


بهذه الأبيات الجميلة من رائعة ألحان المرحوم سعيد مرزوق، أحد رجالات ومقادمة حافة الحوطة بمدينة سيؤون، أستهل حديثي هذا العام عن مطلع المطالع، والزواج الجماعي "ألفة ومحبة"، وحولية الإمام المجدد علي بن محمد بن حسين الحبشي، تلك المناسبات التي تآلفت على مدى سنوات طويلة، وشكّلت لوحة حضرمية متكاملة تتعانق فيها الروحانية الدينية مجسدة وسطية المدرسة الحضرمية الدينية مع أصالة التراث وبهجة اللقاء..

حيث تعيش مدينة سيؤون في أيام الحولية والمطلع حالة استثنائية من الزهو والحركة والنشاط الذي يعم كل أرجائها؛ فالمحلات التجارية والمقاهي بل وحتى الأشجار والساحات تتزين لاستقبال هذا الحدث السنوي الأبرز، وترتفع وتيرة الإعداد والتحضير لتنسجم فيها مظاهر الاحتفال الديني بالفعاليات التراثية والدنيوية في لوحة حضرمية فريدة يجسدها ابناء حافة الحوطة بالمدينة ويتسابقون على تقديم كل مايستطيعون ليبدو مطلعهم السنوي بمظهر يليق بالحوطة المستطيلة التي فيها على حبشي وكم فرع أصيل..


إنها أيام سيؤونية استثنائية تستعيد فيها المدينة ألقها، وتفتح أبوابها لاستقبال الزوار والوفود من مختلف المناطق، في مشهد تتجلى فيه قيم المحبة والتآخي والوفاء، وتتجدد فيه أواصر التواصل الاجتماعي، وتنبض فيه المدينة بالحياة والحركة والنشاط.


في اليوم العاشر من شهر ربيع الثاني كل عام تنطلق فعاليات حولية الامام علي بن محمد بن حسين الحبشي مقرونة بفعاليات مطلع المطالع، الذي تقيمه سنويًا حافة الحوطة، متزامنًا مع الزواج الجماعي "ألفة ومحبة"، لتجتمع هذه المناسبات في بوتقة واحدة، تتناغم فيها الفعاليات الدينية والدعوية الخالصة لوجه الله، مع الفعاليات التراثية والاجتماعية والفنية التي تتجلى فيها روح الإبداع والذوق الحضرمي الأصيل..


تتعدد الفعاليات وتتكامل المظاهر وتُقام المجالس الروحية وقراءة السيرة النبوية والموشحات الدينية في رباط العلم الشريف بسيؤون ومسجد رياض الجنة وقبة الإمام الحبشي، بحضور كبار العلماء والدعاة والزوار من داخل اليمن وخارجه.. بالإضافة إلى إقامة العديد من الندوات والبحوث العلمية وجلسات الذكر التي تُعزز وترسّخ قيم التسامح والوسطية التي تتميز بها المدرسة الوسطية الحضرمية الدينية الأصيلة، والألفة التي أرسى دعائمها الإمام المجدد علي بن محمد بن حسين الحبشي..


وفي جانب تيسير الزواج، يتم تنظيم مراسم الزواج الجماعي لعشرات العرسان سنوياً، مما يجسد أبهى صور التكافل الاجتماعي والتخفيف من أعباء التكاليف على الشباب، وتتشارك المدينة بأكملها فرحة العرسان عبر تقديم الولائم واستقبال الوفود والمشاركين من مختلف المناطق..

وتتميز احتفالات الحولية ومطلع المطالع بزخم جماهيري كبير، حيث يتوافد إلى مدينة سيؤون الزوار من كل حدب وصوب، وتتحول شوارعها وأحياؤها وأسواقها إلى خلية نحل لا تهدأ، في مشهد يعكس مكانة هذه المناسبات في وجدان الناس، وما تحمله من إرث ديني واجتماعي وثقافي متجذر في تاريخ المدينة وأهلها.


ومن أهم الأنشطة التراثية والشعبية لمطلع المطالع بحافة الحوطة، تقام ألعاب الشبواني حيث تتدفق حويف الشبواني من مختلف مدن وقرى وادي وصحراء وساحل حضرموت، متجهة بالعِدَد والمجموعات برقصاتها الشعبية وأشعارها الزامليّة نحو السوق العام بالمدينة حتى بيت مقام الإمام الحبيب علي الحبشي.. كما تُقام أمسيات ومساجلات يستضيف فيها كبار شعراء الدان الحضرمي لتقديم اشعار وقصائد تتناول القضايا الاجتماعية والوطنية والدينية في أداء يعكس أصالة الفن الحضرمي في أمسية ختامية تكون مسك ختام مطلع المطالع..


وتشهد أسواق سيؤون حركة تجارية غير مسبوقة، حيث تُعرض المنتجات الشعبية، والحلويات الحضرمية المعروفة والتي تشتهر بها حضرموت، والهدايا التذكارية للزوار.. وفي هذه الأيام المباركة تفتح البيوت والمنازل في سيؤون أبوابها لاستضافة الضيوف والزائرين، في تجسيد حي لشيم "أهل الشروع الأصيلة وأهل الوفاء والجود".


تشهد سيؤون حراكًا واسعًا على مختلف المستويات؛ فمن حلقات الذكر ومجالس العلم والدعوة، إلى الأسواق المكتظة واللقاءات الاجتماعية، مرورًا بالأمسيات الدينية والفعاليات التراثية والفنية، تتجسد صورة مدينة تجمع بين عبق الماضي وحيوية الحاضر، وتحافظ على خصوصيتها الحضرمية في أبهى صورها..


إن مطلع المطالع والحولية والزواج الجماعي ليست مجرد مناسبات عابرة، بل هي ذاكرة حية تختزن تاريخًا من الوفاء والتراحم والتكافل، وتجسد قدرة المجتمع على صون موروثه الديني والثقافي والاجتماعي ونقله من جيل إلى جيل.. سيؤون في هذه الأيام حكاية حضرمية متجددة تتعانق فيها روحانية الإيمان وأصالة التراث وفرحة اللقاء، لتظل أنموذجاً يجمع بين عظمة المناسبة الروحية وحيوية التراث الشعبي، وتُباهي العالم بجمال روحها والتاريخ شاهد على أصالتها.


#صالح_فرج

الثلاثاء 18 ربيع الثاني 1448هـ

الموافق 29 سبتمبر 2026م