آخر تحديث :الثلاثاء - 27 يناير 2026 - 05:26 م

كتابات واقلام


في الميزان: خطاب 94 وحوار الرياض

الثلاثاء - 27 يناير 2026 - الساعة 02:45 م

احمد عبداللاه
بقلم: احمد عبداللاه - ارشيف الكاتب


يعيش البعض مزاج 1994؛ ذلك المشبّع بـ"اللاءات" الكبرى: لا "انفصاليين" في الحكومة، لا "تشطيريين" في الدولة، ولا جنوبي تحت السماء وفوق الأرض يُقبل به إذا تحدث عن استعادة دولته، فيما تتناسل أيضاً "لاءات" أخرى لا تقل إثارة.
هذا التراكم من النفي والإقصاء لا يعكس صلابة موقف ولا وضوح رؤية، بقدر ما يكشف عن ركود ذهني مزمن، وعجز عن قراءة التحولات، وفشل مستمر في التعلم من التاريخ القريب، وكأن ذلك التاريخ لم يُنتج درساً ولا عبرة.
في عام 1994، لم يُهزم الجنوب عسكرياً فحسب، بل أُصيب بما يشبه الشلل الناتج عن الصدمة. ذهب الجميع، إثر ذلك، إلى التعايش مع واقع فُرض بالقوة، على أمل أن يحمل المستقبل ما يستحق الحياة. غير أن ذلك "الأمل" تآكل مع الزمن، مخلفاً حالة من الضياع تراكم وقعه في نفوس المجتمع.
ومع مرور الوقت، لم تتراجع 94 من الوعي، بل ترسّخت فيه، وتعمّقت جراحها، حتى تحوّلت رمزيتها من عنوان خطابي عن "تعميد الوحدة بالدم" إلى انكسار تاريخي لها، وإلى لحظة تأسيس لصراع مؤجَّل.
ومع هذا التراكم، انطلق الحراك الجنوبي الشعبي، الذي كشف للعالم حقيقة قضية الجنوب وطبيعة وحدة 94. وكانت حالة الغليان الشعبي تلك هي الوقود الذي غذّى المقاومة الشعبية في عام 2015.
الأحداث الراهنة تختلف جذرياً عن 1994، إلا عند من لا يزال يعيش في صلب الماضي. فالدولة، بوصفها كياناً جامعاً، قد انهارت، وخلفت سلطة أمر واقع في الشمال، وسلطة تُدار من الخارج فوق ما يُسمّى "أراضي محرَّرة". ومع ذلك، يصرّ البعض على استدعاء منطق 94، في محاولة للاستيلاء عملياً على مراكز النفوذ، مستغلين الاندفاع السعودي لإعادة ترتيب المشهد وتغيير ميزان القوى على الأرض.
من هنا، فإن عدم اتخاذ المملكة خطوات واضحة لمعالجة واقع ما بعد الأحداث الأخيرة، بما يعيد للمسار الجنوبي توازنه وفاعليته، سيقود حتماً إلى إنتاج موجة صاخبة من الحراك الشعبي، هي الأوسع والأقوى في تاريخ الجنوب، خصوصاً إذا تبيّن أن منطلقات حوار الرياض لا تتجاوز كونها محاولة لامتصاص الصدمة أو تنفيس الاحتقان دون نتائج ملموسة.
وفي سياق مكمّل، ما يزال حوار الرياض حديثاً معلقاً في الهواء. وكما صرّح نائب وزير الخارجية اليمني، فإن نتائج الحوار، أياً كانت، ستُعرض لاحقاً على طاولة المفاوضات اليمنية لاختبار صلاحيتها: قبولها، تعديلها، أو رفضها. فمسألة الوحدة، كما قال، ليست خلافاً عائلياً يُحسم بإجراء شكلي أو "طلاق سياسي"، بل قضية معقدة… وهي سرديات مكررة بات الشارع يحفظها عن ظهر قلب.
إلا أنه و بهذا المعنى، فإن الحوار الجنوبي في الرياض، سواء قُدِّم بنسخة "موفنبيكية" جنوبية أو بأي صيغ مختلفة، ستنتهي مخرجاته إلى "إطار تفاوضي مفترض" للقضية الجنوبية، مع بقية الأطراف اليمنية.
فما الجديد إذن؟؟
مهما تكن الإجابة، تبقى الحقيقة الأثقل وزنًا أن أي مخرجات سوف تخضع لاحقًا لغربال الطاولة اليمنية الشاملة، حيث يتصدر الحوثي المشهد بوصفه سلطة أمر واقع، وتشاركه الرؤية تجاه الجنوب بقية القوى الحزبية الشمالية.

الخلاصة، مهما بدت صادمة، أن الحقوق الكبرى في سياق الأزمات لا تُمنَح في السياسة ما لم تُؤمَّن ضمن ميزان واقعي. وأي حديث جنوبي عن مستقبل مختلف، من دون توازن فعلي على الأرض، لا يتجاوز كونه رغبة أخلاقية في عالم تحكمه شروط الواقع لا النوايا. فالتوازن ليس ترفًا ولا نزعة عدوانية، بل شرط وجودي يمنع فرض المسارات بالقسر، ويُسقط منطق الغلبة قبل أن يتحوّل إلى قدر سياسي.
أحمـــــــــــدع